تعرفتُ على الفنان نديم آدو منذ أكثر من عقدين في سوريا، وكنا نلتقي في مقهى الروضة والهافانا، وفي أمكنة دمشقية أخرى تجمع الكتاب والفنانين كالرواق، وحضرتُ معارضه آنذاك، ولقد أثرتْ بي تلك المعارض وفتحت ذهني على عوالم بصرية فوتوغرافية مشحونة بالعمق الشعري المستحضر لذاكرة المكان. دمشق أكثر دفئاً وإشعاعاً وحميمية في صور نديم آدو كما لو أنه حارس لحظاتها الأكثر سحراً وحارس ضوئها الذي تتربص به ظلمات كثيرة من خلال عدسته التي تنقب عن الجمال مطاردةً الضوء والظلال في أزقة دمشق القديمة وفي شوارعها حيث لا تكف الأشياء عن الإحالة إلى ذاكرة عميقة تختلط فيها الأزمنة وتفسح نوافذها للحاضر.

في صوره يسترشد نديم آدو بلغة الأشياء، وبالحوار بين الضوء والظل ورائحة التراب وعلاقة الضوء بالكتلة أو الشكل وخفايا الحركة والسكون وأسرار الظلال وتدرجاتها نحو مكامن النور، ولهذا كانت صوره الفوتوغرافية تاريخاً وذاكرة وثقافة وارتباطاً بالجذور ولملمة لشظايا الذاكرة ونتف الحكايات الضائعة، فالضوء الذي قاد عينيه وما يزال هو ضوء مجبول بتواريخ الأمكنة وذاكرتها.

نديم آدو مصور ضوئي وفنان تشكيلي سوري مبدع، اقتنيت أعماله في عدد من دول العالم وأقام معارضه الخاصة وشارك في معارض في حلب ودمشق وبيروت والسليمانية في كردستان العراق وكندا.

للحديث عن فنه ورؤيته الفنية للصورة الفوتوغرافية أجريتُ معه الحوار التالي والذي هو الأول في سلسلة من الحوارات مع أبرز فناني الفوتوغراف السوريين من مختلف الأجيال، في محاولة لإلقاء الضوء على هذا الميدان الفني الغني والذي يغنيه يوم بعد يوم فنانون مبدعون ومتميزون على امتداد الجغرافيا السورية وفي المنفى الطوعي أو القسري.

نص الحوار:

أسامة إسبر (أ. إ.): ما الذي قادك إلى التصوير الفوتوغرافي؟

نديم آدو (ن. آ): في سن مبكرة جداً عندما كنت طفلاً مشاكساً في أزقة حلب القديمة، كان لدي شغف دائم للرسم على الجدار. كانت الحيطان الفضاء الوحيد للتعبير عما في داخلي، وكنّا نركض لاكتشاف ما وراء الضوء. هذا السبب قادني إلى التصوير الفوتوغرافي، كنت أحلم بالقبض على فقاعات الصابون التي كانت تطير وتطير. هذه خطواتي الأولى للطيران نحو الفوتوغراف.

 

أ. إ.: ما هي المحطات الأساسية في تحربتك في حقل التصوير الفوتوغرافي؟

ن. آ: كان امتلاك الكاميرا المرحلة الأولى للبدء بخوض تجربة الفوتوغراف. فالكاميرا بالنسبة لي كانت البيت الذي يجلب الراحة و السعادة. وبعد نشاطات ومعارض مختلفة، استطعتُ كسب سمعة فنية وبصمة مميزة في عالم الفوتوغراف، الذي قاد الى فتح أبواب مهمة  أمامي. انتقلتُ من مرحلة شغف امتلاك الكاميرا إلى مرحلة عروض فنية على مستوى المراكز الثقافية الأجنبية في سورية منها كالمركز الثقافي الأمريكي، والمركز الثقافي الفرنسي، ومعهد غوته الألماني، ومعهد ثربانتس الأسباني، قدمتُ خلالها رؤيا جديدة للأماكن الأثرية التي تشتهر بها سورية قديماً وحديثاً. ومازلتُ حتى الآن أبحث عن فضاءات جديدة.

 

أ. إ.: ما التأثيرات المهمة في تجربتك؟

ن. آ: كان المقهى هو الفنان الأول، حيث تجتمع هناك فئات مختلفة من المثقفين والمبدعين ضمن حلقات نقاش ونقد. كنتُ أعطي آذانا صاغية لهم وأراقب حركة الأيدي والوجوه. كانت الكلمات تحفظ في ذهني على شكل صور، فأصبح لدي مع الأيام ذاكرة فوتوغرافية غنية.

أ. إ.: ما المجال الفوتوغرافي الذي تركز عليه؟ 

ن. آ: لا يهمني  مجال معين بقدر ما تشدني الأشياء الراسخة في ذاكرتي وعلاقتها بالبيئة الملونة حولي، أحاول دوماً ربط الذاكرة  بالمحيط حيث يمتد المدى، كل شيء صورة، كل إنسان صورة، كل كلمة صورة، كل عاطفة صورة. ذاكرتي الفوتوغرافية مبنية على صلة رحم قوية بيني وبين ما تتلقفه حواسي.

 

أ. إ.: ماذا تريد من الصورة الفوتوغرافية أن تقول، أو عن ماذا تريدها أن تعبّر؟

ن. آ: من الجميل أن تكون  فوتوغرافياً تقبض على الزمن بلحظة وتحتفظ بها للأبد. الصورة لحظة مكثفة من حسٍ هارب، تعبٍ مزمن، معاناة ما. كل صورة ألتقطها أراها بعيني الثالث التي هي جزء كبير من أبعاد تمنح اللقطة  شخصية وشعوراً لافتاً للنظر.


أ. إ.: ما الشروط التي يجب أن تتحقق في الصورة كي نقول إنها صورة إبداعية؟

ن. آ: الصورة عندي قصة متكاملة لها مقدمة ونهاية. الشرط الأساسي لصورة إبداعية هو الإحساس العالي بالجمال وذاكرة مفعمة بالخبرات الضوئية، من الضوء تنطلق الحكاية.

 

أ. إ.: أنت من المصورين المعروفين للأزقة والأبواب القديمة والوجوه والأيدي في الأمكنة المزدحمة المليئة بتفاصيل الحياة، لكنك الآن تعيش في كندا  وتتحرك في مجال بصري مختلف، أراضي زراعية وأجواء باردة؟ كيف تعاملت فوتوغرافياً مع هذا الانتقال بين عالمين؟

ن. آ: ما زلتُ في حنين مستمر للأبواب والشبابيك العتيقة في أزقة حلب القديمة، في البيوت المبنية بلصق بعضها، تسند بعضها بدفء يدوم  للروح التي تقاوم النسيان. هذه الأبواب وأزيزها الذي لا يتوقف في رأسي حالة عشق لا تنتهي، ما زالت رائحة تراب البيوت الدمشقية القديمة في باب توما عالقة في ذاكرتي بعد ليل طويل من المطر. أما بعد انتقالي إلى كندا حيث السهول الشاسعة على مد النظر لم أفتح حقيبة الكاميرا بعد. أحتاج إلى وقت كي أبني علاقتي مع المكان الجديد والذي تغير علي كلياً من حيث المناخ والطبيعة والتاريخ. قد ألتقط صورا جميلة في أي مكان ما من العالم ولكنها ستفتقد إلى الحس المرتبط بالذاكرة الفوتوغرافية.

 

أ. إ.: هل من الضروري برأيك أن ترتبط الصورة الفوتوغرافية ببيئة معينة، أن تكون نتاج ثقافة معينة أم أن عناصرها الجمالية هي التي تحدد هويتها؟

ن. آ: كل إنسان هو ابن البيئة التي نما فيها، وأنا ابن  بيئة تاريخها ٧٠٠٠ سنة. الصورة ابنة البئية، ولكل بيئة عناصر جمالية خاصة تحدد هويتها.

أ. إ.: ما العوالم التجريبية التي  خضت فيها كفنان فوتوغرافي؟  كيف تنقل الصورة أشياء العالم الحميمية والصغيرة وتثير ذاكرة أشياء مادية محددة؟

ن. آ: في اعتقادي أن العوالم التجريبية التي يخوضها الفنان عادةً ما تكون عصية على أي وصف أو تحديد، وذلك لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها تطورات الكينونة النفسية ذاتها لدى الفنان، والتي تتغيّر باستمرار عبر التفاعل الحثيث والمتبادل، بينها وبين كافة ظواهر الوجود الخارجي. بالنسبة لي كان أهم تلك العوالم، وما يزال، هو علاقة الضوء بالكتلة أو الشكل، وكيفية توثيق خفايا الحركة والسكون، و مازلت مشغولاً بأسرار الظلال وتدرجاتها نحو مكامن النور. بالإضافة الى الانشغال الأساسي لي في تتبع عوالم الجمال الخفي الذي ترميه الأشياء هنا وهناك على هيئة تشظيات ذاكرة.

في النهاية أية صورة هي عبارة عن منجز فني يحمل في طياته فكرة، أراد فنان الفوتوغراف أن يفشي من خلالها سراً جمالياً أو أن يدل على مكمن لكنز من الجمال على الأقل.

أ. إ.: الوجه البشري دائماً هارب، وهو في الفوتوغراف يتجسد في لقطات تعبر عن أطوار أو تحولات عابرة في حركيته؟ ما الذي يستطيع الفوتوغراف أن يلتقطه في الوجه؟

ن. آ: يمكن القول إن الفوتوغراف هو الخصم اللدود لذاك الهروب المقصود في الوجوه، وهو الخصم العنيد لحركة الزمان وتجدد الوجود ككل.  وبحسب زعمي، لا يوجد في الوجوه عموما، كما في كل الأشياء، تطابق تام، إنما لكل وجه حضور فريد، يحمل بصمة من المشاعر المميزة، ولو دققنا قليلا في هذا الحضور سنجد أن هناك مئات بل الآلاف من الحالات التعبيرية المتباينة، والتي لا يستطيع الفهم الإنساني أن يعيها دون مساعدة الفن، وربما فن الفوتوغراف بالذات، لما يملكه من قدرات على تثبيت اللحظة وإمكانية توثيق انبثاقات التعابير وتخلقاتها بكل آن، وكذلك يستطيع أن يروي حكايات الملامح ويسرد بفرادة اللقطة، اللغة التي يتحدث بها كل وجه.  إن فن الفوتوغراف مثله مثل بقية الفنون، يستطيع فنان الفوتوغراف عبر اللقطة أن يلتقط التعابير الدقيقة، وأدق دقائق القسمات في الوجوه من جهة، كما يستطيع أن يجبر المتلقي على إكمال الكثير من الجمل والعبارات التي باحت بها هذه الملامح أو تلك من جهة أخرى. 

أ. إ.: ما هي أحب المدن إلى قلبك بالمعنى الفوتوغرافي؟ ما المدينة، أو المكان الذي لم يتوقف عن جذبك إليك كمصور؟

ن. آ: من خلال هذا الحوار إجابات واضحة أي المدن أحب الى قلبي كمصور، وما زلت أبحث، القليل من الضوء يكفي لأنجو بصورة  من حارات حلب و دمشق القديم.

 

أ. إ.: كيف يعرف نديم آدو نفسه كفنان فوتوغرافي، ما هي الإضافة التي حققها وكيف ينظر إلى اختلافه عن غيره منطلقين من فكرة أن كل تجربة هي فضاء مختلف عن التجارب الأخرى؟ كيف يعرّف الفنان نديم آدو عالمه الفني؟

ن. آ: نديم آدو الطفل الراكض باتجاه الشمس، مثل زهرة عباد الشمس أدير وجهي حيث الضوء. عالمي الفني مليء بصور تروي حكايات وقصصاً لا تنتهي، أجد نفسي في قلب كل شخص اقتنى لوحة من أعمالي.