يُعدّ التعليم بكمّه ونوعه عموماً أداةً أساسيةً للدول لإنتاج هويةٍ وطنيةٍ ورفد الأجيال الناشئة بالإمكانات المعرفية والخبرات العملية الضرورية لبناء مستقبلها ومستقبل بلادها. من هنا فإنّ ما يواجهه النظام التعليمي والتربوي عموماً من تحدياتٍ لا يعد بالأمر السهل وخصوصاً في عصر انتشار المعرفة والتكنولوجيا وثورة الاتصالات والتواصل الاجتماعي المفتوح والتعدد في مصادر المعرفة وتنوعها، لذا كان لا بد من تطوير مناهج تعليمية متطورة تواكب هذه التغيّرات الجذرية المتسارعة. يُضاف إلى التحدّيات النظرية السابقة المهمة الأصعب التي تواجه أي لجنة تطوير للمناهج ألا وهي إعداد مناهج تعليمية في بلادٍ تعاني من تراجعٍ في معدلات التنمية وشرخ بين المعرفة والعمل.

أما في الحالة السورية، فإنّ تراجع النظم التعليمية وإهمال القطاع التعليمي وانعدام الاستثمار في ميادين المعرفة والبحث وهيمنة الأجهزة الأمنية والذي يعود إلى فترات ما قبل الحرب بوقتٍ طويل قد تلاه حرب أهلية مدمرّة وانقسامات حادة ضمن البيت الواحد، أمور جعلت صياغة مفاهيم متداولة كبديهيات كالوطن والهوية والجغرافية مسائل بالغة التعقيد والتشابك مع الظرف الراهن.

يُعتبر بناء المناهج وتطويرها مشروعاً تربوياً وسياسياً مقصوداً ومنظماً، ومعنى ذلك أنَ الأهداف المرجوة واضحة ومُحدّدة وكذلك الخطط والأنشطة والوسائل المناسبة لتحقيق تلك الغايات. إنّ وضع أي منهاج تعليمي يمر بمراحل متسلسلة، بحيث يبدأ من وضع الأهداف والغايات البعيدة والتي تحتاج لزمن طويل نسبياً لتحقيقها وهي مستمدة من السياسة العامة للدولة ومن فلسفة وقيم المجتمع إلى جانب القيم الأخلاقية والإنسانية العامة.

في ضوء ذلك يتم تحديد أهداف جزئية ومرحلية متفرعة عن الأهداف العامة حتى يصل الأمر إلى الهدف الذي يجب أن يتحقق من حصة دراسية واحدة. من هنا يتم بعدها اختيار محتوى المناهج والطرق والوسائل المناسبة، كما يتم وضع برنامج تقييمي ومراجعة دورية على مستوى المحلي (المنطقة، والمحافظة) والوطني (على مستوى البلد) لمعرفة مدى تحقق تلك الأهداف.

السؤال الإشكالي والمهم هنا: ما هي هذه الأهداف؟ وما هو المجتمع الذي تسعى المناهج التعليمية للوصول إليه؟ وفي سياقات طارئة، كالحرب مثلاً، هل يمكن فصل العملية التعليمية أو المناهج عن باقي مناحي الحياة أو عن مشاكل المجتمع وحاجاته؟ هل يمكن فصل العملية التعليمية عن الصدمات النفسية التي يعانيها الأطفال، أو عن الأرقام المقلقة حول نسبة الأطفال المتسربين من المدارس [1]، أو حتى مناهج تعليمية أخرى أو مُعدّلة [2] تمّ فرضها في مناطق خارج السيطرة الحكومية؟ هل يوجد إرادة حقيقية للتغيير؟ وكيف ستتم؟ وهل تعتبر المقارنات مع تجارب دول أخرى مشروعة وممكنة؟ ما جدوى الجدل القائم في سورية اليوم حول المناهج في ظل واقع سياسي واجتماعي واقتصادي منهار؟ ألا يقتصر تغيير المناهج على الشكليات فقط دون المساس بالجوهر والمضامين، لاسيما مع كثرة الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها؟ وهل من الممكن إلغاء مادة التربية الدينية والوطنية من المناهج وخصوصاً في المراحل الأولى؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها هنا ولكن في ظل الواقع السوري الراهن ما هو المستحيل وما هو الممكن؟

هنا، نحاول رصد الجدل الذي دار حول المناهج الدراسية الجديدة وتداعياته وردود الأفعال في سورية والإعلام.

وسائل التواصل الاجتماعية والتخبطات الوزارية

الجدل الحاصل في سورية اليوم حول المناهج الجديدة والانتقادات التي وجهت إليها كانت بتأثير ما نشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي من صورٍ لبعض الدروس والفقرات الإشكالية والتي اتضح أن الكثير منها كان مزوراً أو غير موجود في المناهج المفترضة. وبدلاً من قراءة المناهج  الجديدة (52  كتاباً)، والتي لم تشمل جميع المناهج التعليمية، ونقدها على أساس علمي ومنهجي والتركيز على صحة المعلومات وقيمتها [3]، تحوّلت المنشورات على  موقع “فايسبوك” إلى مقالاتٍ وأداةٍ صراعٍ جديدة حول جزئياتٍ عكست الاستقطابات الايديولوجية التي باتت متوقعة مسبقاً بين السوريين. فمثلاً اعترض مؤيدون للنظام للسوري على نشر قصيدة للشاعر ياسر الأطرش فتمّ إلغاء القصيدة واستبدالها بقصيدة أخرى بناءً على قرار وزاريٍ. يبدو الأمر للوهلة الأولى خبراً عادياً، لكن سبب الإلغاء يطرح علامات استفهام حول بديهيات كتعريف من هو السوري المنشود إعادة بنائه، فالقصيدة لم تُلغ بسبب عدم ملاءمتها لسنّ الأطفال أو نتيجةً لأخطاءٍ مطبعية بل بسبب ضغط شعبي من قبل مؤيدين للنظام السوري ممن رفضوا تدريس قصيدة لشاعر محسوب على المعارضة! الوزارة لم تبرّر سبب إلغاء القصيدة في القرار ولم تُشر حتى إلى اسم الشاعر أو إلى عنوان القصيدة وانما اكتفت بالإشارة إلى ورودها في الصفحة رقم (6) من كتاب التربية الموسيقية في الصف الأول، لكن القرار نفسه أورد القصيدة البديلة “وطني” بالكامل مع اسم الشاعر سائر علي إبراهيم. (الصورة رقم 1) [4].

الصورة رقم 1 : قرار وزاري ينص على إلغاء قصيدة لشاعر معارض

كما أصدرت الوزارة قراراً آخر قضى بإعادة لواء إسكندرون والجولان إلى خريطة سورية بعد اعتراضات على ورود خريطة في الصفحتين /169-204/ في كتاب مادة علم الأحياء والبيئة (كتاب الطالب والأنشطة والتدريبات) للصف الأول الثانوي لاتضمّ المنطقتين (الصورة رقم 2).

الصورة رقم 2 : قرار وزاري ينص على استبدال خريطة الجمهورية العربية السورية بالخارطة المرفقة بالقرار

في مقابلة مع التلفزيون الرسمي السوري أقرّ دارم طباع، مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية، بوجود أخطاء في بعض الكتب الجديدة ونوه بدور وسائل التواصل في تسليط الضوء عليها مبكراً، لكن أكدّ في الوقت نفسه أن الخرائط كلها صحيحة. وفي إجابةٍ غامضة، أوضح طباع أنّ الخريطة التي أثارت الرأي العام كانت “تمريناً للطلاب ]حيث[ وُضعت الحدود فقط بدون الجوانب الأخرى، فكانت هي مأخوذ منها جزء كأن لواء إسكندرون غير موجود فيها. أعيد ترتيبها، أي يعني عبارة عن خط، أما الخرائط الأخرى بنفس الكتاب فكلها كاملة وفيها لواء اسكندرون ولا يُمكن لأحد أن يُقيمها  [المقصود أن يُلغيها].” [5] وفي لقاءٍ آخر مع البرنامج الأسبوعي “من الآخر” الذي يعدّه ويُقدّمه الإعلامي جعفر أحمد ويُبث على الفضائية الرسمية السورية و”سوريانا اف ام”، استهل مُقدّم البرنامج حلقته بقراءة عريضة من عشرة بنود باسم “الشعب السوري” وتُطالب، ضمن ما تطالب به، بمحاكمة مطوّري المناهج قبل أن يسأل، بنبرة أقرب لأسلوب المحقق، عن “الكوارث” التي حدثت. ومن جملة الأسئلة يتطرق أحمد مباشرة للشاعر المعارض مشككاً “هل وجود قصائد لياسر الأطرش تعزيز للانتماء الوطني؟” فيجيب طبّاع:

“هذه للأسف لم ينتبه إليها أحد، وكلهم ظنوه من أسرة الأطرش الكريمة [ملمحاً إلى  عائلة سلطان باشا الاطرش قائد الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، من محافظة السويداء في حين أنّ الشاعر ياسر الأطرش من محافظة إدلب].”[6]

وبين  الاعتراضات التي أثيرت من مؤيدين ومعارضين على السواء بعض أغلفة الكتب المتداولة التي وُصفت بـ”المفزعة”[7]، فمثلاً كان هناك استهجان لوجود صورة على غلاف كتاب التاريخ لتمثال فسّره علمانيون بأنه مفزع وذو مضامين دينية واضحة من ذقنٍ طويلة وشاربين حليقين، في حين فسرّه إسلاميون متشددون بأنه “استعادة للوثنية” (صورة رقم 3)، وصورة لامرأة محجبة على غلاف كتاب اللغة العربية [8]، ليتضح الأمر بأنّ التمثال لحاكم مملكة ماري إيكو شاماغان (2453 قبل الميلاد)، وصورة المرأة هي لوحة للفنان السوري أدهم اسماعيل (صورة رقم 4 ).

[9] صورة رقم 3 : صورة أغلفة كتب التاريخ الجديدة، ويبدو الغلاف المثير للجدل في الوسط

 ووصلت تأويلات بعض المعارضين إلى حدّ اعتبار المناهج الجديدة استهدافاً لـ “الهوية العربية والإسلامية”. ففي لقاءٍ مع برنامج “هنا سوريا” الذي تبثه قناة “أورينت” المعارضة، وصف ضيف الحلقة مازن رشيد وهو مدرس لغة عربية مقيم في إسطنبول صور أغلفة المناهج الجديدة بأنها: “مشينة، وإنما هي إخفاء للحضارة العربية الإسلامية. إنما هي تواصل أو بالأحرى اتصال بالوثنية…هي رسالة واضحة للتخلص من المظلة العربية، هي رسالة واضحة للتخلص من المظلة الإسلامية، هي رسالة واضحة أيضاً للعمل لصالح الأجندة الشيعية والاشتراكية.“[10]

لكن من غير الواضح ما الذي لفت انتباه رشيد في هذه الأغلفة على أنه دليل واضح على تنفيذ أجندة “شيعية واشتراكية” وما الذي يجمع “الشيعية بالاشتراكية؟”

[11] صورة رقم 4 : صورة أغلفة كتب اللغة العربية وآدابها

تفاقمت ردود الأفعال حول الموضوع الى حدّ عقد جلسة مُساءلة لوزير التربية أمام مجلس الشعب (البرلمان) [12]، كما عُقدت حواراتٌ وندواتٌ تلفزيونية وإذاعية حول الموضوع عدا عن كمّ التعليقات والمقالات والعرائض والانتقادات التي انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي.

إنّ اعتبار التصريحات الرسمية بأنّ ما يجري من نقاشاتٍ وحواراتٍ أمر جيد ويُعزّز لغة الحوار هو أمرٌ مُستغرب تماماً. إذ من ناحية بُنيت العديد من المشاحنات على أسس مغلوطة أساساً كمشاركة صور لآيات تكفيرية من مناهج “داعش” أو مناهج من دول أخرى على أساس أنها صور من المناهج الجديدة، ومن ناحية أخرى يُعتبر إعداد مناهج التعليم من تخصص مؤسسات ولجان أكاديمية ومهنية تحتكر كافة الصلاحيات دون تدخل من أي جهة وأقصى ما يمكن الأخذ به هو مجموعة المقترحات التي يمكن أن تقدم من المُدرسين والموجهين.

أمّا محتوى المناهج وما تقدمه حتى وإن كانت بالغة الأهمية لا يمكن تقييمه إلا في سياق النظام التعليمي ككل، فالمدارس التي تُشبه الثكنات العسكرية إلى حدّ كبير والغرف الصفية المزدحمة التي قد تصل الى 50 طالباً، وخاصة بعد تهدم معظم المدراس جرّاء القصف والاشتباكات وحركات النزوح الداخلية، وقلة الوسائل التعليمية واستخدام طرق وأساليب تدريس غير ملائمة وقديمة تعتمد على التلقين المباشر والتحفيظ الحرفي، عدا عن واقع الطلاب والمدرسين النفسي والاقتصادي والرواتب القليلة، كل ذلك له انعكاساته المباشرة على نتائج التعليم. وبالتالي فإنّ أي محاولة جدية للنهوض بالتعليم والتربية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كل تلك الأسباب والعوامل، بمعنى آخر يجب أن تطبق نظرية النُظم في التعليم باعتبار أنّ العملية التعليمية نظام متكامل له مُدخلات وعمليات ومخرجات وتقويم، وأنّ أي خلل في جزء من النظام سينعكس سلباً عليه ككل.

مناهج التعليم وصناعة الهوية

يُميز الفيلسوف الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير (1918-1990) بين “جهاز الدولة القمعي” و”أجهزة الدولة الإيديولوجية،” التي تضم مجموعة من الأجهزة منها جهاز الدولة الإيديولوجي التعليمي الممثل بالمدارس [13]. لذا تحتكر الدول عملية إعداد المناهج الدراسية لتكوين هوية أفرادها القومية واتجاهاتهم السياسية، حيث يتم وضع المناهج بحيث تتوافق مع سياسة الدولة، أو بالأحرى النخب الحاكمة، حول القضايا الخارجية والداخلية وضمن رؤية تهدف إلى إعادة إنتاج علاقات الإنتاج.

من هنا تأتي إلزامية التعليم كجزءٍ من أدوات الدولة التي تُعلن سيطرتها على حدودها المُعلنة وتحتكر صياغتها لتحديد المسموح به من حيث اللغة الأم والتاريخ والجغرافية وهوية الدولة والمجتمع القوميتين (والدينية كما في معظم مناهج العالم العربي). كما تلعب التربية ومناهج التعليم دوراً كبيراً في إعادة إنتاج الأدوار الجندرية وتكريس الثقافة المهيمنة [14].

خلال فترة حكم الرئيس السوري (الراحل) حافظ الأسد (1970-2000)، كان يتم التركيز في مواد التاريخ والجغرافية واللغة العربية على المجتمع ككل ضمن إطار رؤية مُوحدة تعتبر المجتمع السوري مجتمعاً عربياً أولاً وجزءاً لا يتجزأ من وطنٍ عربي تعرّض لتجزئة استعمارية ومؤامراتٍ مستمرة أطاحت بمعظم المشاريع الوحدوية. كان على السوريين آنذاك مواجهة تناقضاتٍ وجودية، لكن بصمتٍ أو في سهرات البيوت الخاصة، جراء حفظ دروسٍ تتعلق بممارسة الديمقراطية الشعبية وحكم الشعب وحكم القانون وحياتهم الفعلية وسط ثقافة الخوف اليومية من سطوة الأمن والفساد وقصص المعتقلين والمختفين قسرياً. واختزلت مشاكل المجتمع على ضرورة مواجهة التحديات الخارجية “الراهنة” والظروف “الاستثنائية” التي تعيشها الأمة. كما مثّل فرض اللباس العسكري الموّحد والمنظمات المؤدلِجة كطلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة كإطارٍ أوحد لتنظيم نشاطات الطلاب حتى على مستوى الفن والشعر والموسيقا، بالإضافة إلى معسكرات الصاعقة والمعسكرات الإنتاجية خلال المرحلة الثانوية وفرض معسكرات التدريب الجامعي على طلاب الجامعة (الذكور) جزءاً من عملية عسكرة المجتمع ككل وفرض هيمنة الدولة الشمولية على مستوى المؤسسات والأفراد على حساب تطور الطفل والمراهق نفسياً وفكرياُ، وقد شملت هذه السياسة “التربوية” أجيالاً بكاملها. كما مثّلت مادة التربية القومية الإشتراكية (الصورة رقم 5) الدليل الإيديولوجي المؤطّر لأي رؤية سياسية منشودة من قبل دولة الحزب الواحد، على الأقل على المستوى النظري والرسمي، أما على مستوى الممارسة الفعلية فلم تكن بالنسبة لمعظم الطلاب أكثر من مادة للنجاح أو مجرّد كتاب حزبي. ورغم التوجه العلماني الشكلي، بحكم سيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم المطلقة على كافة قطاعات ومؤسسات الدولة، بقي تدريس التربية الدينية الإسلامية والمسيحية جزءاً أساسياً مفروضاً، وليس اختيارياً، على الطلاب.

الصورة رقم 5 : صفحة من فهرس كتاب “التربية القومية الاشتراكية” للصف الثالث الثانوي العام والفني والمهني والشرعي. من إصدارات المؤسسة العامة للمطبوعات والكتب المدرسية للعام الدراسي 1996-1997 أرشيف خاص

كان الهدف من المناهج التي سادت خلال تلك المرحلة إعادة تشكيل مجتمعٍ من لونٍ واحد وتأطيره بمفاهيم موحدة تتماشى مع الإيديولوجيا السياسية المهيمنة وطبيعة نظام الحكم الموجود بغض النظر عن التعقيدات الطبقية والمجتمعية التي تتفاوت من محافظة إلى أخرى بما فيه التنوع الاثني والطائفي. وتعتبر القضية الكردية أحد أهم الأمثلة على ذلك. إذ رغم وجود إرثٍ ثقافي ولغوي مختلف فإن المناهج الموضوعة لم تراع ذلك فكانت اللغة العربية هي لغة التعليم ومُنعت اللغة الكردية من المدارس بشكل كامل مما عرّضهم لتهميشٍ وتغريبٍ مضاعف. فمن ناحية، كان العديد منهم أبناءً أو أقارب أو جيراناً للأكراد المجرّدين من جنسيتهم بسبب إحصاء عام 1962، الذي تمّ في عهد حكومة الانفصال، ومن ناحية ثانية، فُرض عليهم تبني هوية ولغة واحدة بدلاً من الاعتراف بهويتهم كجزءٍ أساسي من الهوية السورية. ولكن مع تبدّل الأوضاع السياسية اليوم نرى أن أول ما فعلته الإدارة الذاتية الكردية [15] هو فرض مناهج تعليم خاصة على الصفوف الثلاثة الأولى الابتدائية (خلال العام الدراسي 2015-2016) تعتمد اللغة الكردية لأول مرة في سورية، وتم تبرير هذه  الخطوة بأنها ضرورية وأساسية لـ “استعادة الهوية الكردية.” [16] وقد شهدت هذه الخطوة اعتراضاتٍ ورفضاً من قبل بعض الأهالي مما أدى إلى إغلاق بعض المدارس كما في حي غويران في الحسكة [17]. كما أدت التجاذبات والخلافات المستمرة بين مديرية التربية، بوصفها مؤسسة حكومية رسمية، وهيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية [18] إلى تأرجح مستقبل طلاب تلك المناطق بين كفة التوافق السياسية بين كافة الأطراف من ناحية، وبين خطر عدم الاعتراف بشهاداتهم في حال انهياره مما يُهدّد الآفاق المستقبلية للطلاب الراغبين باستكمال دراساتهم الجامعية على المدى البعيد. لذا مازالت مناهج التعليم التي تُقرّها وزارة التربية معتمدة إلى حدٍّ كبير، مع بعض التعديلات، حتى في المناطق خارج السيطرة الحكومية. فمثلاً قامت “هيئة الشام الإسلامية” التي تأسست في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 باعتماد المنهاج السوري الرسمي وإعادة طباعته، بعد حذف مادة التربية القومية الاشتراكية، التي بات اسمها “التربية الوطنية،” وكل ما يتعلق بحزب البعث الحاكم في سورية وعائلة الأسد، وقامت بتوزيعه على بعض المخيمات في الداخل وحلب (قبل أن تفقد المعارضة سيطرتها على المدينة) وبعض المدارس في المدن التركية  [19].

يُضاف إلى جميع التحديات السابقة هوية الأفراد، كسوريين، في فترة ما بعد الحرب حيث يعيشون ويعشن خضمّ مرحلةٍ من الهويات المتصارعة في مرحلة تعتبر أساسية لتكوين شخصيتهم/ن وتوجهاتهم/ن وأفكارهم/ ن.

المناهج الجديدة: صعوبات الحياة والبحث

في زيارة قمتُ [20] بها لإحدى المدارس في مدينة السويداء في 28 أيلول (سبتمبر) 2017، توجهتُ للإدارة لأسأل عن إمكانية اطلاعي على بعض المقررات القديمة في أرشيف المدرسة لتصويرها بغية إجراء مقارناتٍ مع زميلي في البحث، لكنّ المديرة أخبرتني بوجود تعليمات تقتضي بإتلاف الكتب كل خمس سنوات  لكنها اقترحت عليّ بأن أسأل عامل النظافة في المدرسة لأنه يجمع الكتب المعدة للإتلاف ليستخدمها للتدفئة. وعندما سألت أقاربي وأصدقائي عن كتبهم المدرسية (قبل عام 2000) تراوحت إجاباتهم بين تصريف هذه الكتب قبل سنواتٍ طويلة، أو منحها لآخرين عندما كانت معتمدة من قبل الوزارة، أو أنهم استخدموها مع دفاترهم القديمة للتدفئة خلال الشتاء القاسي الذي شهدته المنطقة في السنوات الماضية [21]. وعندما سألتها عن رأيها في المناهج الجديدة أجابت:” بصراحة لم أجد اختلافاً كبيراً بين المناهج القديمة والجديدة باستثناء كتاب الموسيقا للصف الأول الذي كنا نحلم بوجوده في أيامنا وبعض الأساليب الجديدة في تدريس المواد.”

وقد طلبت مني المديرة أن أتوجه بسؤالي للمعلمات في المدرسة. ذهبت إلى غرفة الإدارة حيث وجدت معلمتين تتبادلان أحاديث جانبية، وبعد أن بادرتهنّ بالتحية توجهت بالسؤال لإحداهنّ فعدّلت من جلستها ومن نبرة صوتها وأجابت بعباراتٍ جاهزةٍ كما لو أنها كانت تخاطب موجهاً موفداً من التربية: “المناهج جيدة وغنية، وقد قمنا باتباع دورةٍ لاستخدام أساليب التدريس الجديدة كالتعلم باللعب والنشاط والتعلم الذاتي وإثراء ذكاء ومعارف الطفل ومهاراته.”

وعندما طلبت منها أن توضح لي الأمر بالأمثلة وحول الآلية التي سيتم أو تتم عبرها تطبيق هذه الأساليب في المدرسة، حاولت التهرّب من الإجابة عبر سرد مشاكل التدريس وضعف الإمكانيات المتاحة. حاولت استقصاء آراء مدرسين آخرين وكانت إجاباتهم/ن متفاوتة بين التعاطي الجدي والنقدي وبين الاكتراث وفقدان الأمل في أي مستقبل مع تردي الأوضاع الاقتصادية وحالة الحرب والتمزق الاجتماعي. فبحسب تامر (اسم مستعار، 34 عاماً، مدرس مادة التاريخ لمرحلة التعليم الأساسي) المشكلة ليست بالمناهج ولا بالمدرسين وإنما في “جيل الطلاب الذي لا يريد أن يتعلم ولا يعرف قيمة العلم” معقباً بنبرة متحسرة “في أيامنا كنا نحلم بربع المتوفر لدى هؤلاء الطلاب، ورغم ذلك كنا ندرس وننجح رغم كل الصعوبات. حالياً يوجد مشاكل كثيرة ضمن الأسرة وبين الأهالي مما ينعكس مباشرةً على المدرسة، ماذا بوسع المدرس أن يُصلح لُيصلح؟”

الأمر الذي أثار دهشتي هو عدم إشارة تامر الى ظروف الحرب، فرغم كل الصعوبات التي عايشناها لا يُمكن مقارنتها بالأوضاع الكارثية الحالية.

كما التقيت بربيع (اسم مستعار، 45 عاماً، موظف، سائق في مديرية الزراعة) وسألته عن المناهج الجديدة باعتبار أن أولاده مازالوا طلاباً في المدارس الحكومية، فأجابني بصراحة: “تباً لهذا البلد وللمدراس ولمن فيها، لولا إلزامية التعليم لكنت أخرجت أولادي منها وعلمتهم إتقان مصلحة حرفية يعيشون منها. يكفي أنهم يعرفون القراءة والكتابة، ما الذي سيجنونه من العِلم؟ في هذه البلاد العلم لايُطعم خبزاً، وحتى لو درسوا وتخرجوا من الجامعات ماهي فرص العمل المتوافرة؟ إما أنهم سيُعلّقون هذه الشهادات على الجدران ويجلسون دون عمل، أو سيعملون بأعمال البناء، وبأحسن الأحوال قد يعملون في وظيفة حكومية وبراتب شهري لايُعادل حالياً ما قد يجنيه أحدهم في يوم إذا أتقن مصلحة!”

في إجابة تتوافق مع هموم ربيع اليومية، استغرب حسن (اسم مستعار،31 عاماً، مدرس مادة اللغة عربية لمرحلة التعليم الأساسي) سؤالي قائلاً: “بصراحة لا يهمّني الموضوع، هل أنت جاد بسؤالك؟  سيبقى الوضع أعوجاً ولن يتصلّح مهما حاولنا. أنا أعطي الدروس المُكلّف بها وأعمل ما بوسعي، ولكن الأهم هو هذا الراتب في نهاية الشهر. وكما تعلم فأنا أعمل سائقاً لسيارة أجرة كل مساء لأؤمّن مصاريفي ورغم أنّ الراتب لايساوي هراءً إلا أنه يبقى مصدراً ثابتاً ومضموناً كل شهر.” أما منال (اسم مستعار، 31 عاماً، صحفية مستقلة) فقد استنكرت هدر الأموال العامة على تطوير المناهج على حساب الاستثمار فيما قد ينفع الناس الذين يرزحون تحت ضغوط اقتصادية بالغة الصعوبة.

الإشكاليات المثارة حول المناهج السورية القديمة منها والجديدة كثيرة، ولكن حسب رأي رامي (اسم مستعار، 36عاماً، معلم موسيقا لمرحلة التعليم الأساسي) هناك مفاصل حساسة ومهمة تتلخص بأمرين: الأول يتعلق بتعليم الدين في المدارس، والثاني يتعلق بتنمية القدرات الإبداعية والفنية والنقدية للطلاب. وشرح رامي ما يقصده بالتأكيد ضرورة الربط بين منطقية العملية التعليمية والمعلومات التي يكتسبها الطالب بما يحترم عقله وتفكيره بالدرجة الأولى “فكيف لطالب أن يخرج من درس العلوم مثلا وقد تعلم نظرية دارون عن أصل الأنواع والتطور وفي نفس الوقت تُعلمه دروس الدين نقيض ذلك وتقول له بأن آدم وحواء هم أصل البشرية. أو كيف له أن يدرس في الجغرافية والفيزياء حركة الكواكب وكروية الأرض ونشوء الكون وطبيعة المادة والعناصر، ليصطدم بمن ينفي كل ذلك. فالتناقضات العقلية والمعرفية وحتى النفسية عند الطفل ستكون كارثية.” ويضيف قائلاً: “لا يمكن أن نكون حالمين بإمكانية إلغاء الدين من المدارس أو علمنة المناهج ولكننا نستطيع أن نُعلّم قيماً أخلاقيةً تتضمنها الأديان بدلاً من التركيز على تعاليم الدين نفسه وبخاصة في المراحل الدراسية الأولى.”

ويذكر كاتبا هذه السطور خلال دراستهما الثانوية في السويداء، كيف أن أستاذ التربية الإسلامية كان يُدرّس مادة الرسم في الوقت نفسه ويمنع أي تصويراتٍ لكائناتٍ حية باعتبار أنها تضاهي ” خلق الله.” [22]

أما فيما يتعلق بتنمية الابداع والفن، استنكر رامي التقليل من أهمية دروس الرسم والموسيقا باعتبارها مواد ثانوية بالمقارنة مع المواد الأساسية وإهمال دورها الهام جداً في بناء وتوازن شخصية المُتعلّم وتشكيل وعيه. عدا عن ذلك “ماتزال الطرق المتبعة في التدريس بدائية لا تُنمّي مهارات التفكير الحر والحوار ولا تحفز على الإبداع.”

في المحصلة، يعكس الجدل الدائر حول المناهج التعليمية عدة نقاط لا يمكن عزلها عن سياق الصراع نفسه. أولاً، ينبغي في البداية الإقرار بأنّ أي تغيير طرأ أو يطرأ على مناهج التعليم يمسّ مباشرةً السوريين الذين مازالوا مقيمين في الداخل، سواء في مناطق السيطرة الحكومية أو في مناطق سيطرة المعارضة، وبدرجة أقل بكثير السوريين المقيمين في الخارج أو اللاجئين. لانقصد هنا إعادة إنتاج الفرز السائد، والإيديولوجي أساساً، بين “جماعة الداخل” و”جماعة الخارج”، وإنما الدفع نحو شيء من الانعكاسية في التقييم، فالملايين التي نزحت عن بلادها إما أنها قد سجلت أولادها في مدارس في مواطن اللجوء (خاصة في الدول الأوروبية وأمريكا) أو أنها تعاني انقطاعاً في سبل مواصلة التعليم (خاصة في المناطق العربية المجاورة). وبالتالي فإنّ تداعيات الجدل حول المناهج أكثر مصيرية على السوريين في الداخل، على الأقل على المدى القصير، وعلى الجميع على المدى المتوسط والبعيد.

ثانياً، مما لاشكّ فيه أنّ مناهج التعليم ليست فقط وسيلة تعليمية ولكنها أيضاً وسيلة سياسية وإيديولوجية بامتياز لذا تحتكرها الدول، أو تسعى لاحتكارها، وتفرض إلزاميتها لما لها من دورٍ جوهري في تكوين هويات متخيلة تنسجم مع رؤية وتطلعات النخب الحاكمة وتوجهات الدولة. [23] الأمر الذي يطرح تساؤلاً حول فعالية المناهج وأهدافها المنشودة على المدى البعيد في ضوء الحرب المستمرة ووسط نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان. خلال الحرب الحالية ازدادت نسب التسرب المدرسي وخضع الأطفال في مناطق مختلفة، من ضمنها مخيمات اللجوء، إلى مناهج متعددة أو معدّلة أو مناقضة لما يحياه الطفل. فالتناقضات التي تزرعها هذه المناهج في أجيال الحرب تتفاقم مع التجربة الحياتية للأطفال أنفسهم، فلا يكاد يخلو بيت لم يفقد ضحية على يد أحد أطراف الحرب، ولا يقل الأثر النفسي لهذا الفقدان ولوم “الآخر” عن أثر العملية التعليمية نفسها. أخيراً، كما أشارت بعض آراء المدرّسين، لا يمكن اعتبار تطوير المناهج عملاً جذرياً مالم يتم توجيه النقد لجذور العملية التعليمية والتربوية، وإلا فإنه لن يقود إلا إلى حلقة مفرغة مفضياً إلى النتائج نفسها مهما كانت المناهج الجديدة غنيةٍ بالمعلومات والأساليب الجديدة.

هوامش:

1 من بين كل ثلاثة أطفال سوريين يوجد طفل غير ملتحق بالمدارس، وحوالي 1.4 مليون آخرين مهددين بالانقطاع عن الدراسة. يُضاف إلى ذلك تعرض مدرسة من بين كل أربع مدارس لأضرار، أو دمار، أو احتلال، أو إغلاق، أو إعادة الاستخدام كمأوى، أنظر:

UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). 2017 Humanitarian Needs Overview: Syrian Arab Republic. December. 2016. p.11.

2 مازال المنهاج السوري الرسمي معتمداً في معظم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة مع بعض التعديلات في بعض المناطق تناولت حذف الإشارات لإنجازات حزب البعث ومنجزات الأسدين.  للمزيد يمكن الاطلاع على: درويش، صبر: العملية التعليمية في مناطق سيطرة المعارضة المعتدلة. سوريا حكاية ما انحكت. 21 حزيران، 2015.

3 كان المؤرخ السوري سامي مبيض قد انتقد سابقاً كتاب “تاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر” المقرر في منهاج البكالوريا الأدبي والصادر خلال العام الدراسي 2014-2015 لما احتواه الكتاب من أخطاء تاريخية فادحة عدّد منها اثنتين وعشرين نقطة. انظر مبيض، سامي: تزوير كتب التاريخ المدرسية نتيجة خطأ أم جهل؟! … المؤرخون والمفكرون والسياسيون السوريون يغيبون عن المشهد التعليمي! صحيفة الوطن. 2  شباط، 2017.

كما حلّل الصحفي السوري سابقاً كتب مرحلة التعليم الأساسي (الصف الأول وحتى الصف التاسع) للعام الدراسي 2014-2015، انظر: درويش، صبر: العملية التعليمية في سوريا بين الحاضر وبين المستقبل المأمول. سوريا حكاية ما انحكت. 19 أيار، 2015.

4 وزارة التربية، الجمهورية العربية السورية: تشكيل لجنة خاصة لدراسة الملاحظات والمقترحات الواردة إلى الوزارة حول المناهج المطورة، 16 أيلول، 2017.

5 برنامج صباحنا غير: د. دارم طباع مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية. قناة Saba7na Gheer على اليوتيوب .18 أيلول، 2017. الدقيقة 2:10-2:30.

6برنامج من الآخر: آزمة المناهج هل خطأ في الاختيار أم خلل في التفكير. الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون- سورية. 18  أيلول، 2017.  1:06:50-1:07:25

7 فاضل، عهد: ليس فيلم رعب.. بل أغلفة كتب تلاميذ سوريا!. العربية. 9 أيلول، 2017.  

8 عنجريني، صهيب: «داعش» والمناهج الجديدة: السوريون «يقصفون» عشوائيّاً. الأخبار. العدد 3274 الخميس 14 أيلول، 2017.

9 المصدر: الموقع الرسمي للمركز الوطني لتطوير المناهج التربوية.

10 برنامج هنا سوريا: “تثير الرعب” الصور الكاملة لمنهاج النظام الجديد!. أورينت نت. 11 أيلول، 2017.  الدقيقة 3:42-4:17.

11 المصدر السابق: الموقع الرسمي للمركز الوطني لتطوير المناهج التربوية

12 ديب، يسرى: «ضجّة» المناهج بين أسئلة مجلس الشعب وأجوبة وزير التربية. جريدة تشرين. 21 أيلول، 2017.

13 Althusser, Louis. On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State Apparatuses, trans. and ed. G.M. Goshgarian (Verso, 2014).

14الجباعي، جاد الكريم: نحو مدخل اجتماعي للتربية والتعليم. جيرون. 12 آب، 2012.

15 خليل، إبراهيم: مناهج التعليم الكردية في الإدارة الذاتية. مدارات كُرد. 8 كانون الأول، 2015.

16 عثمان، أحمد: افتتاح المدارس في مدينة قامشلو مع المنهاج الكردي الجديد. نبض الشمال. 28 أيلول، 2015.

17 الأحمد، سامر: الحسكة: مناهج تربوية مسيسة تهدد مستقبل جيل بأكمله. المدن. 23 نيسان، 2017.

18 ملا رشيد، بدر: الواقع التعليمي في مناطق “الإدارة الذاتية”. مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. 15 تشرين الثاني، 2016.

19توزيع عشرة ملايين كتاب مدرسي في المناطق المحررة. عنب بلدي. العدد 217. 17 نيسان، 2017.

20 المقصود هنا الكاتب معتز الحناوي المقيم في السويداء (سوريا)، في حين يقيم الكاتب باسيليوس زينو في الولايات المتحدة.

21 الحناوي، معتز: سنديان السويداء ولعنة الحرب السورية. جدلية. 23  حزيران، 2017.

22 خلال أحد الدروس طلب الأستاذ نفسه أن نرسم رسماً حُراً أو أن ندرس لصفٍ آخر، فقمت برسم شخوصٍ كاريكاتورية بشرية على دفتر الرسم وعندما شاهدها خلال جولته بين الصفوف قام بتشطيب رسمي مما أثار دهشتي وغضبي. وعندما سألته عن السبب قال إنّ رسم الكائنات الحية حرام وأنّ المُصوّر يرتكب إثماً بمحاكاة الخالق في خلقه. كان تفسيره غريباً عليً ولم أستطع كبت ضحكةٍ لا إرادية مما استدعى طردي من الحصة (باسيليوس زينو، جرت الحادثة سنة 1998)

23 لانقصد القول هنا أن ميدان التعليم يقتصر على ما تفرضه الدولة ضمن مدراسها. ففي العديد من دول أمريكا اللاتينية، كالبرازيل، تمكن العديد من مجتمعات السكان الأصليين والمحرومين من الأراضي (التي سيطرت عليها الدولة بالقوة) من فرض نظام تعليمي تحرري يؤكد هويتها الثقافية في مواجهة فرض القيم النيوليبرالية على مجتمعاتهم، مؤكدين على أهمية التعليم “في الحراك” كجزءٍ أساسي من حركات اجتماعية مستمرة. للمزيد انظر:

Zibechi, Raúl. 2012. Territories of Resistance: A Cartography of Latin American Social Movements. Oakland, CA: AK Press. pp. 21-33.

معتز الحناوي وباسيليوس زينو