ربما يجب أن نعيد تعريف كلمة مثقف، وأؤمن أن الفن والثقافة إن لم يكن هدفهما الأخلاق والخير فهما ساقطان ولا يجب تسمية المثقفين (الذين يقفون مع المستبدين والديكتاتوريين بالمثقفين)؛ أقول هذا الكلام لعدة أسباب ولملاحظات كثيرة بدأتُ أنتبه لها بشكل خاص منذ بداية الثورة السورية. وكلمة ثورة خط أحمر في سوريا، فالمنتفع من الفساد والاستبداد لا يُسمي ما حصل في سوريا ثورة، بل مؤامرة. سأذكر بعض مواقف من نسميهم مثقفين وهم فعلاً حاصلون على شهادات عالية من جامعات أوروبية وأمريكية أو من جامعات عربية.

أولاً: أحد زملائي الأطباء وكنا نعمل معاً في المشفى الوطني في اللاذقية وجمعتنا زمالة وهو اختصاصي ناجح ومن أسرة ثرية وعريقة، كتب لي منذ أيام ما يلي: “لا حظي عزيزتي كيف كان موقف الأوروبيين أثناء جائحة الطاعون، وكيف هو موقف الشعب السوري أثناء موجة كورونا، الشعب السوري لا يستحق الاحترام جالس لا يقوم بأي عمل مفيد ينتظر الحل من القدر!”. في الواقع أثار كلامه عاصفة من الغضب في أعماقي ولم أستطع الرد فوراً، وكنت قد قرأت أن ستين طبيباً ماتوا في شهر تموز أثناء علاجهم مرضى كورونا أي ماتوا بكورونا. وكتبت للدكتور الاختصاصي إياه أسأله: “ماذا باعتقادك يمكن أن يفعل الشعب السوري؟”، فلم يرد.

ووجدتني أتقمص معاناة شعبي المُروعة وأجيبه أن الشعب السوري يعيش أعظم معاناة في عصرنا حتى سميت المأساة السورية بمأساة القرن، وبأن راتب السوري هو أدنى راتب في العالم ولم يعد الراتب الذي هو حصوة يسند خابية، وبأن المواطن السوري يعاني هدراً وجودياً مُخزياً للغاية وهو يهدر أيامه في انتظار (وسط طابور من 400 شخص) بانتظار توزيع ربطة خبز من أردأ الأنواع (لأن الأفران بسبب نقص المازوت لا تخبز الخبز كفاية)، أو أنه يهدر يومه بانتظار توزيع مساعدات من المؤسسات الاستهلاكية للدولة. وأرسلت للدكتور فيديو لأكياس الرز التي يسرح فيها الدود. السوري الذي لا يستطيع شراء اللحم والسمك والفاكهة لأولاده بسبب الفقر المدقع. السوري يرى أطفاله يذوون أمام عينيه بسبب الجوع وسوء التغذية وبسبب فساد التعليم والطبابة في حين زادت أسعار الأدوية بنسبة 300 بالمئة ومعظمها غير متوفر ولم يزد الراتب قرشاً ليتناسب مع سعر الدواء على الأقل. الأدوية النفسية التي انقطعت فجأة والتي تعتمد شريحة كبيرة من الشعب السوري عليها وهذه الأدوية يجب إيقافها بالتدريج وعلى مدى ثلاثة أشهر ويؤدي انقطاعها فجأة لنوبات صرع لدى المرضى. لن أظلم هذا الزميل بأن أطلق عليه اسم “الدكتور الشبيح” لأنه يحتقر شعبه ويكرهه ويصفه بالرعاع والجهل ولا يترحم حتى على زملائه الأطباء الذين ماتوا وهم يعالجون مرضى كورونا. لعله نسي السنوات التي كنا فيها زملاء موظفين في المشفى الوطني في اللاذقية، المشفى الذي رائحته رائحة المراحيض بسبب القذارة والذي تمت فيه صفقات فساد كبيرة لم يُعاقب عليها الفاسدون الكبار. يتربع هذا الزميل في ثرائه وفي مزرعته الفخمة ويحتقر شعبه ويكرهه ويتهمه بالجهل وبأنه ينتظر الفرج من الله، وهو يعلم أن هذا الشعب الجبار في التحمل لا يستطيع أن يعترض أو يجهر بالحق لأن أجهزة الأمن متربصة به. هو يشارك في قتل شعبه باحتقاره له وسخريته حتى من طريقته في التدين. أجل هو من الأطباء القتلة  لأن قتل الروح يوازي قتل الجسد. وأظنه يعرف أن بعض زملائه الأطباء مارسوا التعذيب في المعتقلات  حتى الموت على شعبه الذي يحتقره ويقول عنه أنه رعاع.

لن أضيع الوقت في التحدث عن المشكلة الأبدية بشح الكهرباء في سوريا وتلوث المياه وندرتها. أكاد أرى في عيني زميلي الطبيب الاختصاصي الشبيح رغبته في موت شعبه، فمصلحته وضمان ثروته أن يموت هؤلاء الفقراء المظلومون المعذبون في الأرض، لأن وعيهم وإدراكهم لحقوقهم قد يهددان مزرعته الفخمة وبيته القصر. “الدكتور الشبيح”  يشارك بقتلهم ، يا للعار كيف استطاع أن يقسم قسم إيبوقراط الذي يرتعش كل طبيب وجداني حين يقسمه. ثمة أطباء كثيرون شبيحة بفكرهم وممارستهم. الشعب السوري عظيم لأنه يحافظ على حياته، لأنه قادر أن يستأنف يوماً جديداً من الذل والقهر والجوع دون أن ينهار لأجل أولاده. إنه جبار لمجرد أنه باق. وهذه هي بطولته الأعظم والأهم. وهو باق لأن بقاءه من نوع: هنا على صدوركم باقون كالجدار – وفي حلوقكم كقطعة الزجاج كالصبار – وفي عيونكم زوبعة من نار. البقاء هو فعل المقاومة الأعظم للسوري زميلي الطبيب الشبيح.

ثانياً: ثمة مثقفون لمعت أسماؤهم كالأضواء الزائفة لتملقهم للمسؤولين والحكام، ووقفوا ضد مطالب شعبهم بالحرية والكرامة، هؤلاء لم يتخذوا أي موقف متعاطف مع شعبهم المسحوق، بل إن بعضهم امتدح أحد أهم رموز الفساد في سوريا. ثمة كاتبة تعلن صراحة أنها لن ولم تصرح عن أي موقف مما يحصل في سوريا! وتمتدح شخصية من أهم الشخصيات في النظام السوري. أستغرب كيف يمكن لكاتب ألا يكون له موقف مما يجري في وطنه ومن معاناة شعبه! كيف يمكن لكاتب أن يتجاهل جوع أطفال سوريا ومعاناتهم في مخيمات اللجوء أو في الداخل السوري حيث التسول وفساد التعليم والجوع. كيف يمكن لكُتاب أن يطرزوا كتابات منفصلة كلياً عن الواقع وعن المأساة السورية، وبعضهم يحصل على جوائز! بل إن بعضهم يصنف نفسه وتصنفه الكثير من الجهات الثقافية بأنه كاتب سوريا المعارض الأول فيما هو لم يمنع من السفر مرة واحدة، ويسافر في كل أصقاع الأرض وتطرز مديحاً برواياته إحدى أهم المسؤولات الشبيحات. وهذا الفساد الثقافي ينطلي على الكثيرين للأسف. لكن وكما يقال الثلج سيذوب ويبان المرج. لا أحد يستطيع أن يخدع الشعب أبداً مهما التمعت الأضواء الزائفة حول البعض، مهما اضطر الشعب المسحوق المظلوم للصمت خوفاً على أولاده وعلى نفسه كمعيل لهم. لكن الشعب (مهما وصفوه بالقطيع والرعاع) لا تخطىء بوصلة الحق لديه. وهو يميز بين الأضواء الحقيقية والزائفة، وإذا كانت العبارة الأكثر تداولاً بين السوريين (خلونا هلق ساكتين)؛ فذات فجر قريب ستصدح الحناجر بكلام الحق ولن يبقى أي مواطن سوري صامت.