“إذا ضل الدولار يطلع نحن بالداخل رح نبيع أعضاءنا”، بهذه الجملة علق أحد المتابعين على التقرير الصادم الذي عرضته قناة أميركية عن حالات بيع الأعضاء من لاجئين سوريين في تركيا.
يبدو أن الإرتفاع الكبير لأسعار صرف الدولار في سوريا وسوء الأوضاع الاقتصادية مهدا الطريق لكثير من السوريين لبيع أجزاء من أجسادهم مقابل مبالغ مالية حدّ آلاف الدولارات، علّه يخفف من مرارة الأيام قادمات الأيام، إذ لا شيء ينبئ بأنّ القادم يكون خيراً، فهل يصل السوريّ وقتاً يصير فيه باب الرزق الوحيد له هو بيع كلية أو سواها من جسده الغض الذي زادته هموم العيش نحولاً.

الكلية مقابل العيش
“بعت كليتي لشخص محتاجها، أنا فيني عيش بكلية وحدة وخلي عيلتي كلها تعيش، بحق الكلية التانية”. يقول مازن ف ( 50 عاماً) لـ “صالون سوريا”. مازن يعمل كسائق سيارة أجرة في مدينة دمشق. باع كليته بمبلغ 18 مليون سوري (5.200 دولار أميركي)، عبر وسيط لم يرغب بتسميته، “إذا بحت بتفاصيل عنه قد أضرّه، وبالتالي أضرّ نفسي، لأنني أعلم جيداً أنّ هذه التجارة ممنوعة، ولكن هل ظل أمامي حل آخر؟”.
مازن تعرف على الوسيط عن طريق سائق أجرة آخر باع كليته بذات الطريقة وتم الأمر خلال ليلة وضحاها.
يقول مازن: “اشتريت بالمبلغ الذي حصلت عليه سيارة الأجرة التي أعمل عليها الآن، كان ذلك في صيف العام ما قبل الماضي”، يخبر “صالون سوريا” أنّه تمكن من سداد جميع ديونه، وبالتالي أيضاً تمكن من تحسين مستوى حياة أسرته، “اشتريت السيارة بسبعة ملايين، والباقي وفرته لمصاريف أخرى، اليوم سيارتي يتعدى ثمنها ثلاثين مليون ليرة سورية، الحمدلله”.
ربما يكون حظ مازن أفضل من حظ كثر لا زالوا يبحثون عن مشترٍ ليبيعوا أعضاءً من أجسادهم مقال مبلغ مادي، إن كبر أو صغر، إلا أنّه لا شك سيحل مشاكل كبرى.
“أبو عرب” أحد هؤلاء “الغلابة”، يتنقل من منشور إلى آخر في موقع “فيسبوك” عارضاً كليته للبيع عبر تعليق مختصر “متبرع كلية زمرة الدم A+ مقابل تعويض مادي يلي بيعرف حدا يخبرني، للتواصل خاص”. لا يخشى الرقابة والوقوع في أخطار الملاحقة الأمنية وقرارات منع تجارة الأعضاء، قام بوضع مناشدته تلك على واحد من منشورات مشفى الكلية الجراحي. ويصطلح فعلاً على تسميتها مناشدة، فهو ككثر من السوريين عزيزي النفس، يطلب ما يسميه “تعويضاً”.
لايهم ما ينتج عن العملية الجراحية من مخاطر جسدية، بل الأهم بالنسبة لهؤلاء المبلغ المادي الذي يحصلون عليه والكفيل بأن ينسيهم الكابوس الأسود الذي خيم على أيامهم نتيجة سوء المعيشة والغلاء الفاحش للمواد الغذائية والاستهلاكية. لكن السؤال ماذا يفعل مازن وأبو عرب وغيرهما بعد نفاذ المال والعملة الآخذة بالانهيار يوماً تلو آخر؟.

خصية للبيع
رغم أن بيع الكلية والقرنية هو الشائع بشكل أكبر في سوق بيع الأعضاء بسوريا، فإن لبيع الخصية نصيب من هذه التجارة، يخضع الأمر للعرض والطلب، في محاكاة للسوق الاقتصادي العام، الرجال وحدهم هم المستهدفون هنا، وحتى وإن لم يكن لها “زبائن” في سوريا فالعرض قائم في دول مجاورة.
“أنا جاهز للتبرع بخصيتي مقابل مبلغ مادي وأنا في سوريا”. كتب شخص اسمه أبو ثائر هذا التعليق على منشور في صفحة عراقية تبحث عن رواد لبيع الأعضاء في الدول القريبة، وبالمثل قام عبود عبود بالتعليق على المنشور ذاته معلناً جهوزيته الكاملة لبيع خصيته مرفقاً مكان إقامته ورقم هاتفه، كتب: “بدي اتبرع بالخصية وأموري تمام ومتزوج وعندي عيال وأنا من سوريا دمشق”. هل يبدو الأمر جنوناً؟ مغامرة؟ مجازفة؟ كل هذا يصلح لتسمية ما كتبه عبود على العلن، ولكنّها الحاجة، وهل ثمة ما يقهر الرجال أكثر من الحاجة والعجز أمام أولاده.
لا تقتصر مناشدات بيع الرجال للخصية في الصفحات المخصصة لبيع الأعضاء على “فيسبوك” بل تتعدى ذلك للنشر علانيةً في صفحات مخصصة لبيع الأثاث المنزلي والكهربائيات وحتى بيع وشراء الموبايلات. أمر غريب حقاً، ولكن مجدداً هي الحاجة مشفوعة بجهل القوانين.
الفقر في البلاد يجرد الرجولة من مضمونها الجسدي، الحصول على المال بأية طريقة وحده يجسد مقولة الرجال بأفعالها، أن يخسر الشخص عضواً من الجسد ليبقي على شيء من كرامته بسبب قلة موارد الكسب وفرص العمل واستبداد تجار الأزمة بالشعب وقوتهم، وتغافل الرؤية الاستثمارية عن انتشال المساكين من كابوسهم المظلم.

في الطب
“سهى” اسم مستعار لطبيبة جرّاحة تحدثت إلى “صالون سوريا”. الطبيبة لم ترغب الكشف عن اسمها لئلا تطالها المساءلة القانونية أو الطبية العامة عن هويات أشخاص بعينهم، ترى أنّ الوازع الأخلاقي والأمانة الطبية تقتضي صون تلك الأسرار، تحدثت سهى عن تجربتها في هذا النوع المشبوه من الإتجار بالأعضاء، وكشفت أنها عاينت عدة حالات ممن باعوا أعضاءهم وخضعوا لعمليات جراحية ضمن ظروف غير صحية، لكنهم بعد ذلك أخذوا يعانون من مضاعفات كثيرة لازالوا لحد الآن يتلقون علاجاً لها.
سئلت عن مسؤولية الطبيب في إجراء هذا النوع من العمليات ونقل الأعضاء البشرية، أجابت بأنّ الأهم بالنسبة للطبيب هو الحصول على موافقة اللجنة الطبية لإجراء العملية بدافع إنساني، ولايخفى على أحد أن هذا النوع من العمليات يتضمن صفقة مالية كبيرة بين البائع والمشتري!، وأصبحت تلك العلاقة الوطيدة هي التي تؤمن سبل العيش الكريم للفقير وتاجر البيع بالأعضاء على حد سواء، وكل ذلك في مغافلة للقانونين الإنساني الطبي والجنائي.

في القانون
يعاقب القانون السوري جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية بحسب مرسوم مكافحة جرائم الإتجار بالأشخاص رقم 3 لعام 2010، وتم تحديد العقوبة لمن يقدم على بيع عضو من جسمه ضمن شبكة أو خليه تعمل في هذا الأمر، وفق المادة 10 من المرسوم، بـ “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرافمة من مئة ألف إلى مئتي ألف ليرة سورية، كل من انضم إلى جماعة إجرامية هدفها، أو من بين أهدافها، ارتكاب جرائم الإتجار بالأشخاص، مع علمه بأغراضها”.
رئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق الدكتور حسين نوفل كشف أن هناك عصابات طبية تتعامل مع عصابات عربية ودولية للمتاجرة بالأعضاء وخاصة بقرنية العين، و هناك آلاف الحالات خاصة في بعض المناطق الحدودية وفي مراكز اللجوء.
مضيفاً أن هذا الكشف لا يعكس إلا قمة جبل الجليد لتلك الجريمة المنظمة وشبكتها العنكبوتية وأعمالها التي لا تقتصر في حدود بلد واحد وتطال سرقة الأطفال الرضع من عائلاتهم ضحايا الحرب.

على اتجاهين
كثيرة هي الطرق التي تهدف لاجتذاب الزبائن – بائعي الأعضاء البشرية – ومن وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإعلانات المنتشرة في شوارع دمشق وتلك القريبة من المستشفيات والصيدليات، غالبية الإعلانات تعنون الضرورة الإنسانية لإيجاد متبرعين من زمر دم مختلفة أو كلية أو قرنية مع مكافأة مادية، وهذا يؤخذ باتجاهين، حاجة إنسانية في حالات معينة، وحالة مغافلة للقانون في مكان آخر وحالات أخرى، والأكيد أنها تخفي في طياتها كواليس سلسلة صفقات كبيرة لتجارة الأعضاء، الفقر أم الحاجة، والحاجة لمن يدفع المال ويبقي على حياة شخصين حالفهم الحظ ولم يكونوا ضحايا قذائف الحرب التي أزهقت أرواح الألاف بدون أن يدفع لهم أحد!