“على فرض أنّ المنزل الفلاني في تراسات مشروع دمر سعره مليار ليرة سورية، وهو كذلك فعلاً. سمعت ورأيت أكثر من عرض قريب من هذا السعر، في المشروع، اوتوستراد المزة، الروضة، المالكي، وأحياء أخرى. لنجري حسبة اقتصادية بسيطة، أنا موظف، راتبي الحكومي تقريباً مئة ألف ليرة سورية شهرياً، في حال أردت شراء هذا المنزل، سأحتاج لتوفير كامل راتبي، دون أن أصرف منه ليرة واحدة، سنوياً أجني مليون، كل عشر سنوات 10 ملايين، إذاَ في مئة عام سأجني مئة مليون، وسينقصني فوقها 900 مليون، وعمري 35 الآن، سأحتاج أن أعيش مئات السنين لأشتريه، تخيل!”، يقول الموظف شامل حنور الذي تحدث لـ “صالون سوريا” عن معاناة السوريين مع السكن، واصفاً الأمر بانه غير المعقول ولا المنطقي.
“حسناً، يسأل سائل لماذا لا تنخفض أسعار العقارات طالما أنّها وصلت أرقاماً غير طبيعية. الجواب بسيط: الزبائن كثر، تجار الحرب لم يتركوا لنا مكاناً لنسكنه، بل ان بيتا بجرمانا صار بـ 500 مليون؟”، يسأل شامل مستغرباً من جديد، ويبدو أنّ مئات وربما ألوف السوريين يشاركونه استغرابه، فعلاً، كيف وصل سعر العقار في جرمانا المدينة الواقعة في ريف دمشق إلى نصف مليار؟.

فوائد قوم عند قوم
وسيم الجحا تاجر عقارات في دمشق، يجلس في مكتبه في حي المزرعة الشامي يقلب في دفتره ليعثر على تفاصيل عقار معروض للبيع لديه. كان سجل بياناته سابقاً، وهو بحاجتها الآن ليلبي طلب زبون تواصل معه عبر التلفون، “المنزل المعروض ثمنه 850 مليون ليرة سورية، والزبون موافق على السعر، لكنه يريد معلومات تفصيلية أكثر، عن الاتجاه مثلاً، المساحة الكلية، الإطلالة، مساحة الشرفة، وهكذا، بالعادة هذه الأمور يعاينها المشتري على أرض الواقع، لكن الزبون هذه المرة سيشتري المنزل عبر أخيه الذي يملك وكالة عنه، فهو خارج البلد، ولكن مع ذلك لا أصفه بالزبون المتطلب، فهذا حق طبيعي طالما هو خارج البلد”.
يشرح جحا لـ “صالون سوريا” أن المتعارف عليه أنّ المكتب ينال نسبة واحد بالمئة من ثمن العقار عند إتمام المبيع، النسبة ذاتها من البائع والشاري، أي ثمانية مليون ونصف من كل طرف، في حالة هذا العقار، وبمجموع 16 مليون ليرة سورية من الطرفين، مقابل بيع عقار واحد، “إذا بعت عقاراً مشابهاً مرة واحدة كل شهر سأصير مليونير بسرعة، لكن أحياناً يجمد السوق وتتوقف حركة البيع والشراء، لذا عملنا هو مثل الضربات، والأهم هو المضاربات فيما بين التجار، ولجوء الزبون لعرض عقاره عبر الكثير من المكاتب، وأخيراً صار كثر من الزبائن يعرضون عقاراتهم بأنفسهم على صفحات الفيس بوك، وهو ما يؤدي أحياناً لتراجع نشاط عملنا”.
وبحسب التاجر، فإنّ النصف الثاني من هذا العام هو الأكثر قوةً ونشاطاً قياساً بالفترات السابقة، “وصلت العقارات أسعاراً فلكية وغير مسبوقة، وهذه الفترة هي الأفضل منذ بداية الحرب”. ويعزو جحا السبب إلى “الارتفاع الواضح في نسبة الأمان بصورة عامة”.يضيف، “الناس صارت تتجرأ الآن على الدفع والشراء طالما أنّ الخطر انحسر بصورة شبه كاملة، فضلاً عن التهاوي المستمر في قيمة ليرتنا، لذا يبحث الجميع عن (تركين) أمواله في أشياء ثابتة كالسيارات والعقارات”.
“ليست كل الأسعار تصل إلى مليار وتتخطاه، هناك منازل أسعارها 300 و400 مليون في قلب دمشق”. يقول ثائر حديد وهو تاجر عقارات آخر في دمشق، يضيف لـ “صالون سوريا”، “صحيح أنّ الأرقام كبيرة، ولكن حتى في هذه فليس الجميع سواسية، هناك أناس يملكون أموالاً ويدفعون مئات الملايين دون نقاش لشراء عقار في أبو رمانة أو كفرسوسة مثلاً، وهناك أناس نميزهم جيداً يبحثون عن منزل بمئتي مليون مثلاً، ونعرف من حديثهم أنّ هذا المبلغ هو (تحويشة) عمرهم، هناك طبقات متعددة حولنا، والغالب بينهم إما ساحق أو مسحوق”، لا ينسى حديد الإشارة أنّ ارتفاع الأسعار مرتبط أيضاً بالتكلفة الباهظة لمواد البناء وارتفاعاتها المتتالية خلال الفترات الماضية.

“امبراطورية” المزة 86
“أنا الآن مستأجر لمنزل، اسكنه أنا وزوجتي وطفلي في منطقة المزة 86، أي في عمق مخالفات بلدنا، حتى أنّه لتصل لمنزلي، أنا لا اسميه طريقاً، بل عليك أن تتسلق أدراجاً طلوعاً ونزولاً، بالمختصر بتطلع روحك لتوصل لعندي، وفوق ذلك أجار منزلي 400 ألف شهرياً، وندفع كل ستة أشهر سلف، ومع نهاية كل نصف عام يتوقع المستأجر من صاحب العقار أن يزيد سعر الإيجار، المهم، تخيل أنّك في ال86 تستأجر ب400 ألف، كيف هذا؟، لا أحد يعرف، الطامة ليست هنا، تخيل أنّ أسعار بعض المنازل حولنا لامست حدود مئة مليون ليرة سورية، ومنطقتنا كلها مخالفات، شيء لا يصدق ولا يعقل”، يقول المهندس منصور سليمان في حديثه ل “صالون سوري” مبدياً استغرابه من تركز الأموال بيد فئة محددة من المجتمع.
“تجار الحرب هم من رفعوا أسعار العقارات وقضوا علينا”، يقول سليمان، ويضيف: “ما جمعه أحدهم بعام واحد في الحرب، سأحتاج أن أعيش مئتي عام لأجنيه من وظيفتي”. وعن حلمه بامتلاك عقار، يقول: “ما عدت أفكر بالأمر منذ زمن، قدرنا في بلدنا أن نظل مشردين بين منازله المستأجرة، وأن تشتري أرضاً وتعمر منزلاً عليها، أنا مهندس وأعرف أنّ الأمر جنوني، فمثلاً، سعر طن الحديد أكثر من مليوني ليرة سورية وسعر كيس الإسمنت أكثر من 15 ألف وسعر المتر من البتون المجبول بحدود مئة ألف ليرة، لذا فهذا الخيار مستحيل أيضاً”.

الاقتصاد العجيب
يبدي الاقتصادي كمال حميرا استغرابه الشديد من ارتفاع أسعار المنازل للضعف فجأة، يقول في حديثه مع “صالون سوريا”: “ما يحصل لا يصدق، لم ندرسه بالاقتصاد، الوضع في سوريا جنوني، ترتفع ضرائب البيوع العقارية، تزداد أسعار العقارات، تتوازن الليرة قليلاً، ترتفع أسعار العقارات، تزداد المخاطر الأمنية، تزداد أسعار العقارات، تنخفض المخاطر الأمنية ترتفع الأسعار، العقارات لدينا لا تعرف شيئاً سوى الارتفاع، في الاقتصاد هذا غير مفهوم عموماً، نعم من المفهوم تأثير السوق السوداء وهرب الناس للتملك في محاولة للحفاظ على مدخراتهم بالعملية المحلية، ولكن حين وصل الدولار قبل أشهر حدود 5 آلاف ليرة سورية مقابل الدولار، ارتفعت العقارات، الآن ارتفعت قيمة الليرة ليصبح كل دولار يساوي حوالي 3500 ليرة في السوق السوداء، ارتفعت العقارات من جديد، هذا غريب حقاً!”.

لو كان سعيد عقل حياً
كانت دمشق المدينة الحلم لكل باحث عن فرصة عمل، حياة جديدة، إبداع مختلف، ولاحقاً صارت مقصداً للنازحين والهاربين من ويلات الحرب، ولكن سرعان ما لفظتهم عاصمة بلادهم، عودوا من حيث جئتم، أو ارحلوا لمخيمات في الجوار، وفي أحسن الأحوال افترشوا الأرصفة والحدائق، وحقيقة كل ذلك يحصل، نسبة الفقر والتسول في دمشق وصلت مستويات ما عهدتها البلاد يوماً، البلاد التي كانت مقصداً لمواطني جوارها لانخفاض أسعار كل شيء فيها، ليس بدءاً من الثياب ولا الطبابة ولا وصولاً إلى العقارات، اليوم، تغيّر كل شيء، من يعرف دمشق قبل 2011، لن يعرفها اليوم.
إذن، هي الحرب مرتان: مرة على أرواح السوريين، ومرةً على جيوبهم، وفي المرتين لا ينفك الناس يقدمون الأضاحي والنذور على نية خلاص بلادهم، أو خلاصهم من بلادهم، حدود بولندا تشهد على نظرية الخلاص بأكبر الأثمان، يقول عجوز قارئ نهم لـ “صالون سوري”، “لو كان سعيد عقل حياً، لقال لدمشق: شآم ما الوجع؟، أنت الوجع لم يغب. انت القسوة والقهر”.