تحلقنا حول الراديو بتركيز كامل، قطعه ضحك جدي أحمد سعيد “أبو حسن” الصاخب، الذي استمر بالقهقهة  حتى طفرت دمعة فرح من عينه، وهو يستمع للبيانات العسكرية من صوت العرب من القاهرة ومن إذاعة دمشق، في الخامس من حزيران/ يونيو.

كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها دمعة فرح، والمرة الأولى التي أرى فيها عين جدي تدمع. علا ضجيجنا فصرخ جدي بنا أن نصمت، ليستمتع بإنجازات صواريخ “القاهر” و”الناصر” و”الظافر”، التي سيدك بها جمال عبد الناصر قلب تل أبيب، وإنجازات السوريين الأبطال الذين سيهاجمون إسرائيل من الشمال. اعتقد جدي أن الملك حسين دخل الحرب مرغماً، وكان يتقبل أية نكتة تمس الملك الراحل. وكما الملايين استبشر جدي خيراً بالخطابات وكان يقول وهو يسمعها “كل العرب اليوم دخلوا المعركة بقيادة البطل عبد الناصر”.، الملايين أيضاً طربوا بخطابات عبد الناصر، وتابعوا تعليقات المذيع المصري أحمد السعيد مبتسمين و الاطمئنان يسكنهم بأن تحرير فلسطين وعودة أهلها إليها لا تتعدى أن تكون مسألة أيام أو أسابيع. وتباهى جدي أحياناً بأن اسمه قريب للغاية من اسم المذيع المصري الذي ألهب حماس العرب.

في اليوم التالي، ولأول مرة في حياته لازم جدي البيت ليبقى قرب الراديو، فقد اعتاد ألا يتغيّب عن عمله حتى بسبب المرض (علماً أنه لم يكن يعتبر بعض الأمراض مثل الأنفلونزا أو التهاب الكولون مرضاً أساساً).

قرب الراديو الخشبي الكبير جلس جدي يستمع للبيانات العسكرية التي لم تنقطع، فتارة تعلن أن القوات المسلحة المصرية والسورية والأردنية ألحقت خسائر فادحة في أرواح ومعدات جيش العدو، وأخرى تعلن أن القوات العربية أضحت تتوغل في قلب إسرائيل.

وبين زخم البيانات أطل المطربون الكبار والصغار من المذياع المتربع فوق الطاولة، يهللون لانتصارات جيوشنا البطلة ،مؤكدين أن صوت المعركة هو الأعلى. حفظنا -نحن الأطفال- حينئذ عن ظهر قلب بعض الأغاني، حتى أن كلمات ولحن بعضها مازال يتردد في رأسي حتى الآن كأغنية: “ميراج طيارك هرب … مهزوم من نسر العرب … والميغ حلّق واعتلى .. في الجو يتحدى القدر”، كنت أتخيل عندها أن طائرة الميغ  تشبه عنترة بن شداد، الذي حوله خيالي الطفولي إلى بطل سماوي وأن الميراج الاسرائيلي يفر من أمامه طالباً النجاة، ففي السماء كما على الأرض هم جبناء يفرون.

***

في المساء الخامس من مساءات الحرب، توهجت باحة السماء الغربية أمام بيوت قريتنا الصغيرة ” كفرية”؛ والتي تقع في الشمال الشرقي لمدينة اللاذقية، وتبعد نحو 500 كم عن الحدود مع إسرائيل. لم نكن نعرف ماذا يحدث، أسرع أبي إلى بندقية عمي وقرر أن يبدأ الحرب مع الأعداء القادمين من الغرب، تمسكت بقدميه وطلبت منه أن يعطي البندقية لعمي أو لأي أحد ليبقى معنا، سخر مني الجميع وقتها واتهموني بالجبن، فطلبت أن يعطوني البندقية، لتتحول اتهاماتهم لضحكات أبكتني.

بدت الأنوار التي أضاءت السماء وكأنها انطلقت من تل لا يبعد أكثر من ألفي متر، اقترح جارنا أبو صديق أن تتجه النساء والأطفال إلى الكهف المتاخم للنهر القريب، كما هجر أحد الجيران بيته وقصد مع أسرته كهفاً من الكهوف الجبلية القريبة. وفي ذلك العام كان نصر، ابن مختار قريتنا، يخدم في سلاح البحرية، وبدأ أبوه يندب ابنه والبلاد معاً مستغرباً وصول الاسرائيليين إلى مشارف قريتنا، أما أبو صلاح -رحمه الله- فقال إن أشلاء ابنه أصبحت في السماء.  فيما شرح لنا يونس عباس أن هذه الأضواء ليست إلا قنابل مضيئة تطلقها قواتنا لتكشف طائرات العدو لمدفعياتنا، وهذا ما أكده المذياع ليطمئننا الناطق العسكري بعد ذلك بأن الطائرات الإسرائيلية الجبانة أغارت على مدينة اللاذقية، إلا أن دفاعاتنا الأرضية تصدت لها وأجبرتها على الفرار، وهذا يعني أن الإسرائيليين ليسوا على مشارف قريتنا، كذلك أكدت دار الإذاعة الإسرائيلية أن طائراتها قصفت خزانات الوقود في مدينة اللاذقية وعادت إلى قواعدها سالمة.

لم يصدق جدي في الأيام الأولى حرفاً واحداً مما تقوله إذاعة لندن، كما رفض تصديق بيانات الهزيمة المجمّلة التي بثتها إذاعة صوت العرب من القاهرة، ومعها إذاعة دمشق، إلا أنه لم يتمكّن من إنكارها أخيراً، وعندما صدق، شاهدت دموع حزنه للمرة الأولى في حياتي، ولم يعلق على أخبار الهزيمة إلا بكلمة واحدة: “انكسرنا!”، صمتنا جميعاً ونحن نعاين موت الآمال الكبيرة في جنازة مهيبة، لم يكسر جدي المذياع كما فعل آخرون، بيد أنه لم يعد مولعاً به.

وبعد فقدان جدي لولعه بالمذياع البني، صار بإمكاني -أنا ابن الثامنة- أن أحركه وأستمع إلى ما أشاء، وفي تلك الأيام سمعت كلمة “مؤامرة” لأول مرة، فسألت عنها الشيخ بدر وعرّفها لي بأنها: “فعل شيطاني قطع الطريق على انتصارنا”، وعندما سأله خالي أبو عدنان عن سبب غياب الدعم الرحماني أجابه: “يمهل ولا يهمل”.

***

قرأت لاحقاً في مراهقتي، كالعديد من أبناء جيلي، الكثير عن حرب التحرير الشعبية، وعن الانتصار الفيتنامي على أمريكا نفسها، والذي بدا كنموذج يحتذى به ومثالاً على قدرة الشعوب، كذلك قرأت هوامش نزار قباني على دفتر النكسة، و(بيان 5 حزيران 1967) لأدونيس، وتمنيت أن أعرف ما هي الفقرة التي حذفها الرقيب من النص الذي كتبه حسين مروة في مجلة “الآداب” اللبنانية حول الهزيمة تحت عنوان: (طريقنا إلى تغيير الانسان العربي) .

استعرت من الأصدقاء مسرحية سعدالله ونوس (حفلة سمر من أجل 5 حزيران)، وكتاب صادق العظم (النقد الذاتي بعد الهزيمة)، وتابعت مع الآخرين مجريات الحديث عن النصر الذي سيصنعه الفدائيون، والكثير من الآراء والمقالات في الصحافة العربية، وسمعت الحكايات والإشاعات التي بثتها المخابرات وأصحاب الخيال  ويبدو فيها عبد الناصر مهزوماً على يد أصدقائه الذين طعنوه في الظهر.

وفي مراهقتي أيضاً، سمعت لأول مرة كلمة انتحار عندما قتل عبد الحكيم عامر نفسه، وعايشت الاختراع الإعلامي الفظيع: “فشلت إسرائيل في تحقيق هدفها، وهو إسقاط النظام العربي التقدمي” وعرفت لاحقاً أن لدينا خيالاً هائلاً، يحول الهزائم إلى انتصارات بجرة قلم، أو بفقرة إذاعية.

***

في سجن صيدنايا في الخامس من حزيران (لعله عام 1988أو 1989 إذ تختلط علي التواريخ أحياناً) انعقدت ندوة نقاش عابرة حول الهزيمة، دون أن يخطط لها أحد، ولا تزال بالنسبة لي من بين أهم الندوات التي تمكنت من الاطلاع على مجرياتها، حيث التقى فيها بعض المعتقلين الشيوعيين مع معتقلين من الإخوان المسلمين أثناء التنفس في الساحة بين الجناحين -المعروفين باسم جيم يسار وجيم يمين- في الطابق الثاني. قال أحد الشيوعيين “في مثل هذا اليوم بدأت الحرب التي انتهت بهزيمة جيشنا وجيش مصر وجيش الأردن والجيوش العربية الحليفة، الجيوش في بلداننا تعمل لحماية النظام لا لحماية حدود الوطن”. فرد عليه أخ مسلم: “نظامنا لا يخشى الله لا في أوطاننا ولا في أعراضنا ولا في أنفسنا”، و أذكر من مطلع الحوار:

  • تحرير فلسطين ليس شأناً إلهياً يا شيخنا!
  • كله بإرادته! ولكنكم تنكرون ذلك!
  • حاشا لله أن يريد بنا شراً ياشيخ .

 ضحك الأخ المسلم وقال ضاحكاً “حسناً أنك تؤمن بالله، وترى أنه لا يريد لنا إلا الخير، صدقني يا أخي لو أن حكام العرب يخشون الله لانتصروا!”

  • كان عثمان بن عفان يخشى الله، ولكنه قتل!
  • أستغفر الله! وهل يجوز أن تقارن عثمان رضي الله عنه بحكام اليوم!
  • ولم لا يجوز؟
  • هذا ثالث الخلفاء الراشدين يا رجل! بقي أن تقول أن النبي صلى الله عليه وسلم هزم في أحد كما هزم عبد الناصر.

امتد الحوار لساعات، وتناول ما أنجزته أوروبا في ميدان المواطنة والعقلانية والحداثة، وأعيد طرح سؤال شكيب أرسلان: “لماذا تخلف العرب وتقدم غيرهم”، كما أعيد طرح مفهوم الهوية وتعريف السلف الصالح العربي والعالمي، المسلم وغير المسلم. وتخلل الحوار امتداح أديسون، وعمرو بن عبد العزيز، والغفاري وجان جاك روسو، وغيلان الدمشقي، ونيلسون مانديلا.

تطرق معتقل شيوعي للخلفاء الراشدين واغتيال ثلاثة منهم وقيام حرب بين فريقين من المسلمين بل بين زوج النبي وابن عمه، شارك فيها المبشرون بالجنة وأقرب صحابة رسول الله اليه، فرد عليه إخواني بالإشارة إلى القمع الذي يكابده الناس في ظل الأنظمة الشيوعية التي تضطهد أبناءها وأبناء غيرها، وتم ذكر اقتحام المجر وقتل بحارة كرونشتاد على أيدي رفاقهم.

و بدى واضحاً في الندوة الارتجالية أن الطرفين متناقضين، وقد أكد كل من المتناقشين الأمر بمنتهى الهدوء، فعلق أحد الشيوعيين “يقول أتباع حافظ الأسد أننا وأنتم في خندق واحد، والحق هو أننا في زنزانة واحدة أو سجن واحد!”، فرد عليه الإسلامي “وضعونا في هذا الخندق البغيض، وجمعونا على نحو قسري”. فعلق أحد الحضور:”كما ترى، إنهم يجمعون ما لا يُجمع”، وانتهت الندوة بسؤال تبادله الطرفان:”لو استلمتم السلطة هل سيكون الجيش للدفاع عن البلاد في وجه الغزو الخارجي أولاً أو للدفاع عن سلطتكم أولاً؟”.

ولم أنس للآن المداخلة التي قدمها أحد المعتقلين بصوت خافت لم يغيره رغم مطالبة الجميع له مراراً برفعه وقال فيها: “وجودنا، وأمثالنا في السجون، ركن مهم لصناعة  الهزائم! بدأت صناعة الخامس من حزيران بإلغاء الأحزاب وحل البرلمان، نحتاج إلى قبة برلمان نتصارع تحتها صراعاً سلمياً، كهذا الذي نعيشه الآن، صراعاً ينوب عن الاغتيالات والاعتقالات والمجازر وتدمير الأحياء” وفي ذلك الوقت كانت المجازر التي ارتكبت قليلة إذا قارناها بما حدث بعد 2011، منها: مجزرة مدرسة المدفعية، ومجزرة حماه، ومجزرة الأزبكية، ومجزرة حي الشارقة في حلب، كما تحدث الرجل ذو الصوت المنخفض عن ضرورة تحديث معارفنا وعقولنا، وعن أهمية فصل الدين وغيره من العقائد عن الدولة، نحن سجناء هنا، ومصادرون ومهددون خارج السجون، إن أعملنا عقولنا بما لا يتماشى مع حكمة القائد، وبهذا “سيبقى الخامس من حزيران مقيماً، ما لم تتخلص عقولنا وأبداننا من كل هذه المصادرات والسجون”، وبنهاية مداخلته ذكر عنوان مسرحية قرأتها يوماً أن “السجناء لا يحاربون”.

وللآن، لا تزال هزيمة الخامس من حزيران تطرح السؤال القديم نفسه: لماذا وكيف تم ويتم تغييب طاقات الشعوب التي تستوطن البلدان العربية عن الفعل؟ وكيف بتنا نملك أمثلة أشد قباحة وإيلاماً عن القتل والقمع المباشر والعاري الذي يصنع المزيد من الهزائم؟.