على أرض بلدة العريمة المزروعة بأشجار الزيتون ذات المساحة الخضراء، تلتقي قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، والقوات الروسية المنتشرة في سوريا. وتعد البلدة السورية الوحيدة التي تمثل نفوذاً لثلاث دول كبرى فاعلة بالحرب السورية، وهي (أمريكا وروسيا وتركيا).

في طريق البلدة الرئيسي، كانت الحاجة عنود (62 سنة) تمشي برفقة ابنتها وتدعى فاطمة ذات الثلاثين عاماً، قطعتا حاجزاً يتبع «مجلس الباب العسكري»، بعد عدة أمتار؛ اعترضهما حاجز آخر يتبع القوات النظامية ويرفع العلم السوري، وعند سؤالها عن الجهة التي تدير بلدتها، ارتسمت علامات الحيرة والاستفهام على تجاعيد وجهها، لتقول: «لا أعلم والله، لأنّ الروس والنظام وقسد كل جهة لديها حواجز وعناصر»، أما ابنتها والتي كانت تلبس زياً محلياً وتتشح بالسواد قالت مبتسمة: «كل هذه القوى تحكم بلدة صغيرة بحجم العريمة».

ففي مدخل العريمة الواقعة على بعد 50 كيلو متراً شرقي مدينة حلب شمال سوريا، هناك نقطة مراقبة ترفرف فوقها ثلاث رايات عسكرية، روسية وسورية وراية ثالثة لـ«مجلس الباب العسكري» المنضوي في صفوف «قوات سورية الديمقراطية». وتنتشر في البلدة منذ بداية 2018، الجهات العسكرية الثلاث التي كانت على نقيض خلال سنوات الحرب؛ لكن التهديدات التركية غيرت خريطة الأعداء والحلفاء المتحركة، حيث تراقب الشرطة العسكرية الروسية مهمة قوات حرس الحدود أو ما تسمى محلياً بــ«الهجانة» الموالية للأسد، وتسيّر الدوريات المشتركة مع «مجلس الباب العسكري» الذي يدير البلدة عسكرياً.

تفاهمات عسكرية

غيّر تاريخ 25 ديسمبر (كانون الأول) 2018، معادلة توازنات القوى العسكرية المتوزعة على الأرض في البلدة التي تبعد 20 كيلومتراً شرق مدينة الباب الخاضعة لفصائل «درع الفرات» المدعومة من تركيا، كما تبعد 20 كيلومتراً غرب مدينة منبج والتي تسيطر عليها «قوات سورية الديمقراطية»، وبطلب من الأخيرة عاد مركز التنسيق الروسي مع وحدة من الجيش السوري إلى مواقعها في العريمة، وانتشرت 13 نقطة عسكرية بمحيط البلدة بالتنسيق مع «مجلس الباب العسكري».

يقود مجلس الباب (أبو جمعة) المتحدر من المدينة، وقد ضع نصب عينه تحرير مسقط رأسه من «الاحتلال التركي» ومن الفصائل الموالية لها المنضوية في «درع الفرات»، على حد تعبيره. شارك أبو جمعة في المفاوضات المباشرة مع الروس لعودة مركز التنسيق والقوات النظامية الى مواقعها، وعن الهدف من هذا يقول: «هدفنا حماية البلدة من التهديدات التركية التي تصاعدت في الآونة الأخيرة»، وهددت تركيا بشن عملية عسكرية ودخول منبج ومناطق شرق الفرات للقضاء على «وحدات حماية الشعب الكردية»، وتزايدت وتيرة التهديدات بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية العام الماضي سحب قوات بلاده -وقوامها ألفي جندي- من سوريا.

من مقره العسكري في بلدة العريمة، يشرح أبو جمعة أهمية الخطوة قائلاً: «كانت بمثابة المخرج المناسب لسد الفراغ الأمني بعد سحب القوات الأمريكية، اتصلنا بالروس الذين انسحبوا قبل 6 أشهر، فطلبوا منا رفع العلم السوري، وكانت عودتهم بتفاهم عسكري مع (مجلس سورية الديمقراطية)، ونحن ندير المدينة مدنياً وعسكرياً».

وتشكل «مجلس الباب العسكري» صيف 2016 من أبناء المدينة على غرار تجربة «مجلس منبج العسكري»، وتلقى استشارات وتدريبات عسكرية من قوات التحالف الدولي، وبحسب قائده أبو جمعة فإن تعداده يبلغ نحو 3 آلاف مقاتل، ويتألف من تشكيلات أبرزها: «جبهة ثوار الباب»، «لواء شهداء ريف الباب»، «لواء شهداء الكعيبي»، «لواء شهداء القباسين»، «كتائب أحرار العريمة»، و «كتيبة سلو الراعي»، بحسب أبو جمعة.

ونشرت القوات النظامية نقاطاً عسكرية منفصلة عن حواجز «مجلس الباب»، أما الشرطة الروسية فتراقب التنسيق بين الجانبين المنتشرين داخل البلدة وفي محطيها، «النظام منتشر على طول الخط الفاصل غربي الساجور بين مناطق سيطرتنا، والمناطق التابعة لنفوذ درع الفرات المدعومة من تركيا، والروس يراقبون مهمة كل طرف» يشير أبو جمعة.

خريطة متشابكة

تتبع ناحية العريمة إدارياً لمدينة الباب بريف حلب الشرقي، بلغ تعداد سكانها حسب إحصاء عام 2004 قرابة 33 ألف نسمة، ونزح إليها حوالي 12 ألف شخص لاحقاً ليتجاوز عدد سكانها الـ 45 ألفاً، ينحدرون من المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل درع الفرات في شمال وشمال غرب مدينة حلب.

وعلى مر السنوات الثماني الماضية، تغيرت الجهات المسيطرة على البلدة أكثر من مرة، فبعدما انتزعتها فصائل المعارضة المسلحة منتصف 2012 من القوات الحكومية، سيطر عليها تنظيم داعش نهاية 2014، لكن «قوات سورية الديمقراطية» وبدعم من التحالف الدولي، تمكنت من طرد عناصر التنظيم منتصف 2016 وبسطت سيطرتها عليها.

يروي المدرس سعد الدين (29 سنة) كيف توارى عن الأنظار عدة أيّام عندما دخلت القوات النظامية نهاية العام الفائت إلى مسقط رأسه، ونقل إنّ سكان البلدة انتابتهم حالة من الخوف والقلق خشيةً من الاعتقالات والملاحقة، وقال: «بقيت كم يوم ما طلعت من منزلي، بعدها عرفت من الجيران والأصدقاء أن النظام يقتصر تواجده لحماية الحدود مع مناطق التماس التابعة لفصائل (درع الفرات)».

وعن المنهاج الدراسي المقرر في العريمة يضيف سعد الدين: «هو المنهاج الحكومي نفسه دون أي تغير، يدرس من الصف الأول الابتدائي حتى الثامن الإعدادي، أما التاسع الأساسي والمرحلة الثانوية لا تدرسان لغياب مراكز امتحانات وكوادر تدريسية».

في مدرسة البلدة للتعليم الأساسي، كان التلاميذ يلهون في ساحتها وتتعالى صيحاتهم وضحكاتهم، كما تبدو شوارع البلدة شبه طبيعية، فالمحال التجارية عرضت أصنافاً من المواد الأساسية والغذائية وفي زاوية كل صنف كتب سعرها بالليرة السورية، فيما يتبضع الأهالي من سوق المدينة المركزي لشراء الخضار والفاكهة ومتطلباتهم اليومية.

مالك إحدى بقاليات السمانة يرتدى عمامة بيضاء ويدعى حميد (55 سنة) أشار إلى أنّ أسعار المواد في البلدة منافسة مقارنة مع باقي المحافظات كمدن حلب ودمشق والساحل السوري. مضيفاً «كيلو السكر يباع بـ 275 ليرة سوري (ما يعادل نصف دولار أمريكي)، وجرة الغاز متوفرة وسعر الأسطوانة 3 آلاف ليرة (6 دولار)، فكل شيء متوفر والحمد لله والأسعار مقبولة».

ويضيف تسيير الدوريات (الروسية – السورية – الديمقراطية) بعداً جديداً للخريطة المتشابكة في محيط العريمة، التي تختلط فيها قوات متحالفة مع «وحدات حماية الشعب» الكردية، شاركت مع التحالف الدولي للقضاء على تنظيم داعش، بينما تحيط بشمال وغرب المدينة فصائل سورية مدعومة من تركيا، وفي الغرب والجنوب تتمركز قوات تابعة للنظام الحاكم.

خريطة جغرافية ساخنة

أصبحت خريطة العريمة السورية أكثر سخونة، مع حالة استنفار عسكري لكل القوى المتوزعة على الأرض، استعداداً لعمل عسكري تركي متوقع بمشاركة فصائل معارضة ضد «الوحدات الكردية» وهي العماد العسكري لـ«قوات سورية الديمقراطية»، والأخيرة منتشرة في البلدة ومحيط مدينة منبج المجاورة ومناطق شرقي الفرات.

ونقل الصيدلي سالم (32 سنة) المتحدر من العريمة وكان مقيماً حتى ربيع 2016 في مدينة حلب، إنه كان يعمل في مستشفى ابن رشد الحكومي، وعلى إثر المعارك المحتدمة بين «قوات سورية الديمقراطية» وتنظيم داعش صيف 2016، أغلقت جميع الطرق والمنافذ البرية الأمر الذي أجبره على البقاء في بلدته وافتتاح صيدلية هناك، وقال: «أنا بحكم المستقيل، منذ 3 سنوات لم أذهب للدوام، لا أعلم ما هو وضعي القانوني، هل أقالوني من العمل أم فصلوني؟ حقيقةً لا علم لي».

بينما يقول سعدون (42 سنة) والذي يمتلك محلاً لإصلاح وبيع الإطارات، إن التهديدات التركية المتصاعدة و المتزامنة مع الانسحاب الأمريكي جعلت “الكثير من سكان المدينة يخشون كثيراً من نيران الحرب، نشاهد ماذا يحدث في باقي المناطق وكيف يعيش النازحون تحت خيم النزوح واللجوء، فالحروب لا ترحم المدنيين» بحسب قوله.

ويواجه سكان العريمة إجراءات معقدة عند السفر خارج الحدود الإدارية للبلدة، إلا أن «معظم الأهالي يفضلون هذا الوضع مقارنة بحكم الدواعش سابقاً أو دخول فصائل درع الفرت» بحسب سعاد وهي سيدة في بداية عقدها الرابع، إلا أن سعاد ترى في الوقت نفسه أنّ بقاء الوضع على هذا الشكل غير مريح بالنسبة لسكانها، وتقول : «نخضع لحكم ثلاث جهات عسكرية وهذا أمر غير مقبول، فالسفر لمناطق درع الفرات شبه مستحيل، أما الى مناطق النظام ففيه خطورة ومجازفة».

نقطة التقاء ثلاث دول كبرى

تحتل العريمة المضطربة موقعاً حساساً على خريطة الصراع السوري، إذ تقع قرب نقطة التقاء ثلاث مناطق منفصلة، تمثل مجالاً للنفوذ التركي والأميركي والروسي، وما يتبعها من قوى محلية، فيما تتأهب البلدة الساخنة حالياً لتغيير جديد في موازين القوى قد تحدده معركة يجري الاستعداد لها من قبل الجيش التركي.

يقول محمد سعيد (42 سنة) إن العريمة جزء من سوريا، وعودة القوات النظامية ليس بأمر غريب عليه، «حتى اليوم لا يتدخلون بشؤون المدنيين، لكنني أخشى كثيراً من دخول فصائل درع الفرات بمساندة تركية، لأنّ الفوضى والخراب سيعم المنطقة».

وأرسل الجيش التركي تعزيزات عسكرية مدعومة بعشرات المدرعات والآليات إلى ريف حلب الشمالي، لمساندة فصائل المعارضة المسلحة التي اتخذت مواقعها في القرى المتاخمة للعريمة، وتتمركز هذه القوات على تخوم نهر الساجور غرباً وعلى طول شريط يبلغ 70 كيلومتراً، يمتد من غرب البلدة إلى شرق جرابلس ووصولاً لضفة نهر الفرات الغربية.

وتقول آمنة (40 سنة) والتي كانت تتجول في سوق البلدة، إنها تخشى كثيراً من تجدد القتال في مسقط رأسها، «أخاف على أولادي وأهلي… ماذا سيكون مصيرنا، إذا نزحنا في هذا الشتاء البارد أين سنذهب بروحنا، خلال السنوات الماضية لم ننعم بالاستقرار والأمان»

وطالبت تركيا مراراً بإنشاء منطقة آمنة على طول حدودها الجنوبية مع سوريا، ويقول طبيب البلدة الدكتور مسعود (53 سنة): «نحن مع المنطقة الآمنة إذا كانت برعاية دولية وأممية، لكن أرفض أنْ تكون تحت إشراف تركيا».

وتقع المنطقة الآمنة التي تطالب بها أنقرة على طول الحدود مع سوريا وتمتد على مسافة 460 كيلومتراً وبعمق 30 كيلومتراً، وهي تضم مدناً وبلدات كردية تتبع ثلاث محافظات سورية وهي الحسكة والرقة وحلب، وتنظر تركيا بريبة إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية وتتهمها بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور لديها والذي يقود تمرداً عسكرياً منذ 41 سنة.

وتترقب البلدة التطورات الجديدة بقلق، ويخلص عماد الدين وهو رجل يبلغ من العمر ستين عاماً، حال أهلها قائلا «الحرب أنهكت البشر والحجر وشجر الزيتون، 8 سنوات عجاف لم ننعم بالاستقرار، مرت علينا مثل 80 دهراً»، يتوقف عن الكلام بعض الوقت ثم يضيف: «أملي أنْ تنتهي هذه الحرب وأنْ تعود الحياة الطبيعية، ننتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر».