هجرة كبيرة شهدتها سوريا لفرق “الموسيقى الجديدة” التي عرفت فورتها في تنوع اتجاهاتها؛ واختلاف تيارات ملحنيها، والشكل أو القالب الموسيقي الذي عملت عليه كل من هذه الفرق؛ فمنذ عام 1998 كان العديد من المجموعات الموسيقية لشباب وشابات قد درسوا كل أنماط الغناء والعزف على آلات شرقية وغربية في المعهد العالي للموسيقى بدمشق؛ لتظهر فرقة  “كلنا سوا” كأولى هذه التجمعات وأكثرها حضورا؛ وكموسيقى اشتغل أصحابها على فلكلور البلاد؛ من حيث بناء قوالبه اللحنية، واستعاراتها لأنماط الروك والجاز والبوب، والفنك؛ وسواها من الاتجاهات الموسيقية الغربية.

“نوطة، توكسيدو؛ شام إم سيز؛ زودياك؛ إطار شمع، جين، فتت لعبت، أنس أند فريندز، ماظوط، حرارة عالية، مرمر، طويس، حوار” أسماء لفرق سورية تشتت شملها اليوم في ظل حرب دخلت عامها الثامن؛ تاركةً ذكريات تلك الأيام التي كانت تغص بها حدائق دمشق وساحاتها العامة بحفلات ما عرف وقتها  بـ”موسيقى على الطريق” التظاهرة الأضخم التي كانت ترعاها محافظة دمشق.

من حديقة “القشلة” بباب توما، وصولاً إلى ساحة “المسكية” قبالة الجامع الأموي الكبير، ومسرح قلعة دمشق؛ وصولاً إلى حديقة “النعناع” في قلب العاصمة السورية، كان برنامج هذه الفرق يزدهر عاماً بعد عام؛ عاكساً رخاءً ثقافياً وفنياً واجتماعياً؛ وصعوداً مطرداً لنخب موسيقية شابة، أرادت التعبير عن نفسها؛ وبكل حرية؛ ليشتهر عبر هذا الحضور الكثيف العديد من الأصوات من مثل الثنائي ” لينا شاماميان، وباسل رجوب” اللذين أصدرا مبكراً ألبومات مشتركة كان أولها “خمير” و”شآميات” وسواها من الأسطوانات التي راجت بين أوساط الشباب؛ محققةً حضوراً لموسيقى دمجت بين فلكلور المنطقة من أغانٍ ومقطوعات أرمنية وسورية بتوزيع جديد أفاد من قالب الجاز التجريبي؛ أو ما يسمى “الجاز أورينتال”.

وقتها تقدمت أيضاً إلى الواجهة فرقة “نوتة” التي تكونت من عروة صالح- عود، مصعب تركماني- نزار عمران ترومبيت، باسل رجوب – ساكسفون؛ يزن هزيم درامز وعلى الغيتار قصي الدقر الذي يروي عن هذه الفرقة وغيرها من فرق الموسيقى الجديدة في بلاده فيقول لـ(صالون سوريا): “ليست (نوتة) هي الفرقة الوحيدة التي قمنا بتشكيلها فهناك فرقة  (فتت لعبت) التي عزفتُ معها برفقة مؤسسها هانيبال سعد؛ حيث كانت مشروعاً غير ربحياً، وقتها لم نصدر ألبوماً.”

كنا نعزف دون مقابل مادي؛ فقط كان مجرد تأمين عدة صوت ومسرح كافياً لأن نذهب ونعزف في أبعد قرية سورية؛ (فتت لعبت)- يتابع الدقر- كان تعمل على شخصية الموسيقى الفلكلورية مع تماسك للموسيقى الغربية عبر إيقاعات فردية واضحة، أستطيع القول أنها كانت بمثابة الحالة التقدمية من الموسيقى الفلكلورية ولكن بشكل ثيمة ميلودي جديدة.”

اليوم تشتت شمل فرقتنا مثلما تشتت شمل الكثير من الفرق الأخرى- يقول الدقر ويتابع: فرقة (مازوط) التي أسسها رشوان ظاظا مع داني شكري هاجر معظم أفرادها، وفرقة (توكسيدو) التي عملت على نمط (الفنك)- موسيقى الخمسينيات أيضاً لقيت المصير نفسه؛ حيث كانت أول تجمع لرباعي نفخي على كل من آلات الترومبون والترومبيت والساكسفون؛ ورافقتهم على الغيتار أيضاً؛ فيما غنت معنا نور عرقسوسي.”

مغنيات ومغنيون سوريون رافقوا هذه الفرق ولمع نجمهم معها، لكن اليوم لينا شماميان تغني في تركيا، ولبانة قنطار في أميركا؛ و ورشا رزق وأنس أبو قوس ووعد بو حسون وشادي علي في الخارج أيضاً؛ كما توقف مع الحرب فعاليات مهرجان الجاز الذي كان يقام كل صيف على مسرح قلعة دمشق؛ إضافةً لتوقف العديد من الفعاليات التي كانت تحتفي بالموسيقى وجمهورها، لاسيما يوم الموسيقى العالمي الذي كان حدثاً ثقافياً استثنائياً للفرق الجديدة.

هجرة كثيفة ومتوالية حتى لطلاب المعهد العالي للموسيقى؛ تجاوز عددهم مؤخراً الثلاثين طالباً وطالبة، منهم ثمانية في معهد (فاينر) بألمانيا كما يخبرنا مدرّس رفض ذكر اسمه؛ فالأكاديمية الأشهر في سورية والتي تأسست بعد صدور المرسوم التشريعي رقم (28) لعام 1990؛ وهو مرسوم أعطى فكرة جيدة عن اهتمام الدولة بالفن الموسيقي، حيث جاء في نص مادته الثانية “تعليم أصول الغناء الفردي والجماعي، العربي والعالمي وإعداد باحثين موسيقيين وخاصة في الموسيقا العربية.”

الهجرة لم تتوقف على العازفين والمغنيين والطلاب، بل تجاوزتها لتشمل أهم الأساتذة هناك، وأبرزهم الروسي فيكتور بابينكو الذي وافاه الأجل منذ فترة بعد سفره من دمشق؛ وعسكر علي أكبر أستاذ العود الأذربيجاني، ولبانة قنطار مديرة قسم الغناء الشرقي التي تقيم اليوم في أميركا، وأراكس شيكيجيان مدرسة أصول الغناء الأوبرالي؛ مما ترك أثره واضحاً على الحركة الموسيقية الجديدة التي عرفت أول بزوغها على المسارح السورية بتيار “الموسيقى البديلة.”

بالمقابل هناك فِرق لا زالت تصر على حضورها في عز زمن الدم والعبث؛ فالموسيقى والحرب نقيضان لا يمكن أن يعيش الأول في ظل الآخر؛ ومن يستطيع خلق موسيقى لا يقدر أن يكون شريراً . الموسيقى هي تجسيد للغة الحب – يقول الفنان سيمون مريش مؤسس فرقة “زركشة” التي آثرت تقديم حفلاتها اليوم داخل البلاد ويضيف: “المتابع اليوم لحفلات دار الأوبرا يعلم أننا باقون؛ أجل لقد هاجر الكثير من الموسيقيين السوريين ولأسباب متعددة؛ ربما بحثاً عن لقمة عيش؛ أو مكان مناسب لإطلاق مشروع فني؛ أو هرباً من الحرب واللا استقرار؛ وفي حالات أخرى لمتابعة دراستهم.”

تستمر قائمة الأسباب- يعقب الفنان مريش ويضيف: “لا شك أن العمل في حقل الموسيقى في الظرف الذي نعيشه اليوم صعب جداً؛ إن لم يكن مستحيلاً بالنسبة للبعض. لكنني أعتبر نفسي محظوظاً؛ كوني ما زلت أعمل في الموسيقى حتى في هذا الظرف الصعب. دوماً نقول إن الحياة و الأرض التي نعيش عليها أعطتنا الكثير والآن حان الوقت لنردَّ الجميل و نصنع الفرق.”

الفنان رعد خلف ما زال يعمل أيضاً على مشروعه “أوركسترا ماري” والتي قدم سيمون مريش معها مؤخراً حفلين موسيقيين بدار الأوبرا؛ و هو عمل جدير بالمتابعة كون البرنامج القادم سيكون من تحقيق مجموعة من المؤلفات الموسيقية التي استوحاها رعد من الحضارات القديمة مثل حضارة أوغاريت وإيبلا وماري ولكن مكتوبة بقالب جديد.

Coma هو اسم الفرقة التي أسسها كل من قصي الدقر وناريك عبجيان، برفقة المغني ليفون عبجيان؛ والتي استمدت اسمها من ترجمتها الحرفية إلى العربية “الغيبوبة” لكنها أيضاً كما يخبرنا قصي الدقر مدرّس قسم الصوت والتقنيات في المعهد العالي للفنون المسرحية: “Coma ليست فقط غيبوبة؛ بل هي التسمية الحرفية لربع الصوت، أو ربع البعد الذي نشتغل عليه؛ سواء كان هذا الربع بعد أرمني أو بيزنطي أو سرياني أو تركي أو مصري.”

لفرقة ” الغيبوبة” هذه إنجاز لافت على صعيد التعويض في النقص الفادح بعدد العازفين معها، وندرة الحصول على عازفين اليوم في سورية لديهم الخبرة الكافية- يحدثنا الدقر شارحاً عن طبيعة عمل فرقته وتغلبها على هذه الصعاب: “صحيح الحرب أوقفت كل مشاريعنا، طلابي يقولون لي إنهم لم يحضروا حفلاً موسيقياً واحداً منذ دخولهم إلى المعهد؛ لكننا استطعنا في (كوما) أن نعوّض عن ذلك، وذلك عبر لجوئنا إلى نظام برمجي إلكتروني نتعامل معه بشكل تفاعلي حسب الحالة التفاعلية للجمهور؛ فهذا النظام عوضنا عن أربعين دوراً لعازف أو عازفة، متجهين بذلك نحو آلة الغيتار بدون خانات ربع الصوت الشرقي، وبصحبة الفنان ناريك عبجيان على آلة الدودوك الأرمنية، وصوت شقيقه عازف القانون أيضاً الفنان ليفون عبجيان.”

هذا الاشتغال قادنا إلى العمل على رباعيات الخيام – يتابع الدقر ويضيف: ” عملنا أقرب إلى التصويري منه إلى الموسيقي التقليدي، حيث نعتمد على إدخال المستمع أو من يحضر حفلاتنا في عالم من التأمل الخالص، دون أن يكون هناك في عملنا صدمة تجعل هذا الجمهور يستيقظ من حالة التكرار التي نعمل عليها ونطورها طوال فترة الأداء؛ مقتربين من أسلوب الحضرة الصوفية، والتطريب وحلقات الذكر، جنباً إلى جنب مع عرض بصري لأعمال (الفيديو آرت) التي ترافق أدائنا نحن الثلاثة على شاشات عرض حية؛ بينما نغيب على المسرح كحضور؛ أسلوبنا أقرب إلى مدرسة ( سايكا ديليك) إنه يا صديقي السفر عبر الموسيقى، أو قل الطيران دون توقف.”

“الموسيقى في وجه المجزرة” عبارة أطلقها موسيقيون سوريون في سنوات الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث بزغت في بعض المدن السورية تجمعات فنية أقامت العديد من الحفلات. المغنية والشاعرة علا حسامو تسرد قصتها هنا بعد إطلاقها لألبوم (صرخة إنسان) احتجاجاً على القتل العبثي؛ والذي وضعت كلماته ولحنتها وغنتها. تقول حسامو: “نعم ربّما توقف الموسيقى المجزرة…أو ربّما على الأقلّ توقف الحقد المتدفّق في العروق؛ ليمرّ بدلاً عنه نهرُ الحبّ ولو للحظات. أو ربّما توقف الموسيقى الرّغبةَ في القتل أمامَ اشتعال الرّغبةِ في الرّقص وفي البكاءِ ومعانقةِ من نحبّ.” وتضيف حسامو: “فكرة ألبوم (صرخة إنسان)  ولدت من هنا تماماً، من قلب الوجع الّذي في أعلى إنسانيّتنا؛ حين نزلت به السياسة وملحقاتها إلى أدنى مستوياته؛ وذلك إثر تجربةٍ عِشتُها ضمن عملي مع شبكة (مبادرون) ومن صلب احتياجٍ عاينتهُ مع زملاءٍ لي في العمل الأهلي، إذ كنت أشارك في ورشة (بناء جسور السلام والتعايش السلمي)، وهي أحد ورشات شبكة (مبادرون التّنموية) الّتي يلتقي فيها ناشطون من مختلف الأطياف والانتماءات السياسية ،الدينية والفكرية؛ يتبادلون قصصهم وجهات نظرهم خلافاتهم واختلافاتهم، يتجادلون ويتبادلون الاتهامات فيظهر الشّرخ الكبير؛ في هذه اللحظة أذكر أنّ مَن كان يتهم الآخر صار يمسح دمعه وبلحظةٍ من الوجع المشترك والإحباط، أمسكنا بأيدي بعضنا وغنّينا وكأن الأغنية لفّتنا بذراع من حبّ وأمل، تحوّلت الاتهامات المتبادلة إلى رقصٍ وودّ، أذكر أننّا صرنا نبحث عن أغنيةٍ تمسّنا وترفع معنوياتنا دون أن تمجّد اسماً أو حزباً أو ديناً. ولم نجد سوى اثنين أو ثلاثة. حينها ارتجلتُ مقطعاً وغنّيته ومذ تلك اللحظة انطلقت بألبوم (صرخة إنسان)، وبتشجيع ودعم (مبادرون) ومنتدى التنمية والثقافة والحوار بدأتُ العمل كتابةً وتلحيناً.”

لكن هل حققت المغنية (حسامو) رغبتها في أن تجعل موسيقاها صرخة في مواجهة الحرب؟ تجيب  المغنية السورية: “لم تصل مبادرتي هذه إلى هدفها الكبير بعد، لكنّها حقّقت أحد أهدافها بأن تتردّد الأغاني على ألسنةِ المؤّيد والمعارض من الشباب السوري… سواء انتمى إلى موالاة أو معارضة، وأن يحسّ كلّ منهما بأنّ أغنياتي تخصّه وتعنيه وتعبّر عنه، وأن يشعر ولو جزئيّاً أنّ على عاتقه مسؤوليّة وقف المجزرة”.

حاجز موسيقي   

الفرق الموسيقية تراجع نشاطها في ظل الحرب، إذ شهدت السنوات السبع الماضية هجرة كبيرة للموسيقيين والمغنيين السوريين، لكنها وبعد مضي الحرب لإتمام دورتها الدموية الكبرى عادت الموسيقى لتقف في وجه الخراب. فرقة (حاجز موسيقي) كانت أبرز هذه الفرق التي أسسها شباب وشابات قدموا حفلاتهم على العديد من مسارح العاصمة، كان آخرها حفلتهم التي قدموها في (دارة الفنون بحي القنوات الدمشقي)  تحت شعار “نحن أحياء وباقون” حيث اشتهرت (حاجز موسيقي) باسمها المشتق من الحواجز العسكرية والأمنية المنتشرة على طول الجغرافيا لطرفي النزاع السوري. الفرقة التي حملت على عاتقها إعادة صياغة التراث وفق تركيبة ما يسمى بموسيقى “الأورينتال جاز” لتقدم أغنيات من قبيل: “هالأسمر اللون” فوق النخل “وين على رام الله” ووفق الاشتغال على مفردات الحرب السورية سواء في الكلمات أو القالب اللحني. مدير الفرقة مجد الزغير قال: “إن (حاجز موسيقي) تهتم بتجديد الأغاني والإضافة عليها؛ فضلاً عن التلحين والتأليف؛ فالفرقة كانت تكتفي بتقديم الحفلات الموسيقية؛ لكنها مؤخراً أضافت فقرات غناء السولو بناء على طلب الجمهور الذي تفاعل مع فريقنا حفلةً بعد حفلة؛ واستمرار (حاجز موسيقي) خاصة في هذه الظروف يؤكد أن الحرب لا بد لها  أن تنتهي و الموسيقى والحياة ستستمر رغم أنف الموت.”

ظاهرة موسيقية لافتة قدمتها الحرب في شوارع دمشق؛ تجلت في (مشروع ومضة) وهو عبارة عن تجمع من الموسيقيين والمسرحيين والمغنين الذين بادروا إلى أسلوب “المسرح الخفي” ودون أي دعم يذكر لهذا المشروع. أعضاء فرقة (ومضة) التقوا على هدف انتشال السوريين من حالة الحرب والموت ولو لدقائق قليلة، حيث قررت الفرقة بمبادرة ذاتية أن تواجه حالة الحرب التي تعيشها بلادهم بالموسيقى والرقص والمسرح والتمثيل، فما تقدمه هذه الفرقة هو شكل من أشكال المسرح التفاعلي، والذي يعتمد نجاحه على المؤدّين والمتلقين في آن معاً، واتكأ مشروع “ومضة” على التجمع الخاطف الذي يقوم على ظهور مجموعة موسيقيين بشكل مفاجئ في مكان عام من مدينة دمشق لتقديم عرض يكون غالباً غير اعتيادي. هنا كان يظهر أعضاء الفريق فجأة في أحد الشوارع أو في مكان ما غير متوقع، في ساعات الذروة ليفاجِئ السوريين ويرسم الأمل على وجوههم، في ظل التفجيرات وقذائف الموت وحصار المدن. اعتمد  فريق (ومضة) على أنواع متعددة من آلات الموسيقى كالقانون والإيقاع، الترومبيت، والغناء. تقول نغم ناعسة وهي من مؤسسي (مشروع ومضة) وأبرز أعضائه: “لطالما كانت القنبلة ومضة، والمدفع ومضة، والتفجير ومضة، والقتل والموت يحدث في ومضة؛ ولطالما كانت هذه الومضات مجتمعة تشكل أبرز مشاهد حياتنا نحن السوريين اليوم، لذا قررنا أن نصنع ونقدّم ومضة إيجابية تجابه وتواجه ما سبق من ومضات شريرة؛ فقررنا أن نصنع ومضة حب، أو ومضة حلم وأمل، أو ومضة فن وموسيقى، وسمينا مشروعنا ومضة؛ ومضة دون بطاقات دعوة، دون مواعيد، نظهر في شوارع المدينة، نغني، نعزف، نرقص، وأحياناً نبكي…” وتضيف ناعسة: “استمر مشروع ومضة في سنوات الحرب الأولى دون داعم مالي أو حتى راع إعلامي، لقد تلقينا وعوداً من كثيرين بتقديم الدعم قبل انطلاق المشروع؛ لكن أحداً لم يفِ بما وعدنا به فتوقفنا اليوم، عندما تحين ساعة العمل والشروع بالتنفيذ ينفض من حولك مَن كانوا يقدمون أنفسهم كرعاة أو ممولين، لكن مشروعنا اعتمد فقط على جهود وخبرات المشاركين فيه وإيمانهم بأهمية ونُبل ما يقدمونه للسوريين كافة.”

إبادة جماعية موسيقية

مقطوعات موسيقية وغنائية كان قد قدمها أيضاً المغني معتز عويتي وفرقته مع نخبة من الموسيقيين السوريين الذين واظبوا على تقديم روائع من أغنيات موسيقى الجاز؛ حيث ساند الفنان عويتي في أمسياته هذه  كل من رفاقه الموسيقيين: “طارق سكيكر؛ مهند السمان ، بلال حمور ، دلامة شهاب، سيمون مريش.” يقول عويتي عن حفلاته: “نحب أنا وفريقي أن نقدم في هذه الظروف نوعاً غنائياً و موسيقياً جديداً و لأول مرة للجمهور؛ إنها مجموعة أغانٍ كان أغلبها لمغني عالمي و جديد اسمه Gregory Porter والمميز بموسيقاه وأغانيه هي المزج بين موسيقى الجاز و البلوز والغاسبل بنفس الوقت؛ وبطريقة جميلة لاقت رواجاً كبيراً في الساحة العالمية؛ إذ أردنا نقل هذا النمط الجديد للجمهور السوري من محبي هذه الموسيقى بدلاً من تقديم موسيقى جاز تقليدية معروفة بالنسبة له.” وأضاف عويتي: “استمرارنا اليوم هو استمرار للحياة التي لا نريد لها أن ترحل عن مسارحنا وشوارعنا؛ فالفرقة الموسيقية التي أعمل معها هم من أفضل الموسيقيين المحترفين ومن القلة القادرين على عزف نمط الجاز الموسيقي المعتمد على أسلوب الارتجال في العزف حيث يتضمن برنامج أمسياتنا عادةً العديد من الفقرات أبرزها أغنية قمت بأدائها وكانت بعنوان: “إبادة جماعية موسيقية.”

فرق كثيرة ما زالت تزاول موسيقاها على الأرض السورية أبرزها اليوم هي فرقة “التخت  الشرقي النسائي” والتي قدمت حفلاتها على مسرح الحمراء، معيدةً الاشتغال على الفلكلور والطرب الشعبي؛ إضافةً لموشحات سيد درويش وصباح فخري وآخرين؛ حيث تتألف هذه الفرقة من خريجات المعهد العالي للموسيقى في الغناء والعزف، واللاتي عملن منذ عام 2003 على تأصيل الغناء والعزف النسائيين؛ معتمداتٍ اليوم على حساسية المرأة إزاء ما يحدث من قتل عبثي وتهجير لآلاف العائلات المشردة؛ حيث تعتبر أعضاء هذه الفرقة الموسيقى بمثابة رحم لحماية ما تبقى من العائلة السورية الهائمة على وجهها في مشرق الأرض ومغربها.

في الحرب أيضاً تتالت الأمسيات الموسيقية والغنائية الشعرية التي تحتفي بمدينة حلب على مسارح دار الأوبرا السورية؛ فاستعادة التراث الحلبي عبر أمسيات الأوبرا، جاء في وقتٍ شهدت فيه عاصمة البلاد الاقتصادية مهرجانات مطوّلة من الدم والاقتتال المتواصل؛ وسقوط يومي لضحايا من المدنيين جراء إمطار القوى المتشددة لمدينة الموشحات بعشرات قذائف الهاون والصواريخ ومدافع جهنم؛ مخلفةً وراءها عشرات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال؛ في وقتٍ بات الغناء كبيرة الكبائر في عُرف قوى تكفيرية سيطرت في سنوات الحرب المنصرمة على أجزاء كبيرة من أحياء المدينة.

الحفلات التي أحيتها كل من فرق صفوان العابد و  ميادة بسيليس و سمير كويفاتي و(دهب) لعمر سرميني” إضافةً لفرقة (شادي جميل) كانت استثنائية من جهة شمولها لمعجم الطرب الحلبي الأصيل؛ حيث استعاد فيها الجمهور روائع “السماعي من مقام النهاوند” لـ علي الدرويش وصبري المدلل وعمر البطش وصباح فخري أبرز شيوخ الطرب في المدينة.

مهرجان (قوس قزح سوريا) احتفى بدوره بالموسيقى الإثنية والعرقية مقدّماً فرق كردية وآشورية وعربية وأرمنية وشركسية وسريانية على مسرح دار الأوبرا، كان أبرزها فرقة (بارمايا) التي احتفت بأعياد الميلاد ومراسيم الزواج السريانية القديمة، بمصاحبة آلاتها الضاربة في القدم من (زُرنة وطبل وعود) إذ تعتمد على المراسم المؤداة فيها أو الأغنية التي تقوم الرقصة عليها، والتي تأتي هنا كوريث لفنون الميثيولوجيا المتعاقبة من سومرية وفينيقية وأكادية وكلدانية وبابلية وآشورية وآرامية، تمتد بجذورها التاريخية إلى أكثر من خمسة آلاف عام.

المهرجان الذي أنتجته (وزارة الثقافة) وثب خطاه في الحرب بعد ضغط ميزانيته التي بلغت (ثلاثة ملايين وستمائة ألف ليرة سورية- ما يعادل سبعة آلاف دولار$) معظمها ذهب كأجور لإقامة الفرق والإطعام والتنقلات الداخلية لأكثر من مائتين وخمسة وعشرين مشاركاً ومشاركة، حيث استطاعت هذه التظاهرة أن تبلور حضوراً متجدداً لفرق موسيقية شعبية، جاءت إلى عاصمة بلادها من عفرين وحلب والقامشلي والسويداء واللاذقية متحديةً صعوبات ومخاطر تشهدها طرق السفر الداخلية بين المدن السورية.

في ظروف الحرب تراجعت أجور الموسيقيين السوريين مما أثر في قرار مغادرتهم للبلاد واحداً تلو الآخر، فالعازفون داخل سوريا يعيشون من أجورهم لقاء الساعات التدريسية في المعاهد الموسيقية أو العزف مع الفرق المحترفة، فالعازف الواحد يتقاضى على المشاركة في حفل واحد مبلغ وقدره: (25 ألف ليرة سورية- ما يعادل خمسين دولاراً) أما أجور التدريس، فهي ليست أفضل حالاً، ففي المعهد العالي للموسيقى يتقاضى أستاذ الآلة الموسيقية على الساعة الواحدة مبلغاً وقدره: ( 450 ليرة سورية- ما يعادل دولاراً واحداً) و( 120 ليرة- ما يعادل ربع دولار) للساعة في معهد صلحي الوادي. ولغير الخريج ( 80 ليرة- أقل من ربع دولار). المطالبات بزيادة الأجور كانت دائماً تعود لمدراء المعاهد بترشيد الإنفاق وهذا ما عرقل أي أمل أمام موسيقيين يبحثون عن عيش كريم وإنساني.