*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

تحول اليسار إلى مصطلح فضفاض ضبابي، دون محددات نظرية وسياسية ومنظومات فكرية أو ومرتكزات اجتماعية، وعليه أصبح من الصعب تحديد اليسار بمروحته الواسعة. ولأن المصطلح يحمل لغزاً سحرياً غامضاً مازال يجذب إليه بعض الفئات الشابة المتنورة رغم أن مساحة حضوره تضاءلت، فأضحت كواحة فاتتها الأمطار زمناً، ولم يبق منها إلا شجر خريفي باهت. وكان سقوط الاتحاد السوفيتي كسهم أصاب اليسار، وأضعفه  في العالم ككل، وفي سوريا، بغض النظر عن إيمانك بالتجربة السوفيتية أو كفرك بها، قربك وبعدك عنها، فرمزية الخزان الاشتراكي تشظت، وكأن التاريخ يخرج لسانه لنا كما فعل الله على مسرح البولشوي (تفاحة آدم)، فانقلب  اليسار على رأسه ماشيا، ليصل المنقلبون إلى من هزمهم، ويعلنوا التوبة وطلب الرحمة سواء في الخارج أو الداخل، قبل أن يستظلوا بظل رايات المنتصرالحضارية” و”الإنسانية” والديمقراطية “. أما من  بقي مغرداً خارج هذا السرب، فلا تزال خطواته متعثرة، وهو ماض  في طريق متعرج مليء بالأفخاخ والحفر، ليصل إلى كوة مشكاة ضوء خافت، لا يعلم إن كانت حقيقة أم سراباً، محاولاً شق طريق غامض من جديد.

وشكل سقوط الاتحاد السوفيتي المفصل والمنعطف الرئيس فى مسار نكوص اليسار العالمي (1990)، فالكثير من الظواهر والمواقف والتوهان والتفكك ترتب على هذا التاريخ، رغم أن بعض الظواهر والانشقاقات سبقت هذا التاريخ وشقت طريقها نحو مقاربات نظرية وسياسية جديدة، بما فيها اليسار السوري بشقيه الكلاسيكي، أو ما عرف باليسار الجديد (آنذاك) رابطة العمل الشيوعي. فأصبحنا أمام عودة ضالة إلى التنوير، ومرحلة الدعاوة مشفوعة بتجربة الشعوب النضالية في العالم ككل، من نجاحات وإخفاقات بعد الهزائم المتكررة له بفعل موضوعي وذاتي.

ولكن من بقي يسارياً؟ ووفق أي تعريف ومنظومات تتحدد هويته؟ هل هو انتماؤه الفكري؟ أم نهجه السياسي ؟ برنامجه ؟  لمن يتوجه وما هي استهدافاته الطبقية ؟ ولذا أضحى من الصعب تحديد تعريف اليساري  الجديد، هل هو الاشتراكي؟ الماركسي؟ الشيوعي؟ القومي؟ ورغم ذلك فالأسئلة المطروحة تدور في الفلك الفلسفي الماركسي وتعبيراته السياسية الواسعة، وهي تعبر عن أزمة اليسار ككل، والأدق غيابه عن الفعل النظري والسياسي، وتحديدا في منطقتنا العربية، ونخص سورياإذ شكل اليسار السوري طوال عقود خلت واحة غناء للجدل الفكري والسياسي والثقافي ووسمها بمفرداته ورؤاه،  نتيجة حضوره ووزنه، حيث استطاع  نقل قوى وأفراد من ضفة لأخرى خلال مرحلة  الصعودنتيجة الانتصارات الكبرى للفكر الاشتراكي، إثر هزيمة السوفييت لألمانية النازية  وحرب كوريا، ومن ثم حركات التحرر ضد الاستعمار أواسط الخمسينات  وستينات القرن الماضي، مروراً بظاهرة تشي غيفارا للعمل الثوري المسلح، والحركات الطلابية (1968)  في فرنسا وأوربا وأمريكا وتشيكوسلوفاكيا (ربيع براغ)، وانتهاء بانتصار الفيتناميين (1975) وتمدد اليسار الجديد الذي عبر عن أزمة في الفكر الاشتراكي السوفييتي والمركز الأممي.

و تراجع اليسار العالمي بدءاً من مرحلة السبعينات وبشكل خاص في الدول  العربية، رغم ظهور قوى سياسية وفكرية جديدة بعد هزيمة حزيران (1967)  كرد عليها، إلا أن قوى اجتماعية واسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة عادت إلى ملاذات تقليدية (كما تظن) آمنة وأبرزها الدين. وذلك استكمالا لهزيمة القوميين (الناصريون والبعثيون) التي توّجت بمجيء السادات والأسد وسياستهما ضد القوى اليسارية من قمع واضطهاد، وفتح الرتاجات لنشاط الإسلاميين وبناء الجوامع وغير ذلك كجزء متتم للسياسات الغربية للانقضاض على المد الاشتراكي بأموال الخليج العربي، مما أعاد الروح ثانية للقوى الإسلامية التي أفاقت من غفوة طويلة، كي تكبر وتتجبر وتتوعد، وكان لنجاحها الكبير في هزيمة السوفييت بأفغانستان، صدى تردد  في البلدان الإسلامية ككل، فانتعشت هذه القوى واشرأبت برؤوسها.

و تزامن ذلك مع انتفاضة إيران وسقوط الشاه وصعود الإسلام السياسي الثوريواليمين المحافظ والمعولم في بريطانيا (تاتشر) وأمريكا (ريغان)، ليتراجع اليسار بعد مرحلة ازدهار، ويأفل نجمه مع تداعي الاتحاد السوفييتي، ويغادر جزء من قواه مواقعه إلى الضفة الأخرى التي حاربوها زمنا، وفي طليعتها الضفة النيوليبرالية والدفاع  والانتصار لكل سياسات الغرب الاقتصادية والسياسية والنيوكولونيالية والعولمة المتوحشة، بحجة مسميات حقوق الإنسان ومجتمع مدني (الشعارات التي سوقها للعالم من أجل مصالحه).

و بهذا فقد اليسار بوصلته ومعاييره التي نشأ عليها، وأهمها مناهضة الغرب الاستعماري ومركزه الرئيسي الولايات المتحدة الأمريكية، وباقي الحواضر الغربية، والدفاع عن الفقراء والمهمشين والاستقلال الوطني  في حالة تغريبية عجيبة ،  وأصبح حلم معظم هذه القوى وحتى الأفرادالعمل  كوكلاء مؤجرين وأحيانا بالمجان عن مصالح  تلك البلدان بوجه شعوبهم المقهورة والمسحوقة،  والجزء الثاني التحق بالإسلام سواء السياسي أو الدعوي، ولم يبق خارج الاتجاهين سوى تجمعات وأفراد يتعثرون في قناعاتهم.

كل هذا يعني أن اليسار فقد برنامجه الثوري التغييري، ولم يعد أداة تمثل مصالح الطبقات الفقيرة، وما كان ينشده ويعمل لأجله من تعليم مجاني وصحة ومساواة قد تغير إلى الفكر الليبرالي واقتصاد السوق، وكيف يمكن الإثراء أجيراً ووكيلاً لدى الليبرالية والنيوليبرالية؟ حاملا ومدافعا عن برنامجها، في ارتكاسة على منجزات اليسار، إذ لم يعد لديه سوى كلمات محددة، كالديمقراطية، متناسيا أنها مرتبطة بالمحتوى الاجتماعي، في استنساخ ممسوخ لشعارات عدوه الطبقي والسياسي إلى وقت قريبمتعاطيا مع الديمقراطية  كحل سحري لكافة المشاكل والأزمات، كما كان يسوق للاشتراكية من قبل دون قراءة للواقع ومعطياته .

وإذا أردنا القيام بمراجعة لأهم مواقف اليسار السوري وتحديدا مع بداية الانتفاضة السورية نجد:

 الحزب الشيوعي السوري الرسمي وهو حليف النظام السوري إلى الآن، وقد تعرض لانشقاقات متعددة عبر تاريخه، كما غادر تلك الأحزاب معظم  الكوادر والأعضاء متجهين إلى المجتمع المدني وسواه كـرابطة النساء السوريات، وانسلخوا عن الفكر الشيوعي، و أمسوا سياسيا عند الائتلاف السوري بعصبه الإيديولوجي الإخواني  (إثر انتفاضة 2011)  ومن تبقى منهم في  الأحزاب الرسمية، لا يزال لديهم مصالح مع البرجوازية البيروقراطية في دمشق، ويدافعون عن النظام

أما حزب الشعب أو المكتب السياسي (سابقاً) وهو انشقاق الحزب الشيوعي السوري (1972)، فقد انخرط بالحراك السلمي ودافع عن التسليح والتطييف، و جاء موقفه  متسقاً مع التطورات العالمية والمحليةويسجل للحزب  كحزب شيوعي (حتى ذلك الحين) أنه أول من دعا  للتحالف مع القوى الإسلامية الجهادية المتشددة الصاعدة عام (1980) في مرحلة الصراع المسلح مابين هذه القوى و النظام السوري، وكان رد الإسلاميين واضحاً، إذ صدر عنهم بيان وزع في مدينة حلب بعنوان عودوا إلى أوكاركم أيها الشيوعيون، وقد تعرض الحزب آنذاك لحملة اعتقالات واسعة. وفي ذات التاريخ صدر موقف شهير للتجمع الوطني الديمقراطي، وهو تجمع المعارضة اليسارية القومية والماركسية، وصف ما يجري من صراع  في سوريا  بالانتفاضة الشعبية والليبرالية،  وقد خرج عن هذا النسق رابطة العمل الشيوعي، التي اختطت لنفسها طريقاً ثالثاً بعيدا عن القوى الإسلامية الظلامية وعن النظام القمعي الديكتاتوري الشمولي.

وبالتالي لا عجب  من تحالف حزب الشعب مع الإسلام السياسي والمتطرف إثر الانفجار السوري الكبير (2011) وبعد مغادرة التنظيم التجمع الوطني الديمقراطي، والالتحاق بالمجلس الوطني والائتلاف الوطني  (مركز الثقل فيه للإخوان المسلمين والباقي يدور في فلكهم) لأسباب سياسية، براغماتية، قائمة على الحقد على النظام، إضافة لتوجهات إقليمية ودولية، وبالنتيجة هو تحالف ما يدعى ببعض قوى اليسار مع الإسلام السياسي وحتى الراديكالي. وقد سبق ذلك، التنسيق بينهم وبين الإخوان المسلمين فيما يعرف بإعلان دمشق ، وتبادل رسائل الإعجاب بالتوجهات المدنية  للإخوان. فحزب الشعب غير رؤيته لطبيعة الثورة وقواها وبرنامجها، وأصبحت القوى المضادة  للثورة ثورية وحليفة، لأنها تريد إسقاط النظام بكل الوسائل والأدوات، ورغم ذلك لم يستطع الحزب توسيع قاعدته الجماهيرية وإعادة إنتاج ذاته كحزب قوي وفعال.

هناك أيضاً تنظيم حزب العمل  الشيوعي (رابطة العمل) الذي سبق وشكل المعارضة اليسارية الأساسية في سوريا منذ تأسيس الرابطة (1976) وإلى حين تصفية التنظيم (1992) إثر حملات الاعتقال  المتتالية، والذي أعاد نشاطه ثانية عام 2005،  فقد انخرط بالانتفاضة السورية  عندما كانت سلمية، ورفض السلاح والتطييف كباقي أحزاب هيئة التنسيق باعتباره مكونا أساسيا بها، والتنظيم يتأرجح بين ماضيه الشيوعي(بما يتضمن من برنامج لصالح الفقراء والديمقراطية) وبين وجوده في الهيئة العليا للتفاوض، حيث القوى المضادة للثورة من إسلاميين ومسلحين  ومرتزقة، ودول مناهضة لحرية واستقلال الشعوب. واستطاع التنظيم في بداية الانتفاضة استقطاب كتلة شبابية، لكن متغيرات الشرط السوري من حرب وقمع  وتهجير هجرت معظمهم ، كما أدت الحرب المجنونة إلى انكفائهم، كما حصل للشعب السوري ككل، وبقي القليل منهم في التنظيم، وبهذا فشل الحزب  في التحول إلى حزب جماهيري  رغم رمزيته النضالية. وفي سياق ذكر حزب العمل الشيوعي ونتيجة حيويته الفكرية والسياسية، لابد من التطرق إلى توجهات بعض أعضائه السابقين ممن لهم السبق في مغادرة الشيوعية والمراجعة النظرية داخل معتقلات النظام، والتي بدأت مع حركة  (ليش فاليسا) واستكملت بناءها النظري بحروب أمريكا في المنطقة، فأصبح بعضهم منظر الاحتلال التقدمي” الإنساني لقتل مئات آلاف البشر للتخلص من ديكتاتور و المجيء بواجهات حضارية من أحزاب وقوى طائفية تدمر ما تبقى من بلدان وأوطان، وتكاثر المريدون لهذا التوجه من ماركسيين وقوميين، وأصبح  حزبا كبيرا دون تنظيم ببرنامج واضح، وهو انتظار الغزو القادم من الغرب، ليهللوا له، وشكل البعض منهم تجمعيمواطنةو حركة معاًوكلاهما يصب في الطاحونة الغربية.

بقيت القوى القومية (المهزومة أيضاً) وبالأحرى الاتحاد الاشتراكي الذي انخرط ا بالانتفاضة الشعبية، وشكل العصب الرئيسي لهيئة التنسيق،  ولكن بعض أعضائه  لم يشذ عن السياقات العامة، فترك التنظيم و التحق بالائتلاف وبالقوى الإسلامية الجهادية، واعتنق أيديولوجيتهم . وبعد أن استطاع الإسلام السياسي استثمار طرق اليسار في الاستقطاب الجماهيري  بتقديم الخدمات وبناء شبكات أمان اجتماعي، وباستخدام العنف (عنف القوى المضادة للثورة) الجهادي الذي أخذ حرب العصابات ووظفها لتحقيق أهدافه المتساوقة مع الغرب بمعظم الحالات . أما اليسار فوجوده بقي رمزيا بلا حضور ولا برنامج ، لأنه لم ينهض من كبوته بعد، ولم يعد إنتاج نفسه وفق برنامج وآليات عمل جديدة ، ولذا فشل في الاستثمار بالانتفاضة السورية وتوسيع قاعدته الشعبية، خصوصا وهو مكشوف الظهر، بل عار، في حين يفتح الإعلام، و تتدفق الأموال إلى القوى الإسلامية المسلحة للاستثمار فيها  من الخليج العربي وتركيا بدعم أمريكي غربي، ليغير موقع سوريا التحالفي من الشرق إلى الغرب، وهذا كله طبعاً ليس من أجل حرية الشعب السوري الذي  قتل الكثير منه بنيران السلاح السوري الروسي الغبيوالسلاح  الأمريكي الذكي؟