في ظل الأوضاع السياسية الراهنة وما أنتجته ومازالت تنتجه الحرب السورية القائمة منذ سبع سنوات، ظهر وبشكل جلي الانقسام الكائن ضمن المجتمع السوري والذي بقي خفيا لسنين عدة ما قبل الثورة السورية حتى اتضح للعيان وبشكل ظاهر ما بعدها. للأسف فإن المجتمع السوري أو ما يسمى بالفسيفساء السورية المتجانسة (شكليا) كانت قد بدأت تتآكل وتتباعد لتنتج جيلا منقسما، تائها ومتناثرا ما بين قوميات وطوائف وأديان عدة غير قادرة على التقارب أو الالتقاء بأي شكل من الأشكال ضمن أي إطار واضح التشكيل منذ أربعين عاما وحتى الآن. وبهذا، فإن شكل أو هوية الإنسان السوري كانت وماتزال في خطر الضياع والتناثر قبل وبعد الحرب ولكن وبشكل خاص فإن الأمر قد اشتد ما بعد موجات اللجوء التي قصدت العالم الغربي منذ عامين فأكثر. فهل للإنسان السوري حقا هوية أو مسمى؟ أم أننا تائهون منذ زمن بعيد!                                                

 يرى السوري نفسه الآن بلا وطن ولا تشكيل، ما بين من فقد بلاده وبين من فقد أسرته ومن كان قد فقد الإثنين معا، ليغدو تائها غير مستوعب لما يحدث. كما أن الغالبية العظمى من الشعب كانت قد بدأت بالبحث عن وطن بديل منذ بداية اندلاع الأزمة حتى الآن غير مدركة لعواقب هذا الاتجاه الكارثية وغير عارفة بالخلل الحقيقي الذي أصاب الإنسان السوري بالمجمل. يرى السوريون أنفسهم في الوقت الحالي كشعب منفصل وأناني غير قادر على التواصل أو التوصل لأي تفاهم حقيقي ضمن طوائفه ومذاهبه وأعراقه المتعددة.

كما يعرف السوريون أنفسهم كشعب بائس قد تآمر عليه العالم وقد رقص على جثته حيا ليغدو شعبا خارج نطاق الحياة الطبيعية المستمرة من حوله. فعلى المستوى السياسي لا يوجد من يتحدث باسم هذا الشعب كما أنه وعلى المستوى الاجتماعي لا يوجد من هو قادر على تسوية الخلافات أو من هو قادر على الوصول إلى الحلول الوسطى ما بين طرفي نقيض من معارضة سياسية إسلامية إلى نظام حكم عسكري قمعي بحت. فإذا كان الطرفان المتنازعان واللذان من المفترض أن يمثلا الشعب السوري بهذا الإهمال، فهل يلام الإنسان السوري على ما حدث ومازال يحدث؟

هل يلام الإنسان السوري على فشله في استحداث نظام سياسي واجتماعي قادر على رعايته وتمثيله؟ لقد طمح السوريون منذ بداية الصراع إلى بناء مجتمع متعاون ومتكامل وديمقراطي قادر على حماية وخدمة حقوق الأكثريات والأقليات على حد سواء، إلا أنه ومن خلال ما أنتجه الواقع على الأرض، فإن السوريين فضلوا التقوقع على أنفسهم منذ البداية مشكلين كينونات بديلة تمثل كل طرف على حدة: فقد فضل الأكراد الاستفراد بمناطقهم الشمالية الشرقية على الاندماج ضمن الغالبية السنية العظمى والتي يمثلها العرب بشكل عام. كما اختار العرب أو السنة منهم الانكفاء والانطواء ضمن جماعات إسلامية ذات توجهات بعيدة عن تطلعات الفئة الشبابية التي قامت بالثورة. بالإضافة لذلك فضلت الغالبية العظمى من الأقليات الانطواء تحت جناح النظام متعذرة بالخوف من السطوة الدينية للغالبية السنية العظمى. فضلا عن ذلك وقعت خلافات عدة بين أفراد التوجه الواحد معلنة عن ضياع الهدف الحقيقي للثورة بحد ذاتها.

من ناحية أخرى، أدت حملات الهجرة واللجوء إلى ضياع الهوية الحقيقية للإنسان السوري وذلك ابتداءً بالصدمة الحضارية التي تلقاها المهاجر أو اللاجئ في بلاد الاغتراب وانتهاءً بالإحساس الكامن بالدونية وانعدام الهدف أو الهوية ضمن مجتمعات إما قامت بالتقليل من شأن هذا الإنسان أو أنها وضعت له العصى في الدواليب بحجة الاندماج والاندراج ضمن مجتمع يختلف عنه بالثقافة والهوية. من هذا المنظور، فإن جوهر المعضلة أو الخلاف ليس سببه القمع الشديد للثورة فقط ولا سوء التمثيل الذي قامت به المعارضة الإسلامية، لا بل إن الخلاف الحقيقي والجوهري ضمن المجتمع السوري هو عدم وجود تصور مشترك لشكل الدولة ضمن الفئات الاجتماعية السورية بالإضافة لعدم وجود الوعي الكافي بمفهوم العمل السياسي أو العمل المجتمعي ضمن جميع الفئات السورية، المثقفة وغير المثقفة.

انطلاقا من هذا الواقع أيضا فإن الدولة السورية القادمة مهددة بالتشرذم والضياع لفترة من الزمن قد لا تقل عن المئة عام، كما أن شكل الخريطة السورية مهدد بالتغيير والتقسيم لصالح قوى عظمى تدعي التدخل بهدف حماية حقوق الأقليات إنما الأطماع الحقيقية من وراء ذلك اقتصادية للأسف. وبهذا فإن شكل أو إطار الدولة السورية القادمة لن يكون بنفس مكانته السابقة كما أن هيبة وأهمية ومركزية الدولة السورية لن يعود لشكله السابق لكون الدولة قد وقعت تحت السيطرة الاقتصادية والسياسية لعدة دول من ضمنها روسيا والولايات المتحدة وتركيا. أما بالنسبة للهوية السورية فإن الإيجابية الوحيدة التي كشفت عنها الثورة السورية هي حقيقة كون المجتمع السوري مجتمعاً منقسماً وطائفياً غير مدرك لنقاط القوة الكامنة ضمن اختلافاته الدينية والعرقية، كما أنها كشفت عمق التصدع الاجتماعي والعرقي والديني ضمن أفراد الفئة الواحدة والمجتمع الواحد كما والعائلة الواحدة على أبسط نحو.

لكن الأمر المؤسف هو عدم إدراك الشعب السوري لحجم هذا الصدع للأسف لا وبل إصراره في بعض دول الاغتراب أو في الداخل السوري على التمسك بهذه الأوهام البالية والأفكار المهترئة والتي أدت بالمجتمع لهذا التصدع لا بل ولوم جميع الأطراف ماعدا النفس على ما حدث وما سيحدث مستقبلا.

نعم إن الهوية السورية على المحك لا بل وأسوأ من ذلك، ولا يمكن حل هذه المعضلة إلا بتشكيل نواة اجتماعية أو جاليات تعبر عن الإنسان السوري في المهجر والإنسان السوري القابع بالداخل لتديره وتقوم بإعادة توعيته وتوجيهه كي يستطيع التفاعل ضمن مجتمعه الجديد ويستعيد القدرة على تحديد هويته المندثرة منذ أربعين عاما ضمن نظام بالي متحجر أساء للهوية السورية باختلافاتها. على السوريين دحر نعراتهم الطائفية والدينية والعرقية خارج الدولة وداخلها للتوصل لتفاهمات ترضي جميع الأطراف وذلك لبناء شكل موحد لدولتهم المستقبلية وإلا فإنهم معرضون للتشرذم أكثر مما هم عليه الآن.