بعد سبع سنوات من الحرب، تضع الحكومة السورية جلّ جهدها لتدفع بالحياة الاقتصادية قدماً والتسويق لفكرة أن “الحرب على الإرهاب” قد شارفت على الانتهاء، وبأن عجلة إعادة الإعمار انطلقت، وذلك من خلال الترويج لمعرض دمشق الدولي بدورته الستين، حيث يتم تصويره على أنه فرصة ذهبية واعدة للشركات الأجنبية والعربية التي تسعى لتثبيت موطئ قدم لها في سوريا مستقبلاً.

العام الماضي أيضاً، اجتهدت الحكومة لإعادة إحياء المعرض الدولي  بدورته الـ ٥٩، وقد حقق -من الناحية الإعلامية والإعلانية -جزءاً من رسالته، حيث شهد حضوراً واسعاً على مستوى الزوار المحليين، أما على صعيد المشاركة الدولية، فكان الحضور ضعيفاً على صعيد عدد الشركات الأجنبية والعربية، وطغى حضور الشركات الروسية والإيرانية على حساب الدول الأخرى، نتيجة عدم استقرار الوضع التجاري والاقتصادي في سوريا.

ساهم بذلك أيضاً، تربصّ  دول عدّة بالشركات الأجنبية التي تسعى للاستثمار في سوريا والمشاركة بإعادة إعمارها، لفرض عقوبات دولية عليها، وهذا سبب إضافي يفسر ضعف مشاركة بعض الدول العربية والأجنبية.

رغم هذا، لا يمكن نكران أهمية تظاهرة معرض دمشق الدولي على الصعيد الاقتصادي في بلد أنهكته الحرب، واستخدام مسمى “تظاهرة” يرمز لكون الفعالية أشبه بفقاعة لا نتائج حقيقية لها، وبالتالي لايمكن الاكتفاء بإظهاره إعلامياً والابتعاد عن الواقع الاقتصادي المتردي الذي فرضته الحرب، فنتائج الدورة السابقة للمعرض لم تؤت ثمارها بعد.

روجت  وسائل الإعلام أن المعرض شهد توقيع عقود واتفاقيات تجارية بمبالغ كبيرة، ولكن حقيقة الأمر تقول بأن الجناح الذي حقق نتيجة اقتصادية من المعرض بنسبة ضئيلة هو جناح تصدير المنتجات الزراعية السورية.

رغم هذا فإن قضية تصدير المنتجات الزراعية السورية تواجه العديد من التحديات، فقد سبق لروسيا أن رفضت سابقاً استقبال شحنات من الخضار والفواكه السورية لعدم مطابقتها للمواصفات القياسية، إضافة لمشكلة تأمين وسيلة نقل وممرات شحن دائمة قادرة على إيصال البضائع السورية للأسواق المُستهدفة.

إن الترويج الوهمي للتوقيع على اتفاقيات تجارية، لا يمكن أن يؤتي بنتائج سليمة وإيجابية، خاصة في حال غياب انعكاس هذه الاتفاقات على الاقتصاد المحلي، وسهولة اكتشاف حقيقية الأمر من خلال تتبع مؤشرات التصدير والاستيراد، الذي ينعكس أيضاً على سعر صرف العملة السورية والتي تبلغ اليوم قرابة ٤٦٠ ليرة مقابل الدولار في السوق السوداء، أما سعر الصرف الرسمي فمازال ٤٣٠ ليرة وفق نشرة البنك المركزي السوري.

اقتصادياً يمكن إجراء مقارنة بين الأرقام التي تصرح بها الحكومة السورية وبين الأخرى الحقيقية  مع الأخذ بالعلم أن لا بيانات اقتصادية متوافرة بشكل دقيق خلال الحرب.

يحتاج المستثمر الأجنبي للاستقرار الاقتصادي ولقوانين وتشريعات استثمارية تحاكي المرحلة الحالية، لكن تأخر إصدار التشريعات -خاصة قانون الاستثمار الجديد- يؤكد أن الرؤية الاقتصادية لسورية يشوبها الغموض، في حين يصر القائمون على الاقتصاد على طرح أفكار ومشاريع اقتصادية تكشف حجم الانفصام عن الواقع المعيشي والمالي لسورية.

وفي ظل الحديث عن ضرورة التوصل لعملية انتقال سياسي متفق عليها من قبل جميع الأطراف الدولية، يصبح الحديث عن تعافي الاقتصاد السوري وانطلاق عملية إعادة الإعمار هو ضرب من الخيال، فالحرب لم تنته بعد ومازال الشمال الشرقي لسورية في حال صراع بين المكونات السورية والكردية وقوات التحالف الموجودة، عدا عن ملف محافظة إدلب التي مازال مصيرها مجهولاً.