تكاد لا تمرّ أزمة على رؤوس السوريين، إلا وتظهر أطراف خفية تقوم باستغلالها مادياً وتتمنى استدامتها إلى ما لا نهاية. آخر هذه الأزمات المتلاحقة هي المتاجرة بجوازات السفر مقابل دفع مبالغ مالية كبيرة، قد تصل إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية أي قرابة (1000) دولار حسب سعر السوق السوداء، والتربّح من نفاذ صبر المضطرين للسفر خارج البلاد. الغريب في الأمر هو وجود تفاوت كبير بين الأسعار بين وسيط وآخر، ففي الوقت الذي حددت فيه وزارة الداخلية رسوم منح وتجديد وثيقة السفر للمواطنين المتواجدين داخل الحدود السورية، والحصول عليها بشكل فوري على أن يتم استلامها في اليوم ذاته، مقابل مبلغ مالي قدره 100 ألف ليرة، غير أن إبراهيم (31 عاماً) دفع تسعة أضعاف هذا الرقم للحصول عليه. يقول الشاب لصالون سوريا :”دفعت مليون ليرة سورية خلال أربع ساعات مقابل تجديد جواز السفر وأنا مضطر للسفر ولا وقت لدي للانتظار في طابور طويل يمتد لأيام وأسابيع وربما شهور، ريثما يأتي دوري”. دفع الشاب المبلغ بأكمله مسبقاً لأحد الوسطاء الذين يعملون في تيسير الأمور في الهجرة والجوازات. قام أولاً بدفع الإيصال من أحد المصارف العقارية ليكمل الوسيط إتمام العملية كلها. يتابع الشاب: “كل ما فعلته هو انتظار الوسيط في السيارة، وصلنا إلى مقر الهجرة في الساعة التاسعة صباحاً لتنتهي الإجراءات عند الساعة الواحدة ظهراً، لا أستطيع انتظار دوري، فقد حصلت على فيزا عمل في دبي ولن أخسر فرصتي في السفر من أجل مليون ليرة، كما أن الموقع الإلكتروني للوزارة لا يستوعب الأعداد الهائلة التي تقوم بحجز أدوارها، فهو يستوعب حوالي مئتي اسم بينما المتقدمين يفوق عشرة آلاف شخص يومياً، ما يؤدي إلى تعطيل المنصة الالكترونية، إلى جانب رداءة الانترنت في البلاد وانقطاع التيار الكهربائي لساعات “. يتابع محمد: “هناك العديد من الناس الذين يستغلون حاجة الآخرين للسفر، ويتخذونها فرصة حقيقية لسرقتهم علناً (على عينك يا تاجر). والمؤلم في الأمر أنه لا يمكنك ردعهم لأنك بأمس الحاجة إلى الجواز المجدد وعدم تفويت فرصة السفر التي نادراً ما تأتي”.
أما جمال فباءت جميع محاولاته بالتسجيل عبر المنصة الإلكترونية بالفشل، يقول لصالون سوريا: “حاولت لمدة 15 يوماً دون طائل كما ذهبت إلى مقر الهجرة وانتظرت هناك أيضاً لأيام عديدة، لكن بلا فائدة، عليك الذهاب من مساء يوم الجمعة لتتمكن من حجز دور في اليوم التالي، الازدحام خانق ولا يسعك وضع قدم هناك”. لذلك اضطر الشاب للاستعانة بأحد الوسطاء ودفع مبلغ 400 ألف ليرة سورية للحصول على وثيقة سفر جديدة متضمّنة إذن سفر. يختم بالقول: “ما في طريقة تانية للأسف، بيستغلوا حاجتك”.
بينما تخشى كاتيا من حدوث عملية نصب، خاصة أن الوسيط رفض البدء بالمعاملة قبل دفع نصف المبلغ، تقول الشابة العشرينية:” تواصلت مع أحدهم لإصدار جواز سفر لابنة أخي، طلب مني دفع 400 ألف ليرة سورية، على أن أدفع النصف قبل التسليم، بينما المبلغ المتبقي بعد يومين”، تشعر الشابة بعد الارتياح إذ تخشى أن تتعرض لتزوير أوراق الجواز أو التصرف بالوثائق الشخصية. تضيف: “هناك تفاوت كبير في الأسعار، أحدهم طلب مني ضعفي المبلغ المذكور، أخاف أن تكون الاوراق المستخدمة للجواز مزيفة، أو أن يساء استخدام الصور والهوية الشخصية التي ستبقى معهم لغاية يوم التسليم.. سأبحث عن شخص موثوق، هذا أفضل”.
الاستيقاظ في الثالثة فجراً لحجز دور
اعتاد السوريون على ممارسة رياضة الانتظار منذ ساعات الصباح الأولى، بدءاً من حجز دور للظفر بربطة خبز، وصولاً إلى ورقة بيضاء مكتوب عليها رقم يخولك الحصول على جواز سفر، كحال أم ملهم التي استيقظت فجراً لتتوجه إلى مقر الهجرة والجوازات في دمشق وتفترش حافة الرصيف متلحفة ببطانية سميكة تحميها بالكاد من البرد القارس، وعند سؤالها منذ متى وهي تنتظر؟ تجيب السيدة لصالون سوريا: “منذ الثالثة فجراً، وها قد اقترب دوري حيث اقتربت الساعة من 11 صباحاً”. لا تستطيع المرأة الخمسينية تكبّد تكاليف الوسيط ودفع مبالغ كبيرة، لذلك لجأت للخيار الأكثر تعباً وإرهاقاً وهو الوقوف لساعات طويلة، تقول: “بدي سافر لعند ابني بأربيل، ومو قدرتي أدفع مليون ليرة للجواز، خلص بنطر، تعودنا”.
كذلك هو سليمان الذي تحوّل إلى أسير للانتظار، حيث بات مرابطاً على باب الهجرة والجوازات لمدة 12 ساعة، حاملاً معه عتاد القهوة لتبديد الساعات الثقيلة ومحاربة النعاس، يقول : “أمكث هنا منذ الساعة 12 ليلاً، فيما وصل دوري عند 12 ظهراً بعد ترقب مديد “.
تعرّض إسحاق لعملية نصب محبوكة من قبل أحد المكاتب في دمشق، فالشاب المقيم في أربيل اتفق مع أحد الوسطاء على تجديد جواز سفره الذي أوشكت صلاحيته على الانتهاء، ووفق الرسم القنصلي المحدد عند منح أو تجديد جواز أو وثيقة سفر بشكل فوري ومستعجل للمواطنين السوريين ومن في حكمهم المتواجدين خارج سوريا يكلف قرابة /800/ دولار أمريكي، لكن الشاب دفع 1100 دولار، يقول: “لا يوجد في أربيل سفارة سورية، بل فقط قنصلية، وفي أغلب الأحيان يكون القنصل غائباً، لذلك نسقت مع أحد المكاتب في دمشق على تجديد الجواز مقابل مبلغ 1100
أي أنني دفعت 300 دولار أتعاب المكتب”. يشير الشاب إلى صعوبة تأمين النقود فراتبه لا يتجاوز 700 دولاراً، يقول: “اضطررت لدفع المبلغ لأتمكن من تمديد إقامتي هنا، بالكادر أتدبر مصاريف معيشتي وإرسال بعض المال إلى أهلي الذين هم بأمس الحاجة “.
يضع رماح (اسم مستعار) تسعيرة ثابتة غير قابلة للمساومة والتفاوض لإصدار جواز سفر وتجديده، وهي 300 دولار ضمن نظام الدور كرسوم تقبضها الحكومة السورية، فيما يقضم 300 ألف ليرة سورية كعمولة له، وعند مناقشته بالمبلغ، يجيب بسرعة كبيرة: “هاد الموجود، روح دور عحدا غيري يعطيك بسعر أقل”، مبرراً الأمر بثقة “السرعة المنجزة، حيث التسليم خلال يومين”.
3000 استمارة أسبوعياً
تصدر الهجرة والجوازات قرابة 3000 استمارة أسبوعياً، إذ يتم توزيع الأدوار يوم السبت فقط، لينتظر كل مواطن دوره حسب اليوم المحدد له وفق التسلسل الرقمي المحدد، وذلك حسب مصدر في الهجرة والجوازات رفض الكشف عن اسمه.
وفي 16 تشرين الثاني عام 2020 ، كشفت وزارة الداخلية السورية عن إيرادات تجديد وإصدار جوازات السفر للمغتربين “تم استيفاء أكثر من 21.5 مليون دولار من جوازات السفر المُصدرة للمواطنين السوريين المغتربين”، لافتة إلى أن عددها وصل إلى أكثر من 67 ألف جواز على نظام الدور، و1769 جوازاً على نظام المستعجل، وذلك حسب جريدة الوطن المحلية .
ووفق الصحيفة بلغ عدد جوازات السفر المنجزة داخل سوريا أكثر من 143 ألف جواز سفر بصفة الدور، و75714 بصفة المستعجل، حيث وصلت المبالغ المستوفاة منها إلى أكثر من 3.3 مليار ليرة سورية.