أثارت الحرائق التي طالت مواسم القمح في الرقة والحسكة ودير الزور وإدلب وسلمية وأرياف حلب والحسكة وريف السويداء الغربي وريف حمص الشرقي، ردود فعل غاضبة ومستنكِرة، الرد الأكثر حضوراً كان الخوف، الخوف من الجوع ومن العجز عن تسديد الديون المقترضة وخاصة بفوائد عالية، والتي ستتحول إلى قروض متعثرة السداد.

 لن يملك المقترضون أية إمكانية أو دعم لسداد الديون أو لإعادة جدولتها بطريقة أقل سوءاً، ليس الديون النقدية فقط! بل وإجمالي تكلفة المواسم من بذار ومبيدات حشرية وأسمدة وثمن مياه السقاية وقيمة المحروقات وأجور الأيدي العاملة وكل التبعات المالية الناجمة عن توقف عجلتي الحياة الاقتصادية والاجتماعية في آن معاً.

يقول “الياس” بأن أراضيه الزراعية الواقعة على المنحدر الغربي للقرية قد صارت بالنهر! المقصود هنا أن كمية الأمطار الهاطلة وقوتها قد جرفت الأراضي باتجاه قعر الوادي حيث نهر القرية، المصيبة لم تقع على رأس “الياس” وحده بل على جميع أصحاب الأراضي الواقعة على المنحدرات، لدرجة ضاعت معها تضاريس المكان وبات الفلاحون مضطرين لتقديم كشف لإعادة تحديد وتحرير الأملاك الزراعية، أي ضبط حدود الأراضي ومساحاتها وتوثيق ذلك وتسجيله بمحاضر رسمية.

الحرائق والأمطار الغزيرة حصدت خيرات الفلاحين وأوقعتهم في عجز لا تعويض عنه ولا من سائل عن كيف سيتدبر المزارعون أحوالهم، أو من سيعينهم وكيف سيكون العون أو الدعم لقدرتهم على تحمّل مصائبهم، والأهم هو كم ستبلغ الخسارات الفعلية في دورة الحياة الاقتصادية؟

تأخرت الأعمال الزراعية كثيراً هذا العام حتى أوائل شهر أيار، وذلك بانتظار توقف المطر كي تتحقق الفائدة المرجوة منها مثل الدهن بالزيت الشتوي وكسح الأغصان ورش المبيدات الفطرية والحشرية.

يقول “نظام” بأن الطقس لهذا العام كان مربكاً وطال إرباكه لدرجة بات معها طقسا معيقا عن متابعة أساسيات الحياة اليومية والأعمال الزراعية، أمطار غزيرة لكن دون ثلج، والثلج ظاهرة طبيعية يعول عليها المزارعون للقضاء على دود الأشجار وعلى جرذان الحقول التي تأكل البذار قبل تخمرها أو تبرعمها في الأرض.

يتوقع أحد تجار التفاح في منطقة زراعية تعتمد في تصاريف حياتها على مواسم التفاح، يتوقع بأن يعرض عدد كبير من الفلاحين أراضيهم الزراعية للبيع، وكثرة العرض ستؤدي حكماً إلى هبوط في الأسعار، لابل سيجعلها ميتة كما يوضح نظام، ويعطي أمثلة كثيرة على أراض تساوي ثلاثة ملايين ليرة بيعت بمليون ليرة وذلك في لحظة احتياج قصوى وقاسية، ومنتهزو الفرص جاهزون وجيوبهم مليئة بالليرات التي تتناقص أمام حاجة الفلاحين وتتزايد في حسابات الناهبين الجدد حين تتحول إلى ملكيات واسعة اغتنمت على حساب الفلاحين وتحت إلحاح الحاجة.

غابت عن المساحات المحترقة كل عوامل الأمان والحماية، حتى وسائل إطفاء الحريق البدائية المطلوبة ومنابع المياه اللازمة أو الحضور الاحتياطي في مثل هذا الموسم لصهاريج المياه وآليات الإطفاء والنقل، وعزا البعض أسبابها لارتفاع درجات الحرارة الشديد والمفاجئ في وقت نضج فيه القمح وبات جاهزاً للحصاد، أو إلى سوء التعامل مع الأعشاب اليابسة ومخلفات الأراضي المهجورة ومقولة أن عقب سيجارة واحد كاف لإشعال حرائق على مساحة كبيرة وشاسعة ؟ وبعضهم قال: وبعد أن تبنت داعش علناً إحراق تلك المواسم، (بأن داعش تربط قطعة قماش مبللة بالنفط ومشتعلة بجسد جرذ حقل أو فأر وفي رحلة هربه من ضراوة اشتعالها على جسده يهرب ضمن المساحات الممتدة) ليتمدد الحريق وليشهد الناس احتراق أعمارهم مع احتراق أرزاقهم بأم أعينهم ولا سبيل لإطفائها إلا أجسادهم البائسة وطلب النجدة من الجميع لكن بعد فوات الأوان، وماذا عن الحرائق المشتعلة ليلاً! وماذا عن المناطق التي لا يوجد أي حضور فيها  لداعش! كلها أسئلة بلا معنى وبلا أجوبة مضمنة بالخوف وبأسئلة الخسارات الكبيرة التي لا تعويض عنها ولا راد لها كما بدا واضحا.

عالموسم سندفع أجار بيتنا المستأجر في حمص عن تسعة أشهر كاملة، حيث يدرس أبناؤنا الثلاثة في الجامعة، عالموسم سأذهب لطبيب الأسنان لتصليح أسناني وتركيب جسر للفك العلوي كي أتمكن من الأكل بصورة جيدة، ستخضع زوجتي لعملية جراحية لاستئصال كتلة من الثدي، سنرمم أرضية المطبخ، سأصلح محرك السيارة، سندهن البيت، سنشتري مدفأة جديدة بدلا من القديمة المهترئة، سنشتري مازوتاً للتدفئة، سأسدد الأقساط المتراكمة لأبي سعد الذي يحول الفوائد لمبلغ جديد تترتب عليه فوائد إضافية! أي يتحول الدين إلى دين مركب.

تمتلك “سعاد” أرضاً صغيرة مزروعة بالتفاح، تستدين كل عام مالاً للعناية بها، وفي نهاية الموسم تحسب ما دفعته وما جنته، خسارات قليلة والأهم أنها لم تهدي أحدا صندوقاً من التفاح ولم تأكل هي وعائلتها ما يشبعهم منه، هذا العام قررت ترك أرضها لليباس، على حين قام شقيقها بقلع بعض شجرات التفاح المعمرة وزرع بدلاً عنها خوخاً ودراقاً، البَرَد هذا العام قضى على أزهار المشمش والخوخ، والرياح العاتية كسرت ترابين الكرمة والمطر الحامضي ثقب الأوراق وباتت غير صالحة للبيع أو للأكل، دواء الرش غير فعال وكلفة النقل إلى أسواق المدينة مكلفة ومرتفعة جداً، وسعر التفاح في هبوط مستمر والدولار يأكل الأخضر واليابس ويرفع أسعار كل شيء إلا خيراتنا ونتاج مواسمنا، والضمّان يئن ويشتكي من قلة أرباحه والعمال الزراعيون في الكساح وقطف التفاح وتوضيبه في الصناديق يطلبون ما يحتاجونه للعيش وليس ما نقدر على دفعه وأسعار الصناديق البلاستيكية حلقت عالياً جداً.

المواسم المحروقة أعراس مؤجلة وديون متراكمة، ارتفعت أسعار القمح رسمياً لكن القمح احترق! ولا سعر له، لم يعد يساوي شيئاً. ومن لا يزرع  لا يكتوي بنار المواسم المحترقة لكنه يخاف ارتفاع ثمن الخبز، ويخاف من غياب الرغيف، والمزارع يخاف من التربة المحروقة التي تضررت وقد لا تنتج ما يغطي دورتها الزراعية المطلوبة منها، وأكياس الخيش تنام في المستودعات والمؤن ضئيلة وشحيحة، كيف يشتري مزارع القمح برغلاً من غير أرضه، كيف سيكون طعمه أو رائحته!

في القرية الوادعة حيث ابتلع النهر أراضي المنحدرات سيرصف الرجل الذي يُقرض الفلاحين بالفائدة هيكل صليب الكنيسة بالحجر الأسود وسيشكرونه كثيراً وسيكتسب صفة ابن القرية البار والمؤمن، ودفتر الديون في جيبه وفي عقله يسجل أرقاماً متتالية ومتصاعدة، وهناك حيث رائحة الحرائق وحيث يكتوي التراب من النار سينشدون أغاني الحصاد وتدور حلقات الدبكة لتحتفل بمواسم لم تحصد، لترسم حدود الخسارات في كل الاتجاهات، حيث لا أجوبة ولا ترقب ولا توقعات أو نتائج لمن يقرر السؤال، أسئلة الخسارات لا غير ودوامة من العبث والفراغ والفزع، ومزيد من الأراضي المعروضة للبيع  وبأسعار جائرة  وبعضها لسد الديون  فقط، والبعض الآخر وإن حالف أصحابها الحظ ستؤمن لهم ما كان مطلوباً من موسم واحد تأمينه! تخيل أن تخسر أرضك سداداً أو تعويضاً لغلال موسم واحد! إنه سؤال الخسارات وماذا بعد.