*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

زاوجت تجربتي الخاصة بين نشاطي مع رابطة النساء السوريات منذ التسعينات (لكل فصائل الأحزاب الشيوعية المتحالفة مع الجبهة الوطنية التقدمية)، وانخراطي سياسياً – سرياً ثم علنياً- في حزب العمل الشيوعي المناهض لدكتاتورية النظام تاريخياً.

كيف يمكن أن نَنظّر الى انخراط يساري حقيق ومبدئي في زمن تغلغلت فيه كل الأجندات الإقليمية والدولية والتمويل والدين السياسي، فكان انعكاسه المباشر تجريد اليسار من ثوريته النضالية والتخلي عن برنامجه واستراتيجيته؟ وما الذي يعنيه لنا تحديداً ارتباط ما يحدث في سورية بهذا اليسار التاريخي؟ الذي ينقسم بين أحزاب متحالفة مع النظام منضوية في الجبهة الوطنية التقدمية من جهة، ومن جهة أخرى لأحزاب وتيارات يسارية معارضة منقسمة بين ثورية يسارية معارضة جذرية، وثورية يسارية معارضة متحالفة مع اليمين الإسلامي، وثورية يسارية قومية (عربية وكردية) وقعت في أزمة ما بين هويتها اليسارية الوطنية الجامعة والهوية القومية الضيقة.

اذاً ما الذي يميز حقيقة في كل ذلك اليسار التحرري الماركسي عن الاشتراكي البعثي ، الذي تمثلت به أحزاب اليسار المتحالفة مع النظام ، في دفاعها عنه ، في حين توجهت بخطابات تنتقد فيها الدكتاتوريات العربية، وعنفها الممارس ضد مطالب شعوبها مساندة بذلك ثورات الربيع العربي وثورية الأحزاب اليسارية المعارضة ( خطابات الاحزاب الشيوعية السورية المتحالفة مع بعثية ودكتاتورية النظام السوري ، ضد نظام السودان وممارساته ، مساندة بذلك ثورية الحزب الشيوعي السوداني المعارض ، ومخالفة بهذا المطلب والحق الأحزاب اليسارية السورية  المعارضة في مطالبها  ضد النظام السوري ).

ما هي علاقة اليسار بالحرية التي انتفضت لأجلها السوريات والسوريون؟

  إذا أردنا رسم خارطة واقعية لمواقف اليسار المعارض التقليدي تجاه مطالب السوريين بالحرية سنجد أنفسنا أمام تناقضات جوهرية يمر بها اليسار السوري عموماً. فمنذ سبعينيات القرن الماضي،وقعت التيارات اليسارية السورية المعارضة ما بين مطرقة قمع النظام وسندان اليسار المتخاذل المتحالف معهتحت مظلة “الجبهة الوطنية التقدمية”التي هيمن عليها حزب البعث الحاكم وصادر هويتها وثوريتها. مما أضعف هذا من قدرة “اليسار السوري على تطوير استراتيجيتة الفكرية والتنظيمية، ولم يعد بإمكانه أن يكون لاعباً فاعلاً في الساحة السورية، وبالطبع كان من المتوقع أن تساهم الأحزاب والتيارات اليسارية المزودة بالأدوات النظرية والفلسفة الماركسية ، بلعب دورٍ نهضويٍ وتحرري في سورية، لولا الطابع السوفيتي (الستاليني) الذي بلورته الأحزاب اليسارية المتحالفة مع النظام منذ نشوئها، والخلافات التي أصابت التيارات والأحزاب اليسارية المعارضة، حول تطبيق مفهوم النظرية الثورية، وترويج شعاراتها المناهضة للنظام، والتي تم قمعها بوحشية في أواخر السبعينات والثمانينيات.

النساء واليسار السوري سياسياً وقيادياً 

 يحتاج الوقوف على قضايا برامج اليسار السوري والتحليل المرحلي لاحتياجاتها إلى إعادة النظر بمسار اليسار الإيديولوجي لنضالها الطبقي والتحرري، الذي بنى عليه رؤيته الثورية لبناء وعي اجتماعي نخبوي، كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار السياقات التاريخية والمنعطفات التي غيرت من هوية بعض الأحزاب اليسارية وآليات عملها وتحالفاتها. فقد أثرت القضية الفلسطينية على علاقة بعض الأحزاب اليسارية بمسألة الهوية القومية، فيما ابتعدت بعض الأحزاب عن نضالها الطبقي ، وبُعدها عن الانخراط بين العمال والفلاحين بسبب سرية عملها، واهتمامها باختراق الجيش من أجل إسقاط ديكتاتورية النظام كما حصل في أواخر السبعينات، في ذات الحين رفضت هذه الأحزاب “التقدمية” مفهوم النضال التحرري النسوي، وجعله قضية مستقلة منفصلة عن مهامها المجتمعية التحررية ككل.

وهنا نجد مفارقة كبيرة بين مسار الأحزاب اليسارية التقليدية المتحالفة مع النظام السوري والتي اتسمت بنشاطها العلني ، حيث تبنت نضالا جاداً وانخراطاً حقيقياً في دعم حركات تحرر النساء والدفاع عنها، وأصدرت العديد من الأدبيات الحزبية الخاصة بمتطلباتها المرحلية بشكلها المستقل، من خلال إنشاء منظمات خاصة للنساء والشباب (رابطة النساء السوريات، واتحاد الشباب الديمقراطي، الذي حملوا نفس الاسم للحزب الأساسي وتياراته المنشقة عنه). في حين أنّ الأحزاب  اليسارية المعارضة، التي تبنت العمل السري، نأت بنفسها عن تبني قضايا النساء والشباب في معاركهن/م المجتمعية بشكلها المستقل، رغم أنّ هذه الأحزاب والمنتمين/ات إليها لم يتراجعوا عن مبدئيتهم اليسارية وسعيهم الجاد لخرق العادات والتقاليد، ومحاربة الجهل، وتهديم البنى الاجتماعية القائمة على عدم المساواة بين النساء والرجال. ورغم أنّ المعتقلات السوريات اليساريات سُجنَّ مالا يقل عن ثلاث سنوات في سجون النظام السوري، إلا أنّ وجودهن في صفوف كافة قيادات الأحزاب اليسارية المعارضة في تلك المرحلة بقي ضعيفاً (أو شبه معدوم). وبالإضافة الى ضعف التمثيل على مستوى التنظيم السياسي، نجد فقراً واضحاً في الأدبيات الحزبية والفكرية الخاصة بالمرأة وانخراطها السياسي والقيادي في المجتمع، باستثناء ما صدر من قبل بعض المثقفين اليساريين كالمناضل والكاتب اليساري الراحل (بو علي ياسين 1942-2000) الذي قدّم أدبيات هامة على مستوى النظرية والواقع لتحرر المرأة العربية عموماً والسورية خصوصاً، نشرها في خمسة كتب.

وحتى بعد الانتفاضة وانخراط العديد من اليساريات بقوة في الحراك، لم تتغير مفاهيم الأحزاب اليسارية حول أهمية تفعيل انخراط النساء في قيادة الأحزاب، وتدعيم دورهن في تفعيل الحل السياسي الغائب حتى الآن، ويكاد إشراك النساء يقتصر على ما فرضته الأمم المتحدة بإلزامها تمثيل النساء ضمن هيئة المفاوضات. وبالطبع يشبه وضع النساء اليساريات المنخرطات في التحالفات الحالية للمعارضة وضع الرجال اليساريين ممن قبلوا بالأجندات (السعودية أو القطرية أو التركية أو الروسية)، وتبدو مشاركتها خجولة وليست على قدر الطموح والتمثيل.

 في نهاية عام 2012 وأثناء لقاءٍ جمع بعض النساء العربيات (السياسيات والناشطات مدنياً) في الأردن على خلفية نشاط نسوي عن الديمقراطية ودور النساء فيها قيادياً، طرحت بعض اليساريات السودانيات على اليساريات العربيات آنذاك مشروعاً لبناء تحالف نسوي  يساريضمن الربيع العربي، لتكون قوة ضاغطة على الشارع المنتفض لحريته، إلا أنّ هذه الفكرة لم تلق استحساناً أو قبولاً من الأحزاب اليسارية المعارضة متذرعين أننا في مرحلة نضالية متكاملة لا يمكن أن تطرح فيها السياسيات اليساريات نضالاً مستقلاً . ويبدو أن سبب هذا الرفض هو ضعف رؤيتهم لضرورة بلورة هيكلية قيادية نسوية نخبوية، لأنّ هذه الأحزاب لم تصل الى مرحلة تكون فيها بديلاً حقيقياً وممثلاً لمطالب الشعب، ولأنّ بعض قيادات تلك الأحزاب لا ترى في المرأة عموماً -سواءٌ كانت يسارية أو لم تكن- بأنها جديرة وصاحبة كفاءة لتولي مناصب قيادية، وهذا ما تجلى تاريخياً وحالياً بتمثيل الأحزاب اليسارية في قيادة تحالفاتها لرجالٍ فقط.

الهوية اليسارية بعد 2011

بقي اليسار خارج الساحة السورية بعد وصول الأسد الابن الى السلطة عام 2000، وحتى عندما دخلت سورية ربيعها المنتفض عام 2011، عادت الانقسامات التاريخية مجدداً بين اليسار السوري التقليدي المتحالف مع النظام وأحزاب اليسار المعارض بكل أحزابه وتياراته. ورغم أن التيارات اليسارية المعارضة حافظت على تاريخها الجذري المعارض للنظام، إلا أنّ تطورات الأحداث والصراع العسكري تمخض عنه مؤخراً ولادة هيئة التفاوض، التي جمعت جميع المتناقضات من اليسار المعارض واليميني المتطرف إيديولوجياً وعسكرياً، في طبخة اقليمية ودولية تحت عباءة السعودية ودعم ومساندة تركية في سابقة تاريخية قلٌ مثيلها في تاريخ اليسار الجذري. هناك أيضاً تيارات وتشكيلات يسارية متعددة ارتأت لنفسها تحالفات أخرى مثل تيار “اليسار الثوري” الذي انضم الى مجلس سورية الديمقراطي مع بعض اليساريين المستقلين.

 تعود أسباب هذه التحالفات المتخبطة للتيارات اليسارية السورية إلى اضطراب اليسار، وعجزه عن بلورة برنامج سياسي ذا استراتيجية طويلة المدى لنضاله السلمي منذ أواخر سبعينيات العقد الماضي،  حيث دفعت سياسات النظام القمعية ببعض الأحزاب اليسارية للتطرف والتعاطف مع قوى رجعية أصولية مثل الاخوان المسلمين في صراعهم المسلح ضد النظام ، حيث اعتبرت هذا الصراع بمثابة ثورة شعبية ضد السلطة، في ذات الفترة وعلى النقيض منها جمدت رابطة العمل الشيوعي شعار اسقاط النظام، مستبدلة إياه بشعار دحر الدكتاتورية العسكرية والظفر بالحريات السياسية بشكل مواز في مواجهة الفاشية الرجعية المتمثلة بالإخوان المسلمين. وباعتقادي لا يمكننا الحديث الآن عن هوية بنيوية جذرية يسارية للأحزاب والتيارات الموجودة على الساحة السورية. إلا فيما ندر سواء داخل سورية أو خارجها، إذ يكاد يقتصر حضورها على مجموعات صغيرة أو أفراد انسلخواعن أحزابهم اليسارية ولا زالوا متمسكين بمبادئهم وهويتهم اليسارية، فوجدوا أنفسهم في مفترق طرق مع تلك الأحزاب اليسارية التي تراكضت لاقتسام التمثيل السياسي الوهمي عبر المحاصصة الطائفية بين أطراف المعارضة المتوافق عليها اقليمياً ودولياً.

هل كان الوعي السياسي لليسار بحجم ما يحدث في الشارع السوري؟

يجعلنا هذا السؤال نقف أمام أزمة هوية متصدعة بنيوياً، تتكشف عن حقيقة ما تمارسه هذه الأحزاب من سلوكيات معاكسة لبرامجها ورؤاها اليسارية الثورية التي انطلقت منها في بناء تنظيماتها، وما بين النظرية والواقع يكمن غياب هذه القوى والأحزاب في تقديم رؤية حل سياسي، وبرنامج عمل قابل للتطبيق يستقطب الشارع المنتفض دون الانخراط في تحالفات مع التيارات اليمينية المتطرفة المناقضة لها.

 إذاً انقسم موقف اليساريين ما بين داعم ومعارض للانتفاضة التي تعسكرت ثم تحولت إلى صراع مسلح، وبالإضافة إلى مسؤولية النظام عن تفريغ الساحة السياسية المعارضة له  بالارهاب والترهيب والاعتقال على مدى عقود ، يتحمل  اليسار المعارض بكافة أحزابه و تياراته التي تخلت عن أخذ دورها الريادي في توحيد صفوفه وتنظيم قوى الحراك الشعبي المنتفض ، لتأخذ دورها التاريخي في قيادة الحراك الذي استحوذت عليه القوى الاسلامية والجهادية.

 فكيف يمكن ليساريتنا الثورية المبدئية أن تساهم وتبني من جديد مواقعها ومنابرها لطرح برامجها؟ سؤال من الصعوبة الرد عليه ولكنه ليس بالمستحيل، وقد يكون الملف الذي طرحه صالون سورية بمثابة فرصة لمواجهة مثل هذه الأسئلة والتفكير بالمستقبل.