من بين الأسئلة التي تطرحها الحرب، تبرز إلى السطح وبشكل محايد ومستمر أسئلة الهوية، المواطنة، المصير، الانتماء، الذات، الآخر، العدالة والكرامة الإنسانية. ورغم أن هذه المصطلحات/الأسئلة، تبدو وكأنها صياغات لغوية أو فكرية تستمد بعدها المعرفي من علمَيْ الاجتماع والنفس، إلا أنها على أرض الواقع تأخذ دلالاتها المعنوية من خلال القتل، التهجير، تدمير المنازل، الاعتقال، غياب الاحترام، الطرد من العمل، غياب الفعل الثقافي، أزمات معيشية مستدامة والعيش على خط الصفر الحياتي دون ضامن والمستقبل، حتى الآنيّ منه، في حكم ضمير مجهول. وسيتلخص ذلك كله في “تفكك الهوية”.

وإن كنا ندرك بأن ما يشكل هوية شعب، هو انتماء هذا الشعب إلى أرض وثقافة أرض يبني عليها أحلامه وطموحاته، وثقافة يستمد منها عناصر القوة لدعم هذه الأحلام والطموحات. ضمن إطار مجتمعي محكوم بقانون يضمن الحقوق ويملي الواجبات، فإن هذا الانتماء سوف يشكل الميزة التي تجعل من هذا الشعب صاحب هوية، ويجعل من أفراد هذا الشعب مواطنين في وطن قائم على الاحترام. غياب هذا الانتماء سيؤدي إلى غياب المواطنة وبالتالي فقدان الهوية أو تفككها. أو ما أطلقت عليه الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل: “اقتلاع الجذور”.

الهوية السورية: من ضعف الانتماء إلى غيابه

إن كانت وحدة الأرض، وهي الشرط الأول للانتماء، متوفرة قبل عام 2011 في سورية، فنظرة بسيطة الآن إلى الخارطة ستكشف ليس غياب وحدة التراب الوطني فحسب، بل تشظيه فيما يشبه التقسيم غير المعلن وبشكل أقسى من تقسيمات الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس بيكو. وذلك ما تُرجمَ على الأرض من مناطق نفوذ محلية ودولية وتقسيمات مفيدة وغير مفيدة! إن هذا التجزيء هو العرَض الأول لتفكك الهوية السورية.

إن من نافل القول أن نتحدث عن تنوع اثني وقومي في سورية، فثمة أديان، طوائف وقوميات مختلفة. لكن ثمة مرجعيات ثقافية لكل دين وطائفة وقومية، فكل دين هو ثقافة وكل فرط تدين هو سياسة، وإذا كنا عانينا، وما زلنا نعاني، من فقر ثقافي عام فليس سببه هذا التنوع، بل العكس وجود هذا التنوع هو دليل صحة، وهذا الفقر الثقافي مرده إلى الفقر في التكامل بين الثقافات المتنوعة في مجتمعنا الذي صُبغ ولعقود بثقافة وحيدة هي ثقافة السلطة.

يقول عبد الرحمن الشهبندر: “كل خنق للفردية قضاء على الارتقاء، والتجانس التام معناه الركود المؤذن بالتعفن والانحلال”. هذا الانحلال هو ما نعنيه بتفكك الهوية. وهذا يعني فيما يعنيه أيضاً أن الاختلاف لا التماثل هو المحرك لسيرورة المجتمع، أنا أختلف معك حول قضية إذاً أنت توسع زاوية الرؤية لهذه القضية، فأنت تكملني. لأن كل رؤية أحادية هي رؤية غير كاملة بالضرورة.

وإذا كانت التعددية السياسية تُلزم وجود أحزاب وقوى مجتمع مدني متباينة في الرؤى لتحقيق سياسة بالغة، وهي غير متوفرة، وإذا كانت التعددية الاقتصادية تُلزم وجود قطاعات اقتصادية عامة وخاصة متكاملة لتحقيق عدالة اجتماعية ورفاه مجتمعي، وهي غير متوفرة أيضاً، فهل عشنا تعددية ثقافية في سورية، وهي ما تحيل إلى الشرط الثاني للانتماء؟

في غياب التعدديتين السابقتين سيكون الجواب: لا. فعندما تكون ثمة رؤيا سياسية واحدة، ورؤيا اقتصادية واحدة سينتج لدينا مجتمع مكبوت، مجتمع يعاني من أنيميا حضارية وضعف في الانتماء.

يبدو من الإجحاف، الوصول إلى هذه النتيجة، فالمواطن السوري رغم تضافر كل العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية التي تسلبه حق المواطنة، إلا أنه بقي سورياً وبقي متطلعاً لتحقيق وطن يكون فيه محترماً ويحيا بكرامة، ويمكننا أن نقول بأنه مُنع من تحقيق انتمائه، ونظرة سريعة إلى الأرقام التي نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، هذه النظرة، وإن كنا نعيش واقعياً هذه الأرقام، ستكشف لنا عن عمق ما عاناه المواطن السوري المهدَّد بفقدان هويته: “بلغ عدد القتلى جراء الصراع (470 ألف حتى فبراير2016). (6.1) مليون نازح.(4.8) مليون طالب لجوء. في منتصف 2016 مليون نسمة يعيشون في مناطق محاصرة. (12679 لقوا حتفهم أثناء الاعتقال بين آذار 2011 وحزيران 2016).” رغم البرود المعلوماتي لهذه الأرقام، إلا أنها حارة جداً على الأرض، حارة وأكثر ظلماً وأسى. ماذا تعنيه هذه الأرقام بالنتيجة؟ فإذا كان الانتماء تعريفاً هو “الارتباط بالمكان”، المكان الذي يعني: وطن، الوطن الذي يكوّنه مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات ويحكمهم دستور، فهذه الأرقام تعني فقدان الحياة وفقدان المكان وفقدان القدرة على تحقيق الانتماء الذي يعني فقدان الهوية.

الهوية السورية: العنف والعنف المضاد

إن ما عنيناه بالانتماء هو الانتماء إلى وطن، وما عنيناه بالهوية هو عيش الشعور بالمواطنة، وما عزوناه إلى غياب التعددية على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي هو نقص المواطنة وحالة الاستلاب والقهر والظلم والشعور بالعجز.

وهنا سنسأل: هل العنف الذي مورس على السوريين جعلهم يخشون من تفكك هويتهم، وبالتالي جعلهم يتمترسون خلف هويات مختلفة؟ أم الخوف من فقدان هويتهم هو من دفعهم إلى العنف وحرض الروح القتالية لديهم؟ أم أنه تم استغلال قضية الهوية من قبل أشخاص لاستغلال مجاميع عريضة من الشعب السوري لتحقيق غايات سياسية أو حربية؟ عندها يصبح من المشروع أن نسأل: هل يمكن للهوية أن تكون وسيلة عنفيّة؟

مما لا شك فيه أنه تم استخدام الخوف من الآخر، والخوف على الهوية لتغذية الصراع في سورية ولتعميم الكراهية. إن تصوير الصراع على أنه صراع هويات هو إرهاب بلباس إعلامي.

لكن أية هوية تلك التي تقوقع حولها السوريون؟ أية تصانيف تم حشرهم بها؟

عندما نسمع شخصاً يقول: فلان سني سوري، أو علوي سوري، مسيحي سوري، درزي سوري إلخ… فمن البديهي أن نقول إن هذا الشخص بتصنيفه ذلك هو شخص طائفي وإن التحريض على العنف يبدأ من هنا: من التسمية. إنه يحدد هوية معينة.
إن التصنيف الذي نودي به في بداية الأحداث حول مكونات الشعب السوري هو تصنيف عنفيّ و صنف السوريين أولاً حسب المعتقد الديني (سني، شيعي، علوي، مسيحي، درزي، إلخ)، وثانياً حسب الانتماء القومي (عربي، كردي، آشوري، أرمني، إلخ…) لأن هذه التصانيف تجعل من المنتمي إلى دين أو طائفة أو قومية، تجعله يتمترس خلف دينه وطائفته وقوميته. إنها تحريض على الدفاع عن ذاته تجاه من يعتقد بأنه سيسلبه ذاته وهويته الضيقة وتجاه من يعتقد أنه في الطرف الآخر الذي هو دين آخر وطائفة أخرى وقومية أخرى.

لقد استخدمت هذه الآلية بشدة وقذارة في الصراع في سورية، فعندما يقول أحد مسؤولي السلطة بأنه يدافع عن أقليات بلده، فهذه مقولة تبطن عنفاً طائفياً. وعندما تقوم قطاعات عريضة من المعارضة بتبني صيغة مذهبية بعينها واستخدام شعارات واضحة المنشأ (التكبير مثلاً) أو تبني أسماء كتائب واضحة المدلولات، فهذا عنف طائفي أيضاً أو تحريض عليه. وعندما ترفع الميليشيات العراقية واللبنانية المقاتلة في سورية شعار “لكي لا تسبى زينب مرتين” فهذا يعني أنهم يقاتلون مدفوعين بهوية دينية طائفية وإن كانت ظاهرية إلا أنها ضرورية لحشد قطاعات من الشعوب من السهولة بمكان استثارتها دينياً. وما حدث من افتعال للقتال بين السنة والمسيحيين في حي الأرمن في حمص، أو بين السنة في درعا والدروز في السويداء، فلا شك أن هذه الحوادث ليست بريئة ومشغول عليها من قبل أشخاص طائفيين.

فالهوية الوطنية بقدر ما هي روح جامعة، تغدو الهوية المذهبية مدعاة لعنف وإرهاب أعمى.

الهوية السورية: الذات، الآخر ولعنة الإقصاء

ثمة نوع من الأسئلة يُثار دائماً، إلا أن الحرب جعلته أكثر استفزازاً وأكثر حضوراً واقعياً على المستوى الفردي وعلى مستوى التجمعات السكانية: ما الذي يحدد شكل علاقتي بالآخر، وما الذي يحكم نظرتي تجاه الآخر؟

في يوم ما من عام 2007 كنتُ في ميكروباص في ضاحية مشروع دمر، جلستْ إلى جانبي امرأة متوسطة العمر وتحمل عدادة تسبيح صينية، وتسبّح بصوت مسموع مشوّش خليطاً من بسبسة وتمتمة. شعرتُ بالضيق فطلبتُ منها بلطف أن تخفض صوتها أو أن تسبح بقلبها. نظرت إلي باشمئزاز واضح، لم تتكلم. وعندما كنتُ أغادر الحافلة، نظرت إلي وقالت: كافر. وتابع الميكروباص طريقه.

في حادثة أخرى في ذات الفترة، وتحمل ذات الدلالة، كنتُ عائداً من درعا في حافلة وأطالع كتاباً، خلفي جلس شاب يرتدي زياً باكستانياً وهو من أهل المنطقة وكان يقرأ القرآن بصوت عال ويتحرك إلى الأمام والخلف. عندما نظرتُ إليه طالباً تخفيض صوته فقط، ترفع عن الرد، هز برأسه مع نظره تحمل معنى الاشمئزاز أيضاً وتابع القراءة والاهتزاز.

في عام 2012 روى لي صديق كيف أجبر عنوةً على بيع بيته ومغادرة الحي الذي يسكنه، كان الحي أغلبية سكانه من الطائفة العلوية وكان هو سنياً، وفُهم ضمناً أنه من أنصار الحراك في سورية. بالمقابل كان هو ذات الشخص الذي اشترك في مظاهرة واشترط على المجموعة التي خرج معهم بأن لا يشتموا العلويين. نُظر إليه كشخص ضد الثورة وضد الحراك.

في الحرب الأهلية اللبنانية ظهر مفهوم: القتل على الهوية، مما أعطى معنى واحد للهوية: دينية أو مناطقية.

في المثالين الأولين، تأخذ الهوية شكلها الفردي في البعد بين الذات والآخر. فكوني أظهرتُ اختلافاً عوملت كمنبوذ مع القبول الصامت لركاب الحافلتين. الأمر الذي تعمم في المثالين الآخرين، فمن جهة أدى شعورهم الجماعي بانتمائهم إلى هوية واحدة إلى تعزيز التضامن ومن جهة أخرى أدى هذا الشعور إلى استبعاد الشخص الذي يعيش ضمن الجماعة السكانية نفسها ونُظر إليه كأنه يحمل هوية أخرى. ونفس الأمر ينطبق على المجالس الخالية من النساء، أو المدارس ذات الجنس الواحد. وهذا بالنتيجة لا يعني إلا أمراً واحداً: الإقصاء ولعنة المختلف.

الهوية السورية: هويات بديلة

لا شك بأن تعزيز قيم ومنظمات المجتمع المدني، وإيجاد بيئات تحتضن العلم وتؤمن به، ودعم توجه ديني معتدل، سيكون من شأنه تقليل أو الحد من مظاهر العنف الديني (الهوية الدينية). ومن جهة أخرى فإن إيجاد صيغ تعددية سياسية واقتصادية وثقافية أي ممارسة الديمقراطية ستحد أيضاً من مظاهر العنف السياسي (الهوية الحزبية) والذي يأخذ صيغته الواقعية بالحرب. لكن! هل هناك بالفعل هوية واحدة؟

لا أعتقد. فأنتَ صحفي ومثقف، وأنتِ مدرسة وباحثة اجتماعية، وأنا طبيب كاتب ومثقف، وهو…وهي …أليست هذه هويات؟ أليس هذا تصنيفاً سلمياً لأفراد المجتمع؟ أليست هناك هوية موسيقية، هوية رياضية، هوية علمية… ما أعتقد به هو أن مفهوم الهوية الواحدة الفريدة المتفردة هو وهم. فكل شخص يمكن أن يختار الهوية التي تلائمه. إلا أن الحرب والسياسة والدين والسيطرة هي من يجعل من “الهويات القاتلة” هويات مفردة ومتفردة يتم التمترس خلفها خوفاً من الضياع. وأنا شخصياً لستُ أخشى على الهوية الوطنية السورية من الفقدان بل أخشى على السوريين أنفسهم.

الحرب، تعطل البنادق والحل السحري

لطالما فكرتُ بأن أصحو على نبأ عاجل مفاده: تعطلتْ جميع الأسلحة في لحظةٍ واحدة في سورية. وفي غياب كل رؤية ممكنة للحل، هذا ما أستطيعه: أن أحلم.
قد يكون هذا الكلام اعتراضاً ساخراً من حربٍ ونجومها، قد يكون آليةً كلامية للرفض، وقد يكون إمعاناً متعالياً في إنكار الهزيمة. نحن المهزومين جميعاً، الجالسين على حافة كل شيء، فوق هاوية كل شيء، العالقين في المصيدة، النازفين على الأفق، الطاعنين في الصراخ، المطعونين بوجوهنا، اللاعنين الملعونين المتفرجين على اللعبة.

هذا شعر. ما الذي يستطيعه الشعر؟ ماذا نستطيعه نحن السوريين جميعاً؟ هل يمكننا تحقيق انتصار مرحلي على الحرب؟ داخلياً على الأقل؟ قد تكون الكتابة سلاحاً أزرق في وجه الاستلاب. هذا ما أجيده وما أحاول فعله. علينا أن نقيس درجة صراخنا الجوفيّ وأن نملّحَ جراحنا كي لا تفسد.