تسع سنواتٍ ومازال الواقع السكني والمعيشي لمعظم نازحي الداخل على حاله. وتقدر بعض التقارير والإحصائيات الأممية أعدادهم بأكثر من 7 ملايين نازح، يقيم نحو مليونين ونصف منهم في دمشق وريفها. ومنذ بدء حركات النزوح وحتى اليوم، لجأ الكثير منهم، إلى السكن في شققٍ (على العظم) غير مجهزة لذلك ولم تُكس بعد، وذلك نتيجة تزايد الطلب على استئجار البيوت وتحليق أسعار إيجاراتها، ما جعل حارات وأحياءً بأكملها تكتظ بساكني تلك الشقق في ظاهرة تفاقم انتشارها لتتغلل في المشهد العمراني لكثير من المدن، حتى باتت مألوفة بين الناس وفي المكاتب العقارية التي تقدم عروضاً لاستئجار (شقق العظم)، التي كان على ساكنيها أن يستصلحوها بأن يرتجلوا فيها مطبخاً ومرحاضاً ويبتكروا حلولاً ليجلبوا شيئاً من الحياة إلى وحشتها. وقد ظنوا في بداية الأمر أن سكنهم فيها سيكون حلاً إسعافياً مؤقتاً، ولكن هذا المؤقت قد تحول إلى شبه دائم، بعد انعدام خيارات العودة لبيوتهم أو الانتقال إلى سكنٍ أفضل، حيث تجاوزت إقامة بعضهم في تلك الشقق نحو 8 سنواتٍ وأكثر.

أماكن لا تصلح للحياة  

حين تدخل شقة أبو عمر تستقبلك على الفور كومة كبيرة، من الحصى والرمل وبقايا قطع الطوب، تم تجميعها في الصالون، بعد أن كانت متناثرة في أنحاء الشقة، لتحتل نصف مساحته، ولتستغني العائلة عنه وتكتفي باستصلاح غرفة واحدة للجلوس والنوم. الجزء المتبقي من الصالون استغله أطفال العائلة كمكان للدراسة فوضعوا فيه طاولة صنعت من  قطع (البلوك) التي وضعت فوق بعضها وغطّاها لوح خشبي متآكل.

الغرفة المستصلحة للسكن تمتلئ جدرانها بالحفر والثقوب التي سُدت بقطع الورق والقماش والنايلون. على بابها وضعت ستارة قماشية، وأغلقت نافذتاها بشوادر من النايلون. أما أثاثها فيقتصر على بضع كراتين وصناديق تستخدم كبديل عن الخزانة، وتلفاز صغير من النوع القديم، وضع على أحد الصناديق. وعلى أحد جدرانها ثُبتت قطعة خشبية طويلة فيها مجموعة مسامير عُلِّقت عليها بعض الثياب، فيما فرشت أرضيتها الخشنة بسجادة مهترئة، تماهى لونها مع لون الرمل، وضع فوقها بعض الفرش والبطانيات باهتة اللون. أما ما يسمى بالمطبخ فهو بدوره مكان خاوٍ يفتقر لأبسط مقومات الحياة، يحتوي على بعض أواني الطبخ والصحون وغالونات الماء والصناديق، فيما يغيب عنه أي أثاثٍ (براد، غسالة، بوتوغاز، فرن.. الخ) قد يجعل منه مطبخاً.

في شقة مشابهة تعيش أم عبد الرحمن وأبناؤها الثلاثة، تم استصلاحها بمساعدة الجيران الذين تبرعوا لها بباب خشبي قديم إلى جانب بعض الأثاث المستعمل، وساعدوا في معالجة الثقوب الكثيرة للجدران وتسوية الحفر في أرضيتها الوعرة باستخدام الجبصين والإسمنت. كما قاموا بمد خرطوم ماء وخط كهرباء من بيتهم لإضاءة الشقة البائسة بلمبة صفراء ولتشغيل سخان للطبخ وتسخين الماء. وفي محاولة لتخفيف حدة بشاعة المكان قامت العائلة بجمع الكثير من الكراتين على مدار أيام، فوضعت بعضها تحت السجادة لتخفيف تعرجات الأرضية فيما أُلصق بعضها الآخر، إلى جانب بعض الجرائد، على الجدران والسقف  لإخفاء جانب من قبحها وألوانها الكالحة.

تقول أم عبد الرحمن التي توفي زوجها قبل خمسة أعوام:” ندفع إيجار هذه الشقة 20 ألف ليرة ونقيم فيها منذ سنتين. قبل ذلك سكنّا في شقة مشابهة لثلاث سنوات. لا خيار أمامنا سوى شقق كهذه، فإيجار المنزل الجيد يحتاج نحو 50 أو 60 ألفاً وهذا مبلغٌ نعجز عن تأمينه”.

في أحياء مدينة جرمانا تستوقفك مئات البنايات التي تكشف نوافذ شققها، المغلقة بالخشب والشوادر وقطع الطوب وأشياء أخرى، معاناة من يعيش خلفها. أحد تلك البنايات لم تُجهّز للسكن بعد ولم تصلها خدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي، ورغم ذلك تقطنها سبع عائلات  نازحة منذ نحو خمس سنوات. في مدخلها تتقافز الجرذان بين أكوام القمامة المكدسة عبر سنوات. أدراجها لم تجهز كما يجب وغير آمنة. أبواب شققها مصنعة كيفما اتفق، من بعض الخردة والتنك والخشب.

يروي أبو حسام أحد سكان تلك البناية جانباً من واقعهم السكني: “حين أتينا إلى هنا مكثنا أشهراً في ظروف أكثر سوءاً. في البداية حاولنا إصلاح الشقق فأخرجنا مخلفات البناء من داخلها، أغلقنا النوافذ ووضعنا أبواباً ورممنا بعض الجدران، ثم استطعنا، بعد توسلٍ وعناء، استجرار خطوط الكهرباء من معملٍ لمواد البناء ومن بناية مجاورة، وبعد ذلك جلبنا بعض البراميل والغالونات، لنملأها بالماء، كما جمعنا بعض الأثاث، الذي استغنى أصحابه عنه، من أماكن متفرقة “. ويضيف “تمكنا فيما بعد، كيفما اتفق، من مد خط للصرف الصحي وآخر للماء وبذلك استطعنا توفير مكان يشبه المرحاض داخل شققنا، وقد كنا قبل ذلك نقضي حوائجنا في بعض الشقق غير المسكونة وفي أماكن أخرى”.

معاناة يومية

خلال فصل الشتاء وبينما كان الناس يحتفلون بالمطر الوفير، كانت عائلة أبو محمد  تعاني مع كل هطول، فتستنفر لتضع الأواني والطناجر تحت قطرات الماء المتسربة من السقف الرطب، والتي كثيراً ما غافلتهم لتبلّل الفرش والبطانيات والسجادة الوحيدة، ولتحرمهم الراحة والنوم. ولم تتوقف معاناتهم على ذلك، فكثيراً ما تعرضوا لاستنشاق دخان المدافئ، المشتعلة في الطوابق السفلى، والذي ينبعث من ثقوب وتشققات مداخنها التي تعبر من خلال جدران شقتهم الكائنة في الطابق الأخير. وعن ذلك يقول أبو محمد: ” لم يأبه صاحب الشقة بمعاناتنا مع الدخان الذي كان ينتشر في المكان ليسبب لنا اختناقاً يومياً، فنحن بنظره بشر من الدرجة الثانية، ما اضطرني لشراء الإسمنت وخلطه ببعض الرمل، المتوفر حيث نقيم، لإصلاح تلك المداخن، التي تحتاج للصيانة كل حين”.

أبو محمد الذي يختنق من دخان مدافئ سكان البناية لا يمتلك مثلهم مدفأة مازوت : “في فصل الشتاء نبحث في جوارنا عن كل ما يمكن إشعاله كبقايا الأخشاب والكرتون وأكياس الورق والنايلون لنضعها في مدفأة حطب قديمة تبرع لنا بها أحد الجيران”.

في مكان آخر تعاني عائلة أبو مؤيد كل  يومٍ في نقل نحو عشرة غالونات ماء إلى الطابق الخامس، حيث تقيم، لتعبئة برميلٍ يؤمن حاجاتهم في الاستحمام والغسيل وجلي الأطباق. برميل الماء هذا كان  يستخدم سابقاً في أعمال البناء، لذا تشكلت في قعره طبقة سميكة وصلبة من بقايا الرمل والإسمنت. يقول أبو مؤيد: “قبل النزوح من منزلنا، كان طقس الاستحمام يستغرق وقتاً طويلاً، بصحبة الماء النقي الساخن والروائح العطرة، أما اليوم فنكتفي باستحمام سريع لا يشعرنا بأي بنظافة، نستهلك لأجله ليترات قليلة من الماء العكر والملوث، الذي سبب لنا جفافاً وخشونة في البشرة “. مضيفاً: ” نشعر أن طعم ذلك الماء عالق في الصحون والأواني فيما تفوح من ثيابنا رائحة غير محببة حتى بعد أن نغسلها”.

إلى جانب ذلك تعيش العائلة معاناة يومية مع الحشرات المختلفة، كالذباب والبعوض والصراصير وغيرها، التي تنبع من كل زاوية وكأنها معششة في ثقوب الجدران لتؤرق نومهم وحياتهم، فيما تخرج الفئران من جحورها الكثيرة لتصول وتجول في المكان الذي نُصب فيه خمس مصائد في محاولة لقتل أكبر عدد ممكن منها.

 انعدام في الأمان وخصوصية منتهكة

تتحدث أم محمود عن الواقع اليومي الذي تعيشه وعائلتها: ” نشعر وكأننا نعيش في العراء وتحت أنظار الجميع. نضطر للتحدث بصوت خافت، فلا نوافذ ولا أبواب تحجب صوتنا الذي يتسرب لجيراننا. وفي الليل قلما نغفو بعمق، حيث يحاصرنا الخوف والقلق كل لحظةٍ من اقتحام أحد للمكان غير الآمن، لذا نضطر لوضع بعض قطع (البلوك) خلف الباب المتداعي لتدعيمه”.

 ظروف مشابهة تعيشها جارتها التي توصد باب شقتها بوضع قطعة خشبية متينة بينه وبين الجدار المقابل له. وتحدثنا عن معاناة أخرى: ” حوَّل متعهد إكساء البناية إحدى غرف شقتنا إلى مستودع لمواد البناء والإكساء التي أصبحنا نعيش معها. وكل يوم وفي أي وقت يدخل العمال  ليأخذوا منها ما يحتاجونه لعملهم فيتطفلوا على أدق تفاصيل حياتنا، لنبقى في حالة دائمة من التوتر وعدم الاسترخاء”.

وفي إحدى غرف شقة أبو خالد مستودع من نوع آخر، وَضع فيه صاحبها الذي يقيم في الأسفل بعض الأثاث والخردة بالإضافة لبرميلين من المازوت.

يقول أبو خالد: “يأتي صاحب الشقة متى يشاء ليضع أو ليأخذ شيئاً من مستودعه. وخلال فصل الشتاء، كان يأتي يومياً لنملأ له غالون مازوت للتدفئة، بينما كنا نحن نعيش بصحبة البرد القارس الذي نقاومه بما توفر من حطب ومواد يمكننا إشعالها”. ويضيف: “كثيراً ما يحضر أصحاب المكاتب العقارية بصحبة زبائن راغبين بشراء منزل، فيتفحصون مكاننا وينتهكون خصوصيتنا ويرموننا بسهام الشفقة والدونية”.

سنوات من الانتظار المرهق مرت عليهم، كانت لهم بيوت تزخر بالألفة والخير والكرم، مازالوا يحلمون بالعودة إليها، بالرغم من أن بعضها قد دُمِّر بالكامل. يُمنّون أنفسهم كل يوم بالنجاة من جحيم تلك الشقق التي تجبرهم على التأقلم السلبي مع ظروف تميتهم كل يوم آلاف المرات وتحدد لهم طريقة حياتهم وسلوكهم الاجتماعي. تسلبهم حريتهم وإنسانيتهم وتزرع بداخلهم آثاراً نفسية مدمرة تقتل عندهم طاقات الحياة وتغلق  في وجوههم آلاف الآفاق والأحلام.