كان يا ما كان، كان المجتمع السوري مجتمعاً يملؤه فرح خفيف، كان الناس يذهبون ويجيئون حتى تغيرت أحوال البلاد والعباد، ما عادت سورية كما كانت، جاء ألعن الأزمان وأبشع الأزمان وأكثرها قسوة وتوحشاً؛ فأرهق الحزن السوريين ومثَّل بهم واستولى على أجسادهم، فتعودوا امتصاص مدامعهم ومواجعهم حتى أنساهم هذا الزمن الأسود حليب أُمهاتهم الأبيض، صاروا يعيشون ظروفا تجعل الحياة لا الموت هي الأصعب على الاحتمال. أطفال سورية اليوم تحت السكين تترنح طفولتهم بين كافة أنواع البشاعة من اعتقال واغتصاب وقتل وتعذيب. برغم وجود عشرات الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحميهم في النزاعات المسلحة. أوضاع الأطفال السوريين صعبة ولاتبشر بالخير، فالأمر لا يحتاج إلى بلورة سحرية للتنبؤ بهذه النتيجة المأساوية.

“لا مكان للأطفال”، جملة تختصر تقريرا مطوَّلا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، حول معاناة الأطفال السوريين في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد منذ العام 2011 وحتى الآن.

يقول المدير الإقليمي لليونيسيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خيرت كابالاري، إن “عمق معاناة أطفال سورية لم يسبق لها مثيل فملايين الأطفال فيها يتعرضون للهجوم بشكل يومي، وقد انقلبت حياتهم رأسا على عقب.”

الأرقام صادمة، والحرب لم تترك مكاناً للأطفال.

في تقريرها الأخير الذي أصدرته في النصف الثاني من العام الماضي، تقول اليونيسيف أن ما يُقارب ٨.٤ مليون طفل سوري تأثروا بسبب النزاع الدائر في بلادهم ما يعني نحو ٨٠ بالمئة من مجموع الأطفال في سورية. وتشير اليونيسيف في تقريرها إلى أن الأطفال يشكلون نصف أعداد اللاجئين في دول الجوار السوري، بينهم أكثر من ١٥ ألفا عبروا الحدود من دون ذويهم. ويلفت التقرير إلى أن هنالك نحو ٢.١ مليون طفل سوري في داخل البلاد و٧٠٠ ألف طفل في الدول المجاورة لم يلتحقوا بالمدارس. كما تكشف أرقام اليونيسيف عن وجود مليون طفل سوري “يتيم” فقدوا أحد والديهما أو كليهما بسبب الصراع الدائر في البلاد منذ بدء الأزمة السورية وحتى الآن. حيث تعتبر سورية بحسب اليونيسيف بؤرة خطر على الأطفال، يلاحقهم الموت فيها فهنالك العديد من الأطفال فقدوا حياتهم في الصراع الدائر في البلاد.

هو الموت عينه الذي لاحق فرح تلك الصغيرة التي يئن قلبها شوقاً إلى والدتها وخربشاتها على جدران بيتها. فرح ذات السنوات الست تخاف أحلامها التي ترى فيها دوما مسلحين يصوبون قذائفهم إلى منزلها.

كان يوماً صيفياً دافئاً لكن المطر لم يعد مقتصراً على فصل الشتاء. في ذلك اليوم رأت فرح تلك الأشياء الغريبة تتساقط من السماء، أزاح صوت القذائف عن السماء أصوات العصافير وضحكات الأطفال. انهمرت قذائف الهاون، رحلت عائلة فرح لكن فرح كانت محظوظة بأن تعيش لموعد آخر. في زمن الموت، فرح ما زالت على قيد الحياة فيا لها من نعمة.

حكاية فرح

فرح طفلةٌ وديعةٌ شُجاعةٌ جميلةٌ ذاتُ ذكاءٍ خارق، وعينينِ من عسَلٍ وغمازة، من شُرفَةِ منزِلِ عمِها في حي المشتَل بدمشق، والذي انتقلت إليه بعد أن حصد الموت جميعَ أفرادِ أُسرَتِها، تُشاهِدُ فرَح القذائِفَ المُنقضَّةَ على الأهالي والمنازِل، فرَح لم تكُن خائفة من هذهِ الصاروخات، هكذا كانت تُسَميها.

تحدثت فرح مرةً كيفَ جاءَتِ الشمسُ كَفراشةٍ ووقفَت على نافِذتِها، أمسكًتْها فرح بِكَفِها الصغيرةِ البيضاء، قالت لها إن “كُنتِ تُحبينني أيتُها الشمس، فاذهبي إلى البحر ونامي طويلاً حتى لا تأتي الصاروخات وتضرِب الأطفال تحتَ ضَوئِكِ.”

إنَهُ زمنُ النارِ والقتل، وزمنُ الأهوال، يُفطِرُ السوريونَ في الصباح القذائِف وفي الظهيرة يتَغذونَ القنابِل وفي المساء يتعشَّون بالسياراتِ المُفخخة.

رَحلَتْ فرح عِندَما اخترقَت قذيفةُ هاوِن شُرفةَ غُرفَتِها، عادَت فرَح إلى الرَحِمِ التي خرَجَت منها. هل راودتها فِكرَةُ الموت؟ هل خطرَت ببالِها؟ تِلكَ الصغيرةُ التي كانت وردَةً لم تتفتَح، مليئةً بالحياة، هل أشاحَ الموت بوجهِهِ عنها وهوَ ذاهِبٌ إليها حتى لا يتألَم وهوَ يقطِفُ روحَها؟

سوريةُ اليوم تنزِفُ أكبدةً وأمعاء، في سورية صارَتِ الشوارِعُ والأرصفةُ حمراء، في سورية ما أكثرَ الواقفين اليوم أمامَ حجرَينِ منَ الرُخام يقرؤونَ الفاتِحَة، يقرؤونَ أبانا الذي في السماء. كم تُشبهينَ الوطنَ يا فرَح وكَم يُشبِهُكِ الوطن، يُقال إنَ الموتَ رفيقُ الجمال وجميلةٌ أنتِ حتى في موتِكِ، فحتى الموت اكتمِلَ بِكِ.

هذي حِكايَةُ فرَح.

وتستمرُ الحكاية فنرى ونسمعُ ونقرأُ كُلَ يومٍ عن فرحٍ جديدةٍ ترحلُ مع الراحلين.

ولكِن لو سُئِلنا يوماً عندما كانت فرَح تحت السكين عندما تشظّى لحمُها الحي، ماذا كُنا نفعل فبماذا سنُجيب ؟ بماذا سنُجيب؟

نيابة عن فرح وعن أطفال سورية وجهت اليونيسف نداء للعالم لتحقيق الآتي:

  • حل سياسي وفوري للنزاع.
  • وضع حد لجميع الانتهاكات.
  • الوصول غير المشروط والمستمر لجميع الأطفال المحتاجين، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون تحت الحصار.
  • توفير الدعم المستدام للحكومات والمجتمعات المضيفة للاجئين من أجل الأطفال المعرضين للخطر، بغض النظر عن وضعهم.
  • استمرار الدعم المالي لمواصلة تقديم المساعدة للأطفال المحتاجين داخل سورية وفي الدول المجاورة.

نحن لا نكتشف قارة جديدة إذا قلنا إن الأطفال في سورية يعيشون أزهى عصور الانحطاط في هذا الزمن الموحش.. هو قدر سورية ألا تنزف سماؤها عرقا ومطرا بل أكبدة وأمعاء، وقدر بعض المدن ألا تنبت الأرض فيها أشجاراً بل شقائق نعمان حمراء قانية وابتسامات وزهرات جميلة من دم أطفال شهداء، تقول الوثائق بأنهم ميتون، لكن الله يقول هم أحياء عند ربهم يرزقون.. فتوقفوا عن تشبيك أذرعكم والنظر إلى سورية تحترق، فبإمكانكم أن تمدوا إلى أطفالها أيديكم، فالطفل السوري مازال يموت، فلنجعل من حمايته هدفاً عاجلاً لنبقى ويبقى الأطفال السوريون على قيد حياة وقيد أمل، فيبدو أن هؤلاء الأطفال لايملكون خيارا سوى الانتظار.. الأمر ينجح أحياناً.