تأثير سنوات الحرب الطويلة طال أدق تفاصيل الحياة اليومية والمظاهر الاجتماعية والإنسانية. كانت السنوات العشر كفيلة بقلب كل المعايير والموازين داخل المجتمع السوري وخارجه. أصلاً لم يعد معروفاً ما هو المجتمع السوري وما هو داخله وما هو خارجه. مجتمعات بأكملها انزاحت جغرافياً في حين تشكّلت مجتمعات جديدة في أماكن مختلفة بينما تحلّلت مجتمعات أخرى بالكامل أو تشكّلت من جديد بعيداً في الشتات.

أفكر كثيراً بتاء التأنيث في (سوريا) أو (سورية). التاء التي وإن بدت بديهية وغير ملحوظة من فرط تكرارها في العبارات المعلوكة مثل (عاشت سوريا) و(ماتت سورية) و(دخلت سوريا عامها التاسع من أعوام الحرب)، لكنها ما تزال تحمل بعض الكبرياء والغرور وإن كان يعلو حوافه بعض الصدأ. كبرياء استمدّ من التاريخ السوري الذي تباهى بملكاته وسرد مراراً وتكراراً مناقبهن وحكاياتهن وسير السطوة التي حكمن بها أجزاء واسعة من العالم. لكن لمن كانت تحكى الحكاية؟ هل كانت التركة الأنثوية كافية لتتقاسمها السوريات فيعبرن بها حرباً أو أكثر؟ هل كان لدى هؤلاء النسوة كما يظهر في أغلب المسلسلات علبة خشبية يخبّئن فيها قطعة ثمينة من الذهب تخرج للضوء عند اشتداد الأزمات؟

ربما نعم، الأمر ليس سراً ولا علبة مخبأة في صندوق العرس، وليس استعارة أدبية درامية تحاول توصيف الحالة النسوية السورية على أنها جبروت جاء من العدم. هناك تحوّل حصل على مراحل في البيئة الاجتماعية السورية، لكن المراحل لم تكن بطيئة، كانت انكسارات دراماتيكية ضخمة، شروخ على امتداد المحددات الأفقية للمجتمع، ولا يمكن الجزم إن كانت طبيعة المرأة بشكل عام أو العوامل الأخرى المحيطة بها هي ما جعلها أكثر مرونة في التجاوب مع التغيرات المتسارعة. فخلال أشهر قليلة فقط تقدمت المرأة إلى الصفوف الامامية فيما يتعلق بإدارة المتطلبات الحياتية الأساسية، لأن عدداً كبيراً من الرجال تغيب عن الساحة، وهذا العدد استمر في الازدياد وبالتالي تزايد عدد النساء اللواتي بدأن يتولين مهمات جديدة.

لم نسمع أحاديث كثيرة حول هذا الأمر. لم تحدث جلبة حول وقوف النساء الطويل في طوابير الخبز وكيف يجدن طريقهن إلى مراكز دفع الفواتير ويقمن بتركيب جرات الغاز. كان انتقالاً سلساً وصامتاً في البداية، لكن كثيرات من بينهن فقدن أزواجهن وإخوتهن وآبائهن وأدركن أن هذا الحال ليس مؤقتاً. ثم دون كثير من التفكير ودون وضع تسمية خاصة بكل مرحلة، انتقلن إلى طوابير البحث عن العمل، وتفكيك حيثيات معيشية مثل العيش وحيدات مع أبنائهن أو العودة إلى جناح الأسرة الأكبر، وهذا ما كان ليكون مفروضاً ومسلّماً به لولا أن مخيم العائلة أيضاً كان يعاني من تشققات خطيرة ومخيفة في سقوفه، فترك في أحيان كثيرة للنساء أن يتدبرن أمرهن، على طريقة “مجبر أخاك لا بطل”.

هناك قصص كثيرة يمكن للمرء أن يرويها في هذا الصدد. قصص نساء عشن في قرى بعيدة كل البعد عن مراكز المدن وعن صخب الحياة فيها. منهن من توقّفت في تعليمها عند المرحلة الابتدائية، وبعد وفاة زوحها، حصلت على وظيفة لم يكن يخطر لها الخوض فيها لولا هذه الظروف.

سمعت عن سيدة في حمص لا تملك سوى شهادة الصف السادس (هذا إن صحت تسميتها شهادة)، توفي زوجها وحصلت على وظيفة في مركز المدينة. انتقلت واستأجرت منزلاً وسجّلت ولديها في مدرسة جديدة، ثم تدرجت في السلم الوظيفي صعوداً ووصلت إلى مناصب ذات تأثير مباشر على قيادات سياسية وعسكرية! دخلت الشأن العام من أوسع أبوابه وجعلته بابها الخاص، وصار يطرق هذا الباب مسؤولون ورجال أعمال وقادة مجموعات وغيرهم، طلباً للـ”خدمات” التي يمكن لها تأمينها من خلال “المنصب”.

في مناطق أخرى، كان التغيير الديموغرافي وموجات النزوح الداخلي هو الأثر الأكبر على النساء، الوافدون مثلاً من ريف حلب وإدلب إلى سواحل طرطوس واللاذقية، الوافدون من ريف دمشق إلى قلب العاصمة، حيث تلكأ كل مجتمع في حمل أدبياته إلى بيئته الجديدة، ومنهم من تخفف منها كلياً. انفتحت عيون نساء كثيرات على عوالم جديدة تنقلن فيها بين مراكز الإيواء وبين البيوت المستأجرة بمبالغ كبيرة وبين صالونات التدريب على المهن اليدوية وحياكة الصوف والكروشيه التي انتشرت مثل الوباء عند بداية ظهور المنظمات الدولية في سوريا. انخرطت النساء في مشاغل الحياة التي انقلبت رأساً على عقب وعملن بسرعة على الإحاطة بالواقع الجديد بما أمكن من أسيجة الأمان، وعلى تخفيف وطأة الانتقال. الرجال هم أكثر من عانى من تلك الوطأة ومن أحداث كانت لتحتاج سنيناً وسنين كي تجري لولا تكات ساعة الحرب المتسارعة. بل بالعكس، عانى الرجال من بطء في الحركة على الصعيد الشخصي أمام التضييقات الكثيرة والعوائق التي وضعت أمامهم، منها الخدمة العسكرية ومنها أعباء المواقف السياسية ولقمة العيش وغيرها.

تروي سيدات وافدات من ريف حلب ويعشن حالياً في طرطوس، كيف أنهن لم يحلمن ولا مرة بأن يأتي اليوم الذي تتمكّن فيه من الحديث إلى الرجال بشكل مباشر. وأنهن الآن قادرات على القيام بما كان يبدو مستحيلاً في زمن يبدو غابراً، كالأكل في الشارع مثلاً! وليس من تحت النقاب! كالركوب في الحافلات إلى جانب الرجال! المصافحة باليد! هذه التفاصيل التي ما هي إلا انعكاسات لتغيرات أكبر فرضت واقعاً جديداً مكّن البنات من دخول المدارس وأخّر سن الزواج وقلّل من عدد الزوجات للرجل الواحد. ولحقت بذلك أيضاً تغيرات في شكل اللباس والحركة وأدخلت مفردات جديدة إلى القواميس النسائية كما وضعت في أيديهن أدوات جديدة وامتلكن صوتاً أعلى من الماضي.

يبدو هذا جيداً من بعض النواحي، وأشبه بدفعة إلى الأمام حصلت عليها المراة السورية دون أن تخرج في اعتصامات وتشكل تنظيمات نسوية ومكاتب تنسيق. لكن في العمق، هل حقاً حصلت نهضة في واقع المرأة؟ هل حقاً يمكن تسمية ما تعيشه الآن بمكتسبات الحرب؟ برغم ما يبدو براقاً امام الناشطات النسويات وما يبدو أنها خطوات واسعة على طريق تحرر المرأة فإن الواقع أكثر ظلاماً. إذ لم تنتقل كل الشرائح المجتمعية بذات السرعة وذات الانسيابية، بل شهدت بعض المجتمعات مزيداً من التصلّب كردة فعل على ما تحاول الحرب إجبارهم عليه. بالنسبة للبعض ما يزال خروج الزوجة أو الإبنة إلى العمل هو أصعب ما يمكن تخيّله. ولمواجهة هذا الاحتمال ضاعف البعض عنفه على النساء، وفي حالات الفقر الشديد كان تزويج الفتيات هو الملجأ للتخفف من أعباء الحياة. هناك شريحة واسعة اليوم من زوجات – أو أرامل – الشباب المقاتلين في الجيوش المتعددة. هناك أيضاً شريحة الزوجات المنتظرات لمّ الشمل، وشريحة المتزوجات عبر الحدود. فلا يمكن للمسافر من سورية إلى لبنان مثلاً إلا أن يلاحظ عدد النساء برفقة أطفالهن –غالباً طفلين وأكثر- والواضح أنهن من طبقة فقيرة يحاولن العبور إلى أزواجهن، وغالباً أيضاً ما يتم إرجاعهن خائبات من المعبر الحدودي لنقص في الأوراق أو لعدم اقتناع الضابط المناوب بمنطقية الحجز الفندقي المؤمن على عجل من السماسرة، وبالتالي يلجأن إلى طرق أخرى يهربن عبرها إلى حيث يعمل رجالهن أعمالاً شاقة أصعبها حمل صفة (اللاجئ) التي تزن آلاف الأطنان.

من هنا أعود إلى السؤال الأساسي الذي بنيت عليه فكرة هذا المقال: كيف تبدّلت الهوية النسوية السورية خلال الحرب؟ في الواقع، الإجابة عنه قد تحتاج إلى صفحات وكتب. وكان علينا طرحه قبل وقت طويل. السؤال الأصعب في الأساس هوعن الهوية السورية عموماً ونحن اليوم في سعي حثيث للتنظير لهوية واحدة يمكننا تبنّيها بعد انتهاء الحرب. فهل كان للسوريين عموماً هوية واحدة؟ ولو وجدت، هل تبدّلت ضمن مسار واحد وباطراد زمني معيّن؟ ربما لا. وكذلك الحال بالنسبة للمرأة السورية إذ هل يصحّ القياس عندما يكون المقياس مشوّهاً؟ وهل تستوي معايرة المجتمع السوري اليوم بمنظار واحد؟ التقيت بنساء في قلب دمشق يتذمرن مما آل إليه الحال، ولا يجدن في انخراط المرأة في التعليم أو العمل حالة إيجابية. قد لا يمرّ أسبوع دون أن تجلس بجانبي في الباص امرأة خمسينية أو أكبر، تحدثني عن معاناتها هي التي لم تعتد يوماً على ركوب وسائل النقل العامة، ولم تعتد على حمل أكياس الخضار. تحكي كيف عاشت حياتها “معززة مكرمة” و”كل شي بيوصل لعندها”، ولم تتخيل أن يأتي اليوم الذي يتوزع فيه أبناؤها في شتات الأرض، لتبقى وحيدة مع زوج كهل ومحبط يترك لها أن تتحمّل مسؤوليات كثيرة. يكاد لا يمر يوم دون أن تشتكي لي زميلتي في العمل، المسؤولة عن تنظيف المكتب وإعداد القهوة والشاي من تدهور حياتها والكوارث التي انهالت عليها منذ اعتقال زوجها واختفائه، بدءاً من هرعها بين سجن وآخر بحثاً عنه، وصولاً إلى يأسها وانشغالها بتربية الأطفال الأربعة ثم البحث عن عمل واضطرارها لإخفاء طبيعة العمل عن أهلها وأهل زوجها كي لا “تنكسر عينها أمامهم”.

تتشكل الهوية بناء على المساحة التي يتحرك ضمنها الفرد. تتسع أو تضيق، تتسطح أو تتعمق، وقد لا يتطلب تشكل الهوية وعياً بذاته، لكن تبدّلها أو تسيير هذا التبدل باتجاه معين يتطلب وعياً كبيراً وإدراكاً. هذا ما يبدو أن المنظمات والجمعيات النسوية والناشطات والباحثات وكل المهتمين بشؤون المرأة في سوريا يسعون لتحقيقه. تثبيت المكتسبات التي حصلت عليها النساء وتوعيتهن بالجانب المشرق لها، تدريبهن على تقبل الواقع الجديد وإدارته لصالحهن. صار مقبولاً في سوريا اليوم أن تقول: “بفضل الحرب حصل كذا وكذا…”، نعم بفضل الحرب صارت النساء تعمل وتتعلم وتتكلم وتسكن وحدها غير تابعة لأي سلطة ذكورية. لم يعد ممكناً الرجوع إلى الوراء، لكن بالإمكان السير إلى الأمام.

في منطقة الدويلعة صادفت شابة تعمل في محل خردوات، قالت إنها مشغوفة بعملها وسعيدة به، وإن أحداً لا يستنكر مهنتها الغريبة عادة عن النساء. الجميع يدرك أن المهم في الأمر هو العمل وتأمين لقمة العيش فقط. إحدى السيدات اللواتي نزحن من إدلب وقابلتها في جلسة حوارية أقامتها إحدى الجمعيات قالت لي: “والله عايشة حياة ما كنت أحلم فيها، إذا بيفكر زوجي يرجعني متل ما كنت قسماً بالله إلا أبلغ عليه!”، لا أعرف إن كانت تمزح أو تتكلم بجدية ولا أعرف ما إذا كانت ستبلّغ عنه بالفعل أو لمن ستشتكيه؟ ولم أسألها. اكتفيت بالإصغاء إلى ضحكات النساء حولها يوافقنها بشدّة.

بين هذه السيدة وسيدة أخرى صادفتها تصرخ في وجه الرجال أمام السرفيس لأنهم يسابقون النساء إلى المقاعد وتتحسر على أيام زمان حين كان يقال “السيدات أولاً”، يبدو أن هناك مدى واسع جداً واختلافا بنيويا عميقا، لكن الحقيقة أن السيّدتين تنتميان إلى البيئة ذاتها وتمتلكان نفس المقومات، إلا أن كلاً منهما هضمت التغيير بطريقتها وعبّرت عنه بمفرداتها. تعاطفت مع السيدة الأولى بينما نظرت بشفقة إلى رجل تنازل أمام صراخ السيدة الثانية وابتعد قائلاً: “شو عم تحكي هي؟ هلأ بقي مرا ورجال؟ المهم نركب مو شايفة كيف الدنيا تغيرت؟”.

بالفعل لقد تغيرت الدنيا.

*اللوحة: جورج مكتبي georgemaktabi@