أحدث انخفاض قيمة الليرة التركية تغييراً كبيراً في خدمات الشركات السورية العاملة بتركيا، فتغيرت الأسعار بشكل لافت من أجل مناسبة أسعار الصرف الجديدة وتفادي الخسائر، وبينما استفادت بعض الشركات من الانخفاض -بسبب اعتماد تعاملاتها التجارية على العملات الأجنبية- تأثرت الأخرى سلبياً وتوقفت عدة شركات عن مواصلة نشاطاتها بشكل مؤقت، بسبب عدم ملائمة الأسعار الجديدة لاحتياجات المستهلكين والعملاء، في انتظار استقرار سعر صرف الليرة التركية لتعاود عملها من جديد.

وتجاوزت خسارة أصحاب الشركات السورية ملايين الليرات التركية، بسبب تغيرات أسعار الصرف من جهة وعزوف معظم عملاء هذه الشركات عن عقد صفقات وفق الأسعار الجديدة، من جهة أخرى.

أبو عدنان في الأربعينات من عمره، يعمل في مجال تجارة الأدوات المنزلية، أسس مشروعه قبل سنوات بتحويل مبلغ قيمته ٢٥٠ ألف دولار إلى الليرة التركية وفق سعر صرف قديم يعادل ٢.٠٨ لكل دولار، أي أن رأس ماله بالليرة التركية تجاوز النصف مليون بقليل.

يقول أبو عدنان “اشتريت بضاعة بالمبلغ وأسست محلاً تجارياً يبيع بالجملة، لكن إذا ما أحصيت البضائع الموجودة حالياً ورغم الربح المستمر الذي حققته، بالكاد يعادل الموجود الـ ١٥٠ ألف دولار، هنا تقدر خسارتي بأكثر من ١٠٠ ألف دولار، وهذا حال الكثير من رجال الأعمال السوريين بتركيا.”

تضخم مستمر

مع تسجيل الليرة التركية سعر صرف يعادل ٦،٢٦ لكل دولار، عاد القلق ليراود التجار السوريين بشأن مستقبل أعمالهم، خاصة أن رفع سعر الفائدة في الشهر الحالي ساهم في إعادة الاعتبار لليرة وتسجيلها سعر صرف مرتفعاً يعادل ٦ ليرات لكل دولار، لكن التضخم عاد مجدداً ينخر بجسم الليرة.

ويتجاوز عدد الشركات السورية في تركيا أكثر من عشرة آلاف شركة، أسست معظمها في إسطنبول، إضافة إلى مرسين وغازي عنتاب وأورفا وأنطاكيا وبورصة، وذلك وفق تقرير سابق لاتحاد غرف التجارة وسوق الأوراق المالية التركية.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عزا انخفاض الليرة التركية إلى عدم تجاوب تركيا مع طلبات الولايات المتحدة “المخلة بالسيادة التركية”، ووصف ما يحدث لليرة التركية بأنه “محاولة اغتيال اقتصادية.” وكان سعر صرف الليرة التركية تجاوز الشهر الفائت حاجز السبع ليرات لكل دولار، الأمر الذي أحدث موجة قلق كبيرة بين رجال الأعمال في تركيا.

فؤاد سوري في الثلاثين من عمره، أسس قبل أربعة أعوام شركته لتقديم خدمات الطباعة للشركات بمدينة غازي عنتاب، يقول فؤاد: “في الفترة الأخيرة ارتفعت أسعار الطباعة بنسبة تصل إلى ١٢٠٪ عن الأسعار السابقة، مثلاً كنت أطبع كل ألف دفتر من نوع تجاري بقيمة ٤٠٠ ليرة تركية وأبيعها للمستهلك بزيادة ١٠٠ ليرة، أما اليوم فالسعر يتجاوز الـ ٩٠٠ ليرة هذا عدا مقدار ربحي، كذلك كنا نأخذ أسعاراً ثابتة من المطابع الكبرى، أما اليوم فسعر أي طلبية طباعة يحتاج لمراجعة المطبعة وأخذ سعر يتناسب مع تغيير أسعار الصرف.”

ويعتمد معظم التجار في التعاملات التجارية فيما بينهم على الثقة، لذا من الأعراف التجارية أن يكون جزء من رأس مال التاجر موزعاً على شكل ديون تراكمت لدى العملاء الذين يتعاملون معه ويشترون منه البضائع.

لكن تغير سعر صرف الليرة التركية أثر بهذا أيضاً، عماد مثلا الذي يعمل في مجال بيع وشراء إكسسوارات الموبايل بالجملة، اضطر لإيقاف عمله في تركيا بسبب خسائره المتلاحقة، خاصة أن لديه بضائع اشتراها وفق أسعار الصرف القديمة واضطر لرفع أسعارها حالياً كي لا يخسر.

يقول عماد في حديثنا معه: “المشكلة الأساسية هي التعامل التجاري بيننا وبين أصحاب محال الموبايلات، معظم العمليات التجارية تجري بالدين، وأكثر من نصف رأس مالي هو عبارة عن ديون عليهم، وحتى إن جمعته فالمبلغ لا يساوي الآن نصف رأس مالي المستثمر، هنا الكارثة الحقيقية.”

وتتجاوز قيمة الخسائر التي تكبدها عماد العشرين ألف دولار، ويمكن تثبيت هذه الخسارة إذا تم تحويل ديونه على التجار للدولار، أما إن بقي التعامل بالليرة التركية فلن تكون هناك خسارة، لكن عماد -كما العديد من التجار السوريين- مضطر للتعامل بالدولار فالمواد التي يستوردها من الصين يتم دفع قيمتها بالدولار لا بالليرة.

وبهذا فإن التجار المتعاملين بالليرة التركية ممن يشترون موادهم الأولية ويبيعونها بالليرة، لم يتأثروا بأسعار الصرف المتغيرة كثيراً، لكن الخسائر لاحقت التجار الذين يستوردون بالدولار ويبيعون بالليرة التركية.

وارتفعت أسعار العديد من السلع والمواد بشكل تدريجي في تركيا لتناسب حجم الانخفاض الذي لاحق الليرة التركية خلال الشهرين الماضيين. وكان البنك المركزي التركي قد أعلن عن رفع سعر الفائدة على عمليات إعادة الشراء لمدة أسبوع، ووصل سعر الفائدة إلى ٢٤%، بينما باتت خسارة الليرة التركية منذ بدء العام الحالي تعادل ٤٠% من قيمتها.

تأثير انخفاض الليرة على السوريين

يبدو القلق واضحاً على السوريين في تركيا وخاصة أرباب العمل الذين تأثر معظمهم سلباً بسبب تغيرات سعر صرف الليرة باستمرار. أبو عبدو أحد اللاجئين السوريين المقيمين في عنتاب، يقول: “تأثرنا بالطبع، انخفاض الليرة التركية غير أسعار السلع، كنت في السابق اشتري ربطة الخبز بليرة ونصف، اليوم سعرها ليرتان ونصف، وعبوة الزيت كانت بعشر ليرات اليوم ارتفعت إلى ١٥ ليرة تركية”، وبينما ارتفعت أسعار السلع بقي مرتب أبو عبدو الشهري كما هو بمقدار ١٥٠٠ ليرة تركية.

لكن ارتفاع أسعار السلع ليس وحده ما يثير خوف التجار السوريين في تركيا، يقول كريم، وهو شاب سوري مقيم فيها  “القلق ليس من انخفاض قيمة الليرة التركية بقدر ما هو من عدم استقرار العملة، فلو افترضنا أنها استقرت وفق سعر صرف ٦.٥٠ لكل دولار، بهذه الحالة يغير التجار تعاملاتهم التجارية وفق السعر الجديد، لكن ما يثير قلقهم هو عدم استقرار أسعار الصرف.”

مثلا تغير سعر الصرف من ٦.٢٠ لـ ٦.٣٨ في اليوم التالي، أي أن من يصرّف ١٠٠ دولار في اليوم الأول يخسر ١٨ ليرة تركية في اليوم الثاني، فبإمكاننا تخيل الخسارة الكبيرة على التجار وأرباب العمل

من جانب آخر، لمرح رأي آخر وهي لاجئة سورية في عنتاب، حيث تقول: “لم أشعر بتأثر جراء انخفاض الليرة التركية، نحن من عامة الشعب لسنا تجاراً أو أصحاب أموال، لكنني لاحظت تغيراً طفيفاً في أسعار الألبسة من خلال الأسعار المعروضة على واجهات المحال.”

وبينما اختلف تأثر السوريين بتبعات تغيير صرف الليرة التركية، تضررت معظم شركاتهم سلباً بسبب الانخفاض، بينما استفادت قلّة منها من هذا التغيير بسبب تعاملاتها على أساس الدولار واليورو وخاصة شركات الشحن التي تعتمد على التصدير إلى دول أخرى وتستلم الدفعات بالدولار.