*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

تبدو قوى اليسار السوري المتعددة، ضعيفة تتسم بالتشرذم والتيه الفكري، رغم أن حدثًا تاريخيًا -وهو انتفاضة السوريين بعد عدّة عقود من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العميقة والمتفاقمة، وغياب الحريات العامة وتكميم الأفواه- كان ملائمًا لتطور هذه القوى اليسارية وتبوئها موقع الصدارة في تاريخ سوريا الحديث، غير أن ذلك لم يحدث! ما دفعنا لسؤال عدد من الشخصيات الوطنية والسياسية والإعلامية السورية من مختلف المشارب، عما تبقى الآن من “يسارية” اليسار السوري، وعن حضوره في المشهد السياسي السوري منذ نصف قرن، والقمع الذي تعرض لهبعد انقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، وهل كان فاعلًا في أوساط السوريين بمختلف أعمارهم وشرائحهم في العقد الأخير، وماذا عن موقفه من الأزمة السورية المشتعلة منذ نيف وسبع سنوات؟

شعبوقوى اليسار السوري ضعيفة ومعزولة

يقول الطبيب والكاتب راتب شعبو والذي قضى 16 سنة متّصلة في سجون النظام السوري: “حين رفع السوريون صوتهم في المظاهرات تكلموا لغة وطنية ويسارية، تكلموا عن شعب سوري واحد وعن ديموقراطية وحرية وكرامة وعدل، غير أن القوى اليسارية مع ذلك لم تستطع قيادة الحراك، ولا حتى أن تكون جزءًا مؤثرًا في قيادته. تصدرت الحراك قوى تكفر بالديموقراطية وبالحرية وبوحدة الشعب السوري، وهذا يقول إن الحاجة الفعلية والعميقة للشعب السوري (يسارية)، وإن القوى الفاعلة تشد الدفة إلى اليمين ثم اليمين المتطرف. لكن لماذا يفشل اليسار في أن يكون قوة فاعلة في ثورة (يسارية) في العمق؟”.

يضيف صاحب رواية «ماذا وراء هذه الجدران»: “لا يكفي “سوء اليسار السوري لتعليل هذه المفارقة، وإنما يجب توسيع دائرة البحث، فمن الملاحظ أن اليسار السوري بكامل طيفه قد فشل، من كان منه مبدئيًا ومن كان براغماتيًا، من كان واقعيًا ومن كان نصوصيًا، من تحالف مع الاتحاد السوفييتي ومن مال إلى الشيوعية الأوروبية ومن استهدى بأصولية ماركسية، من عارض السلطات القائمة وطالب بإسقاطها، ومن هادن السلطات القائمة وتحالف معها، من قبل العمل مع المعارضين الإسلاميين ومن رفض العمل معهم.. إلخ. كما لو أن تربتنا غير صالحة لنبتة اليسار”.

وبهذا يرى شعبو أن مشكلة اليسار السوري “ليست في صواب أو خطأ خياراته، المشكلة في أن خياراته لا تجد- بفعل القمع المستمر- فرصة كافية لتموت، أو لتختبر قابليتها للحياة. هذا الواقع لم يؤد فقط إلى تهميش مزمن للقوى اليسارية المعارضة، بل أدى إلى حرمان هذه القوى من تطوير ذاتها، فبقيت ضعيفة ومعزولة، ولم تراكم أية خبرة يعول عليها، فلم تكن في ثورة 2011 أفضل حالًا منها في سنوات الصراع العنيف على السلطة الذي شهدته سوريا بين 1979 و1982، الاصطفافات نفسها، والتنافر نفسه، والفشل نفسه”.

الأتاسي: جردة حساب لمسيرة انحدارية

من جهته، يقول المهندس نشوان الأتاسي: شكّل مصطلح اليسار في سوريا – على غرار مصطلح الاشتراكية- عباءة فضفاضة انضوت تحت غلالها فرق وجماعات وأشباه أحزاب، كما شخصيات، متنافرة ومتناقضة؛ من يسار البعث (بأجنحته المتعددة والمتصارعة)، إلى اليسار الناصري الهيولي، إلى اليسار القومي العربي المتمركس، وأخيراً وليس آخراً، اليسار الماركسي المتفتت الذي تشظى إلى فرق شتى”.

ويردف صاحب كتاب «تطور المجتمع السوري 1831 – 2011» مضيفاً “المشترك الوحيد بين كل تلك الأجسام كان رفع ذات اللافتة/الشاخصة، بيد أنها اختلفت وتباينت وتصارعت في كل ما عدا ذلك، بل إنها عمدت إلى تصفيات بينية، كلما سنحت لها فرصة ذلك، بطرق أشد عنفًا وهمجية من تلك التي مارستها مع من يفترض بهم أن يكونوا أعداءها (الطبقيين)، وقد تمظهر ذلك في أشد صوره وضوحًا إثر اندلاع ثورة السوريين عام 2011، الحدث الذي ساهم في استكمال تشظي هذا اليسار وانقسامه عموديًا ما بين مؤيد للثورة ومؤيد للنظام على أسس، أبعد ما تكون عن الفكر والثقافة أو النهج السياسي، إن لم نقل على نقيضهما!”.

ويتابع الأتاسي: “بناء على هذا وفي التحليل النهائي، يتعذر القول بوجود (أيديولوجية) أو فكر محدد كان يحكم مسارات تلك الأجسام وأساليب عملها السياسية، الأمر الذي لم يكن خافيًا على معظم (الجماهير) التي ادعت تلك الأجسام تمثيلها، ولهذا لم يكن لها من تأثير يذكر عليها، لا من الناحية الفكرية والأيديولوجية، ولا من الناحية التنظيمية. لقد كان اليسار السوري في المحصلة محاولة مبتسرة ومشوهة لتقليد روح عصر ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، لهذا لم يتمكن من الصمود أمام تحديات الداخل والخارج، ولا أمام الضحالة الفكرية والسياسية للذين حملوا لواءه والأهم، أمام المغريات التي قدمتها السلطة لمن تمكنوا من الاستيلاء عليها لاحقًا باسمه، فانقلبوا عليه إثر استيلائهم عليها…. بل على مجمل الشعب”.

ويختم الأتاسي بقوله: “قد يجد البعض في شبه التطابق الزمني بين اضمحلال اليسار السوري والأزمة التي يعاني منها اليسار العالمي، نوعًا من الإغراء الذهني في تجنب تحميل الذات مسؤولية ما حصل، لكن ما يدحض هذا التطابق هو أن يسارنا لم يكن يوماً جزءاً عضوياً من اليسار العالمي ولا امتداداً له” مستدركاً “ما سبق ليس تحميلًا للمسؤولية لأحد ولا جلداً للذات، إنما هي مجرد (جردة حساب) لمسيرة انحدارية امتدت على مساحة زمنية قاربت نصف القرن”.

سعدو: تمزيق التابوات اليسارية (البكداشية)

بدوره قال الصحافي والمحلل السياسي أحمد مظهر سعدو: “إن اليسار السوري يشبه في واقعه وحركته إلى حد كبير اليسار العربي عموماً، بما عاشه وتعرض له من قمع وعسف، ويلتقي معه أيضاً في مسألة تقبل الشارع لطروحاته، وقيمه وأيديولوجيته التي حملها، لكن (اليسار السوري) إن صحت التسمية، جاء بالأساس كإيديولوجيا بعيدة عن موروث المجتمع، ومنفرة في بعض الأحيان، للكثير مما يحمل الناس من قيم لاهوتية يصعب تجاوزها، خاصة وأن منظري اليسار الأُوَل لم يستطيعوا هم أنفسهم الخروج من هذه الإشكالية، فكانوا في حالة تصادم واضح المعالم مع قيم وعادات ومنتجات الأديان في الشارع السوري كما العربي”.

ويتابعسعدو قائلًا: “كل ذلك لم يحل دون ولوجهم (الثوري) إلى غير منعطف من منعطفات الواقع المتحرك في سورية، ودون تمظهر العديد من نخبهم ذات التوجه الوطني الديمقراطي التي استوعبت المرحلة، وفكت ارتباطها أمميًا، مدركة أنه ليس بالضرورة إذا ما غيمت في موسكو أن تنزل مطرًا في سورية. فعرفت بعض النخب ومن اصطف إلى جانبها كيف تتعامل مع الواقع عبر رؤيا حداثية، ممزقة التابوات اليسارية (البكداشية) وخارجة كلية من اليسار التقليدي، بل وخرجت عليه، أمثال الياس مرقص وياسين الحافظ ورياض الترك وعبد الله هوشة وآخرين، ممن أنتجوا حالة جديدة ومتجددة، ساهمت في كشف المسارات (البكداشية) الانتهازية، الوصولية، التي لم تعد تعنيها ديكتاتورية البروليتاريا، بقدر ما يعنيها الوصول إلى السلطة بأي ثمن، وبأي طريق، فأصبح اليسار السوري إبان ذلك يسارين، يساراً مدجناً كلاسيكياً وموالياً للاستبداد، ويساراً ثورياً وطنياً ديمقراطياً، بأفكار جديدة متنورة، إلا أنه مقموع مسحوق، تعج به أقبية النظام السوري القامع لكل الأفواه المعارضة، وهو من ألغى السياسة من المجتمع أصلًا، مع ظهور حراك الأخوان المسلمين أواخر السبعينات من القرن الفائت، حيث زج معظم قادة اليسار الثوري في السجون، كما جرت تصفيات للكثير منهم، ومن ثم اتهامهم بالانحياز إلى جانب الإخوان المسلمين زوراً “.

قرقوط:تشظي اليسار السوري من داخله

الكاتب والسيناريست حافظ قرقوط يقول: “لم تستفد قيادات الأحزاب الشيوعية من التجارب وكرست الديكتاتورية حتى في قيادة أحزابها، وللأسف بشكل عام، الأحزاب الشيوعية المختلفة رأت في الإنسان الفرد مجرد أداة لأجل المنظومة السياسية الأممية، وليس هدفًا للتنمية والعمل على نيله حقوقه كونها لب الموضوع في سبيل نيل المجتمع حقوقه، وبالتالي بنية الدولة والإدارات”. ويتابع قرقوط: “تشظى اليسار السوري من داخله بسبب تركيبته الصماء، ولم يبق من عمله السياسي الطويل سوى ذكريات، يعتقد ورثته بأنها ذات قيمة نضالية في مسيرته، بينما هي جزء من منظومة فكرية ساهمت ككل الأيديولوجيات بتهميش الإنسان كقيمة فاعلة، ولهذا لم ينل شعبية كافية تحميه من بطش السلطات، التي عاملت عدداً من أفراده بقسوة شديدة في المعتقلات”.

ويضيف الكاتب: “الكثير من الشخصيات التي عبأت جعبتها الثقافية بالفكر اليساري رأت في نفسها أنها نخبة، وتعاملت مع المجتمع بفوقية المثقف لا بعقلية السياسي الذي عليه أن يكون لسان حال مجتمعه، وبعضهم أصبح بوقاً للاتحاد السوفييتي السابق، ولهذا لم يتجاوز الفعل السياسي بأحسن حالاته لتلك الأحزاب العشرات من الشباب الحالمين بعالم أفضل بين ركام الشعارات التي جعلته منفصلاً عن الواقع، وغريبًا عن الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين ممن ادعى نضاله لأجلهم”.

ويختم قرقوط بالقول: “أظن أن الأحداث التي رافقت الثورة السورية أثبتت أن اليسار العربي كان على صراع مع الأنظمة للوصول إلى السلطة، وليس نضالًا لأجل مجتمع مسحوق، ولهذا كان اليسار بعيداً عن فهم قيمة الثورة السورية وشعبيتها، وانحاز لصف النظام بدلاً من المظلومين، وهذا يعيدنا إلى بدايات تشكيله وغربته عن الواقع الذي كان عليه أن يترسخ به، وأظن أن موقفه هذا سيؤثر كثيراً على سقف نموه السياسي في المستقبل، كون كلمة يسار أصبحت مرادفة لكلمة ديكتاتورية، في حال لم يعدل من رؤيته الفكرية والسياسية”.

سفر: اليسار في مرحلة جديدة

أماالصحافي والكاتب بسام سفر، وهو معتقل سابق، فيقول:”تاريخياً في سوريا، أحزاب اليسار بعضها داعم للنظام السوري عبر الجبهة الوطنية التقدمية، والآخر منها ضد سياسة النظام في القمع والديكتاتورية والحريات السياسية والإعلامية وحقوق الإنسان، وعدم الاهتمام بمصالح الفئات الفقيرة والمهمشة من السوريين”.

ويتابع سفر، عضو المكتب السياسي في “حزب العمل الشيوعي” وعضو المكتب التنفيذي في “هيئة التنسيق الوطنية”، حديثه قائلًا:لعب القمع والسجن الطويل لأحزاب اليسار السوري منها (حزب العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، حزب البعث العربي الديمقراطي (23 شباط/فبراير).. إلخ)، دوراً كبيراً أضعف وأنهك هذه الأحزاب، حيث قُدم أفرادها إلى محاكم استثنائية حكمتهم لسنوات طويلة، وأبعدوا عن الفعالية السياسية والاجتماعية والتأثير بالناس، وجعل القمع منهم هياكل تنظيمية غير قادرة على إقناع الأجيال الجديدة في دخول معترك الحياة السياسية، خصيصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهزيمة الاشتراكية المحققة فيه. فيما بعد، صار حضور هذا اليسار أكثر واقعية عبر خطاب سياسي واقعي بعيدًا عن الخطاب واللغة الخشبية”. ويستدرك سفر ” لكن فعاليته الجماهيرية ضعيفة بين الناس نتيجة اللغة السياسية العالية التي يستخدمها هذا اليسار، وجاءت محاولات تجديد لغته وخطابه السياسي مع الثورة السورية في العام 2011، وما بعده حيث جدد هياكله التنظيمية ليصبح ملائمًا للمرحلة الجديدة، ولم يوفق بذلك حتى الآن، رغم حضوره السياسي في الهيئات السياسية السورية من هيئة المفاوضات العليا، وهيئة المفاوضات الحالية الممثلة للمعارضة السياسية التي تفاوض النظام وذلك عبر القرارات الأممية التي اتخذها مجلس الأمن الدولي، لتكون الأساس للحل السياسي عبر مسار جنيف التفاوضي”.