لم تكن غالبية السوريين من ذوي الطبقة الوسطى والفقيرة مهتمة بالقطع الأجنبي قبل عام ٢٠١١، إذ كان الاهتمام بالعملات الأجنبية وخاصة الدولار، مقتصراً على الطبقة الغنية من رجال الأعمال وكبار التجار، إضافة للمسؤولين من أصحاب النفوذ والاستثمارات الضخمة، لكن اندلاع الاحتجاجات في بلد لم يمض على انفتاحه الاقتصادي عشر سنوات، أحدث تغيراً في مسار تفكير السوريين تجاه النقد الأجنبي، وأصبح الدولار قاسماً مشتركاً وحّد مصير السوريين ممن تعددت مواقفهم تجاه الاحتجاجات والصراع.

عشية الاحتجاجات بتاريخ ١٥ آذار/مارس عام ٢٠١١ كان سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار يقارب الـ ٥٠، وهو الرقم الذي حافظت عليه الليرة منذ عام 1990 ولغاية عام 2010.

عشرون عاماً من ثبات سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، تلاشوا خلال عام واحد من بدء الاحتجاجات، حيث سجل تدهورها رقماً قياسياً فسعر صرف الدولار في آذار/مارس عام 2012 بلغ مايقارب الـ 100 ليرة سورية، وبهذا خسر السوريون نصف مدخراتهم و ثرواتهم بعام واحد، إثر  فقدان الليرة لنصف قيمتها فيه.

حكاية الدولار مع السوريين

هكذا بدأت حكاية السوريين وأصبح الدولار حديث الشارع، متحولاً لعامل أساسي من عوامل منغصات عيشهم والمتحكم بأسلوب حياتهم، ولم يعد مستغرباً أن يحسب صاحب بقالية صغيرة في قرية متطرفة سعر باقة البقدونس بحسب تصريف الدولار.

وبينما كانت تحولات الدولار نقمة على السوريين، انتعشت بفضل تقلباته جيوب التجار والمستثمرين ورجال الأعمال وأمراء الحرب، ففي عام ٢٠١٦ بلغ سعر صرف الدولار حوالى 600 ليرة، ليتفاوت السعر خلال الأعوام الفائتة بين 400 ليرة عام 2014 و550 ليرة عام 2017.

مع بداية عام 2018 بدأت مشاهد الصراع العسكري تنحسر في العديد من المناطق السورية، وبدأت الحكومة بإطلاق الوعود والشعارات الاقتصادية البراقة، معلنة بدء تعافي الاقتصاد السوري، لكن تلك الوعود والشعارات لم تلبث أن تبخرت، بسبب وجود حلقة معيبة بالاقتصاد السوري تتعلق بسعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية وتحديداً “الدولار”، والذي بين عجز الفريق الاقتصادي عن ضبط سعر الصرف الذي يعتبر بوصلة الحركة التجارية في الأسواق السورية، وذلك نتيجة ارتفاعه الأخير في السوق السورية إلى 500 ليرة مقابل الدولار بعد أن استقر سعره لمدة قاربت العام تقريبا عند سعر الـ435 ليرة.

وبحسب البنك السوري فقد بلغ سعر الدولار مقابل الليرة بتاريخ 26/11/2017، 494 لينخفض باليوم التالي إلى حدود 435 ليرة، ولتاريخ اليوم لم يغير البنك المركزي السوري نشرة أسعار الصرف، رغم وصول الدولار لأسعار قياسية عند حدود الـ500 ليرة، التبرير الرسمي كان أن استقرار السعر جاء نتيجة التعافي الاقتصادي، لكن كيف يحدث هذا بفترة قصيرة نسبياً في بلد أنهكته الحرب وأضحى بلا اقتصاد ودون موارد بشكل شبه كامل، ودون أن تشهد الأسواق السورية حركة تجارية وصناعية على مستوى واسع.

كذلك لم يسهم افتتاح معبر نصيب الحدودي بتحسين واقع سعر الصرف، بل على العكس زاد الطلب على الدولار الذي يقوم بتأمينه البنك المركزي عبر شركات التحويل المالية، وبهذا كشف الارتفاع الأخير لسعر صرف الدولار في السوق السورية أن الاستقرار الذي دام لمدة عام كان مصطنعاً وغير حقيقي، ومن أهم الأدلة التي تكشف زيف ذلك الاستقرار استمرار ارتفاع أسعار السلع الغذائية والأدوات الالكترونية والكهربائية، والتي تجاوزت أسعارها الحد الذي سجلته حين كان سعر صرف الدولار يعادل 600 ليرة عام 2016 فمثلاً، بلغ سعر كيلو غرام الشاي عام 2016 مايقارب 2300 ليرة في حين سجل سعره عام 2018 3300 ليرة.

التفسير الوحيد لذلك “الاستقرار” هو أن ما حصل كان مجرد عملية مضاربة، لعبت الحكومة الطرف الأساسي فيها، وذلك لدفع المواطنين لبيع مدخراتهم بالقطع الأجنبي واستبدالها بالعملة المحلية، إضافة لاستغلال هذا الانخفاض غير المنطقي في الخطاب السياسي، واعتباره منجزاً من منجزات الحرب في سوريا.  

ولم تكن تقلبات أسعار الصرف مسؤولية الصراع العسكري الذي تعيشه سوريا والعقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها فقط، وإنما تأثرت بشكل واضح بالحلول الارتجالية التي اتبعها مصرف سوريا المركزي خلال سنوات الأزمة، فمنذ اليوم الأول لانخفاض سعر الليرة السورية مقابل الدولار انتهج البنك المركزي سياسة نقدية تقليدية، من ضمنها إجبار شركات الصرافة على  تسليم الحوالات الواردة للمواطن السوري بالليرة السورية، كذلك اعتمد البنك المركزي سياسة التدخل، والتي تهدف لضخ كمية من القطع الأجنبي عبر شركات الصرافة.

وابتدع المركزي السوري نظاماً نقدياً فريداً من نوعه حيث بدأ بطرح عدة نشرات لأسعار صرف القطع الأجنبي وهي: نشرة أسعار خاصة بالحوالات، ونشرة خاصة لتمويل المستوردات، ونشرة خاصة بالمصارف، ونشرة خاصة بشركات الصرافة ونشرة لأسعار تذاكر الطيران، ونشرة أسعار تفضيلية، يضاف إليها نشرة البنك المركزي لأسعار الصرف المحلية.

هذه الآلية فتحت الأبواب على مصراعيها لتنشيط السوق غير النظامية، “السوق السوداء”، والتي كانت ومازالت أسعارها أقرب للسعر الحقيقي للدولار الذي وصفه جميع من أداروا سدة الحكم في البنك المركزي السوري بأنه “سعر وهمي وغير حقيقي” من  د.أديب ميالة و د.دريد ضرغام و د.حازم قرفول”، لكن ذلك الأمر لم ينطل على صاغة الذهب، الذين أكدوا طوال سنوات الحرب أنهم يسعرون الذهب وفق سعر صرف الدولار القريب من سعر السوق السوداء وبعلم البنك المركزي، وهذا السعر يعتمده غالبية التجار في صفقاتهم ويعرف تجاريا بدولار الذهب.  

المركزي ودوره في تقلبات أسعار الصرف

تعتبر استقلالية البنك المركزي في أنحاء العالم من أهم المزايا التي تضمن له صحة عمله كمتحكم بالسياسة النقدية، خاصة وأن السياسة النقدية تختلف عن السياسة المالية، لكن يبدو أن الأمر في سوريا مختلف عن هذا المفهوم، إذ كان من الواضح تدخل جهات غير اقتصادية في تخفيض سعر صرف الدولار في أوقات معينة، ومن ثم إعادة رفع سعر الصرف لعدة أسباب منها تبرير أي قرار اقتصادي لرفع أسعار السلع الأساسية والمشتقات النفطية، كما ساهم رفع سعر صرف الدولار في تمويل كتلة رواتب الموظفين، أما المكسب الثالث فكان يصب بمصلحة المصارف الخاصة التي جنت أرباحها نتيجة فروقات السعر بين الليرة والدولار، وكان من عوامل استمرارها في سوريا خلال الحرب.

ومن قرارات البنك المركزي التي ساهمت في انفجار أزمة سعر الصرف قرار السماح بمنح المواطن السوري ١٠ آلاف دولار شهرياً أو ما يعادله من العملات العربية والأجنبية الأخرى شهرياً للأغراض غير تجارية، وقد تسبب هذا القرار -قبل أن يتم الغاؤه- باستنزاف القطع الأجنبي في سوريا، حيث أعاد البنك المركزي ملاحقته للأشخاص الذين تجاوزت نسبة شرائهم للدولار الحد المسموح ، وهذا خطأ يقع على عاتق البنك المركزي الذي لم يضع سياسة مصرفية دقيقة تتابع مسار عملية البيع، التي اعتبرها البعض مكسباً للعيش.

إذ كان بعض التجار يستأجرون الأفراد العاديين لشراء حصتهم من القطع الأجنبي مقابل 200 دولار في ذلك الوقت، مما تسبب بإحداث فوضى واستنزاف للقطع الأجنبي، بعدها تم إلغاء هذا القرار، ومطالبة من تجاوز الحد المسموح بشراء الدولار بالإرجاع تحت طائلة المسؤولية القانونية، وهو ما أدى إلى رفع سعر القطع تدريجياً عن طريق شركات الصرافة والمصارف ،إضافة لقرار السماح للمصارف الخاصة ببيع وشراء القطع خارج نشرة أسعار المركزي.  

جميع تلك القرارات التي ترافقت مع قرارات اقتصادية منها ترشيد الاستيراد، وإيقاف تمويل المستوردات، دفعت بالتجار للبحث عن أقنية غير نظامية لتأمين احتياجاتهم من القطع الأجنبي، وبهذا زاد الطلب على الدولار مما ساهم أيضاً برفع سعر صرفه مقابل الليرة السورية التي فشل حكام البنك المركزي في إعادة الثقة إليها كوسيلة نقدية حافظة للقيمة وقابلة للتبادل التجاري.

تغيير الحكام لم يؤثر بالدولار

خلال سنوات الصراع تعاقب على رئاسة البنك المركزي السوري ثلاثة حكام، أولهم أديب ميالة والذي يحمل الجنسية الفرنسية، الحاصل على دكتوراه بالاقتصاد من فرنسا، حيث شغل منصب حاكم بنك سوريا المركزي منذ عام 2005 ولغاية عام 2016، و تعرض مياله لانتقادات شديدة بسبب سياسته النقدية غير الناجعة، والتي اشتهرت بما يعرف “بجلسات التدخل”، التي قيل عنها بشكل ساخر بأنها “جلسات تدخل لتحسين سعر الدولار مقابل الليرة السورية وليس العكس”.

في عام 2016 استلم البنك المركزي د. دريد درغام، وهو أيضاً حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة باريس، وكان قد عمل سابقا مديراً عاماً لمصرف سوريا التجاري قبل أن تتم إقالته نتيجة قضايا فساد تتعلق بمنح قروض بمبالغ طائلة، وخضع لقرار من وزير المالية بالحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة في عام 2011 ليعود إلى الواجهة عام 2016 ويشغل منصب أهم مركز اقتصادي خلفاً لميالة لغاية شهر أيلول 2018، وعرف بتصريحه الشهير الذي أعلن فيه قدرته على تخفيض سعر الدولار إلى 200 ليرة، لكنه لا يريد ذلك، إضافة لقراره الأخير الذي طالب من خلاله التجار مراجعة البنك المركزي لإثبات بيانات ما اشتروه من قطع أجنبي عام 2012 تبين أين تم إنفاقها، واستقر سعر صرف الدولار خلال ولايته عند حدود 430 ليرة وفق السعر النظامي للبنك و 450 ليرة في السوق السوداء، لتنتقل الخلافة بعد ذلك لنائبه الأول الدكتور حازم قرفول الذي تولى القيادة بتاريخ 24 أيلول العام الحالي وهو أيضاَ حاصل على دكتوراه من جامعة بوردو في فرنسا، وكان قد عمل نائباً لحاكم البنك المركزي منذ عام 2014، وتعليقاً على ارتفاع سعر صرف الدولار الذي وصل إلى حدود 503 ليرات في الأسواق، اعتبر قرفول الارتفاع وهمياً وغير حقيقي وكل من اشترى دولاراً بذلك السعر معرضاً للخسارة.

يبدو أن خريجي جامعات فرنسا الاقتصادية الثلاثة لم يمتلكوا الخبرة الاقتصادية الكافية لمواجهة قوة الدولار الأمريكي أمام الليرة السورية التي تآكلت قدرتها الشرائية بنسبة 90%، وبهذا فقدت الليرة الخصائص الأساسية التي تتمتع بها جميع عملات العالم في  أن تكون قابلة للتداول بين الأفراد مقابل الحصول على أية سلعة أو خدمة، حيث استبدل العديد من التجارة الليرة بالدولار في صفقتهم. الميزة الثانية تتضمن سهولة نقلها إذ يقضي حسن سير المبادلات أن تكون الأداة المستخدمة كوسيط في المبادلات سهلة الحمل وهو ما يساعد على سهولة نقلها من مكان إلى آخر، كذلك سهولة تخزينها، وهذه الخاصية فقدتها الليرة نتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضت على القطاع المصرفي وأصبح من غير الممكن تداولها عبر الأقنية المصرفية.

أما الميزة الأهم فهي قابلية الدوام وحفظ للقيمة بمعنى أبسط أن تتحمل كثرة تداولها من يد إلى أخرى، وهذا فقدته الليرة السورية خاصة الفئات الورقية الصغيرة “50- 100-200ليرة” حيث أصبحت تالفة بشكل كبير وإعادة طباعتها يكلف الحكومة مبالغ كبيرة، أما المقصود بأن تكون حافظة للقيمة فهي أن تثبت قيمتها كوسيلة إدخار، وعليه ينبغي أن تكون قيمة النقود بعيدة عن تعرضها للتدهور الشديد أو فقدان القيمة مع مرور الوقت، وهذا ما حدث لليرة السورية.

وإذا كان حكام مصرف سوريا المركزي (خريجو باريس) قد عجزوا عن تحسين مرآة الوضع الاقتصادي “العملة الوطنية” فهل لدى الحكومة السورية مرآة غير الليرة قادرة على أن تعكس حقيقة المستقبل الاقتصادي الذي ينتظره السوريون؟!.