تتحرك تركيا داخل الساحة الليبية في خطوطٍ متوازية، فهي تقدم دعماً علنياً لكتائب مسلحة غير تركية، وتستقطب القيادات التي تقبل التعاون معها حتى لو كانت لا تحمل مواقف أيديولوجية واضحة ومؤيدة لها.

أفرزت التدخلات التركية في الأزمة الليبية العديد من الانعكاسات السلبية على مستوى العلاقات الداخلية والخارجية بعدما شهدت ليبيا حالة من الانقسامات السياسية منذ 2014 مما أسفر عن تعقد المشهد على الصعيد الدولي. كما كان لطلب حكومة الوفاق الليبية في 19 ديسمبر2019 من 5 دول هي “الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، والجزائر، وتركيا” تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني دورٌ في مفاقمة حدة الأزمة.

مكالمة تكشف مسؤول سوق الرقيق

تمكن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر من اختراق تسجيل صوتي لمكالمة هاتفية جرت مع أحد قادة الفصائل السورية الموالية لأنقرة الذي يخوض مع مسلحيه  في ليبيا معاركاً ضارية بأمرة ضباط أتراك لصالح حكومة الوفاق، ذات النفوذ الإخواني، والمدعومة تركياً وقطرياً .

بحسب التسجيل فإنّ (أبو خطاب الأدلبي)، كما عرف عن نفسه في مكالمة هاتفية مع قيادي عسكري تابع للقوات الخاضعة لحكومة الوفاق، طالب بإرسال فتياتٍ له ولمسلحيه لممارسة الجنس معهن. وكشف أبو خطاب عن إجمالي الرواتب الشهرية التي تستلمها كتيبته البالغ عدد أفرادها 25 مقاتلاً، وقد قدرها بـ 50ألف دولار، حيث خُصّص لكل مقاتلٍ منهم راتب شهري وقدره 2000 دولار.

عرضنا التسجيل الصوتي الذي تناقلته وسائل إعلام ليبية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي على ناجيةٍ إيزيدية كانت قد حُرّرت قبل حوالي السنتين من مدينة إدلب بعد أن انتقلت كسبيةٍ من أسواق النخاسة في مدينة الرقة مركز “دولة الخلافة” سابقاً لتُعرض للبيع داخل سجون هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) في مدينة إدلب. وتمكنت الشابة  الناجية من التعرف على صوت أبو خطاب وأسمته بالاسم بأنه كان أحد تجار الرقيق في إدلب وأنه كان وكغيره من قادة الهيئة على علاقة وطيدة مع بعض مسؤولي وأمراء تنظيم داعش.

صناديق الموت

تعبُر توابيت الموت الخشبية وبداخلها جثث عشرات المرتزقة من المقاتلين السوريين  الذين قضوا في المعارك في ليبيا بعد وصولها جواً من مطار طرابلس إلى مطار إستنبول ومنها إلى معبر حور كلس على الحدود السورية التركية  ليستلمها مسلحو الفصائل السورية ويدفنوها حسبما كشف لنا نشطاء من عفرين في أرياف مدينة عفرين وسط تكتم قادة الفصائل عن مكان مقتلهم.

وكشف رضوان خليل مدير شبكة نشطاء روجآفا المختصة بالشأن السوري عامة والكردي خاصة عن وصول دفعة جديدة من جثث المرتزقة السوريين يوم الجمعة إلى (حور كلس) مقر فرقة السلطان مراد الذي يقوده التركماني السوري فهيم عيسى شمال حلب على الحدود السورية التركية، قادمة من ليبيا. وأكد خليل، أن الدفعة الجيدة من القتلى تضم/21/ جثة من مرتزقة ألوية السمرقند وصقور الشمال وفرقة السلطان مراد و لواء السلطان سليمان شاه المعروف بالعمشات دخلت يوم العطلة إلى مناطق درع الفرات.

يقول شيخو، وهو ناشط من مدينة عفرين، إنّ الأعداد الكبيرة التي تصل دورياً من جثث المرتزقة السوريين يتخلص منها قادة الفصائل السورية وبالتنسيق مع الاستخبارات التركية بوضعها داخل شاحنات محروقات أو داخل مراكز عسكرية تابعة لهم وتفجيرها بمفخخات ومنها التفجير الكبير الذي استهدف سوقاً شعبياً وسط مدينة عفرين  في 28 أبريل/نيسان 2020. وقد تسبب تفجير صهريج مازوت مفخخ بمقتل وجرح عددٍ من المدنيين لكن أكثر الضحايا كانوا من العسكريين، واتهمت أنقرة وحلفاؤها من الفصائل، كهيئة أركان الجيش الوطني السوري، قوات سوريا الديمقراطية بالتفجير، لكن هذه الأخيرة نفت هذه الاتهامات ودعت المجتمع الدولي لفتح تحقيق عادل حول الانتهاكات التي يتعرض لها مدنيو عفرين.

كتائب من المرتزقة بقيادة ضباط أتراك

كشف الناطق باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري في مؤتمر صحفي في الرابع من شهر شباط / فبراير عن أسماء وصور قادة فصائل سوريين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا للقتال إلى جانب حكومة الوفاق ضد الجيش الوطني في طرابلس. وأشار المسماري إلى أنّ ضابطاً في الجيش التركي، يدعى أبو الفرقان، الملقب  بـ”سليماني تركيا” نسبة للجنرال الإيراني قاسم سليماني، ومعاونه عكيد غازي، يقود القوات التركية والمرتزقة الأجانب والسوريين في ليبيا، ولديه أعمال سابقة في قيادة التحركات التركية في سوريا.

كما يُشارك في العمليات العسكرية في ليبيا النقيب السوري المنشق مصطفى الشيوخ قائد “لواء الشمال”، بالإضافة إلى مسؤول تجنيد المقاتلين  الأجانب في ليبيا محمد حافظ التابع لفيلق المجد الخاضع لقيادة الرائد ياسر عبدالرحيم،  وهذا الأخير كان المسؤول عن أسر المقاتلة الكردية جيجيك كوباني خلال العملية العسكرية التركية المسماة بنبع السلام التي نفذتها تركيا ضد المقاتلين الأكراد في أكتوبر من العام الماضي حيث عاملها بطريقة مهينة وسط تهديدها بالذبح وإطلاق ألفاظ نابية بحقها.

كما تضم قائمة المشاركين مقاتلين من “قوات النخبة” في “الفيلق الأول” بقيادة العقيد المنشق معتز رسلان وقادة الفصائل التركمانية ومنهم فهيم عيسى قائد فرقة السلطان مراد، وهو مرافق شخصي للمدعو أبو الفرقان، ومحمد الجاسم الملقب “أبو عمشة” قائد فرقة السلطان سليمان شاه المتهم بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب بحق مدنيي عفرين. وبحسب المسماري فإن كلاً من القادة العشرة المشاركين قد تلقى مبلغاً قدره مليون دولار أمريكي من قبل حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، برئاسة، فائز السراج، لقتال الجيش الوطني الليبي، واتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإدارة “شبكة إرهابية دولية من خلال الشركة الأمنية التي أنشأها”.

8000 مقاتل في ليبيا

أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن مقتل  268 مقاتلاً بين عناصر قوات المرتزقة السوريين في ليبيا خلال العمليات العسكرية في العاصمة طرابلس. وأكد المرصد أن تركيا مازالت تنقل المرتزقة السوريين إلى ليبيا وأنّ عدد المرتزقة الذين وصلوا من سوريا إلى ليبيا بلغ 8 آلاف، وأن أكثر من 3 آلاف يتلقون التدريبات في المعسكرات التركية تحضيراً لنقلهم للقتال في ليبيا.

كما كشفت تقارير عن تجنيد أنقرة لأطفال سوريين للقتال بجانب مليشيات حكومة الوفاق في ليبيا حيثُ نُقل ما لايقل عن 2000 طفل دون سن الثامنة عشر للقتال ضمن مليشيات فرقة السلطان مراد في ليبيا، وجُند هؤلاء الأطفال من مناطق درع الفرات وغصن الزيتون وإدلب بعد اخبار ذويهم أنهم ذاهبون للعمل في تركيا، وبعد إتمام تدريبهم على استخدام مختلف أنواع الأسلحة ينقلون جواً الى ليبيا ليزج بهم في معارك الموت لصالح أنقرة .

وبحسب نشطاء من مدينة عفرين فقد قُتل أكثر من 20 طفلاً في ليبيا ودفنوا في جنديرس ومازالت هناك أعداد  أكبر من الجثث العالقة في ساحات القتال.

الاقتصاد ومشاريع التوسع

 منذ اندلاع الأزمة الليبية في 2011 كان الموقف التركي حاضراً بقوة.  ويُقدر حجم المصالح الاقتصادية التركية في ليبيا بنحو 15 مليار دولار، كما تشكل السوق الليبية مجالاً حيوياً للنشاطات التجارية التركية حيث توجد نحو 120 شركة تركية فاعلة. وكان للسياسة التركية الداعمة للتنظيمات المسلحة كميليشيات مدينة مصراتة، والقوات التي شاركت في تحالف فجر ليبيا في مواجهة عملية الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني الليبي في مايو 2014، بقيادة “خليفة حفتر” دورٌ كبير في توتر العلاقات مع شرق ليبيا؛ وأصدر حفتر آنذاك قرارًا بإيقاف التعامل مع الشركات التركية كافة في ليبيا؛ ردّاً على سياساتها الداعمة لتحالف فجر ليبيا.

وتحاول تركيا تعزيز مصالحها في مناطق نفوذها عبر الهيمنة على الفصائل العسكرية الموالية لها بحيث باتت تحركهم علناً وفق إرادتها من بلدٍ لآخر دون أن تتضح ملامح نهاية الصراع.