حمص مدينتي. عشتُ قسماً من طفولتي في الخالدية .

يقول صديقي علاء الدين عبد المولى : «الخالدية خراب حمص».

تخيّل أن خراب طفولتي هناك، ولم أجرؤ على كتابة حرف واحد عنها. كان بيتنا يقع قرب الملجأ في شارع شهاب الدين على ما أذكر، الحارة التي يقطنها سريان وشركس وأرمن وحماصنة أيضاً.

لعبتُ كرة القدم في الشوارع التي تأخذكَ إلى الكراجات القريبة من أوتوستراد حماه وسبحتُ في أقنية الري حيث بقي جرح في ركبتي بأثر زجاجة كازوز محطمة.

أعشق سينما الأمير التي شاهدتُ فيها فيلماً لناهد شريف ورشدي أباظة مع أولاد الحارة أيام العيد وكان عمري عشر سنوات. الآن أين ذهب الجيران، أقصد بيت أبو عزمي وأبو خالد التركماني وأبو علي السمان وأبو ناصيف وحسن اللحام وبيت أبو وليد وغيرهم وغيرهم.

كان بيتنا الذي استأجره أبي من الحجر الأزرق.

في حمص كان حبي الأول بين مدرسة عمار ابن ياسر، قرب المساكن، ومدرسة فاطمة الزهراء، حيث الطالبات بالمراويل كنّ مثل الغيم على الشجر، وكان قلبي يدق بسرعة ليختلط عليّ النشيد الوطني بصوت الباعة الجوالين في الشارع.

حمص مدينة اخترعها الله على مهل.

بمثل هذه القوة التي تشبه لوحة خلفية هي مزيج من الأزرق والأبيض والأسود.

من الحائط الذي يفصلنا عن الجيران كانت تصرخ أم نورس ديب بأمي أن علينا الذهاب إلى الملجأ إذ صفارة الإنذار أو (زمور الخطر) كان يدوي في الحارة. لقد بدأت الحرب. بدأت الحرب.قصف الإسرائيليون مصفاة البترول، وتقصد حرب 6 تشرين. يومها بدل الذهاب إلى الملجأ صعدنا إلى السطوح لنتفرج على الدخان المنبعث من المصفاة. لم أفهم ما كان يجري، فقط أتذكر الوجوه المسحوبة إلى السماء والإرتياب ومهاوي تلك اللحظة الشاقولية. أبي لم يكن في البيت. بعد انتهاء الحرب رسمتُ وجوهاً في الهواء كأنها طائرات ورقية وسلالم طويلة وخيوط مربوطة بغيم.

كنتُ أسرق من جزدان أمي المركون على رف الصحون في المطبخ لأشتري مجلة تان تان ومجلة أسامة وبعدها في المساء سأقف جاف الحلق أمامها وأنا أشرح سبب فعلتي التي لا تُغتفر. أول شيء كنت أحتاج إليه القدرة والمشيئة على شرح حبي لشخصية شنتير التي كان يرسمها ممتاز البحرة.

أتذكر مرة وفي إحدى خساراتنا مع مدرسة القدس الخاصة في الحميدية بفارق علامة واحدة على مستوى المحافظة وكنتُ في الصف الخامس. عدتُ في المساء مع آنستي نابغة الأسود، تمسك بيدي طيلة الطريق إلى البيت. أوصلتني هناك بينما لم أنس رائحة أثر العطر الذي بقي من يدها في يدي. لطيلة أيام، يدي اليسرى، لم ألمس بها شيئاً، حتى كتبي كنت أحملها بيد واحدة، والصفحات أقلبها بيد واحدة، إلى يوم من الأيام أكلتُ علقة من أمي اضطررت أن أدافع فيها عن نفسي بكلتا اليدين.

أجمل الشوارع التي أعشق ذلك الشارع الذي يربط الساعة القديمة بالساعة الجديدة. بالنسبة إليّ كان شارعاً للعب والذهاب إلى السينما والتسكع أيام العطل والأعياد.من سينما الفردوس التي كنت أشاهد فيها ثلاثة أفلام ساعة كاملة من دون أن أستطيع الجلوس على كرسي سليم في الصالة (فيلم كاراتيه وفيلم أميركي اسمه الرحلة الخطرة…لم أعد أتذكر الفيلم الثالث) إلى سينما الكندي أيام الجمعة وأفلام الإتحاد السوفياتي التي كانت تعرض بتواتر دائم هناك. بجانب السينما يركن محل لبيع الدراجات الهوائية، وكم كنت أحلم بواحدة منها بينما أعبر الشارع مع أبي وأخوتي إلى أن كبرت قليلاً وانتقلنا من حمص. ارتكبتُ حماقات لا تحصى في المدينة التي نشأ فيها أهلي.

نسرين حاديش، مروان عبد المالك، فيصل خير الدين، رمضان عبد المهيمن، عهد معروف، منتهى جالوت……..بإغماضة قليلة أستحضر تلك الأسماء مثل أي مساحة ركضنا وتربينا فيها سوية، الآن هم بمثابة رضوض مؤبدة في قلبي، يتسللون إلى روحي كأسرى الحرب، يطلعون من أغنية بلوز تتحدث عن شخص لا مال لديه أو مكان يعيش فيه. حزوز قلبية تائهة كانت سبب كتابتي الشعر. عرفتُ لاحقاً أن منتهى تزوجت رجلاً يمتلك نايت كلوب في أميركا.

أبي مغرمٌ بالرياضيات وبالتالي لم يترك فرصة لي لكي يجعلني أحبها، في الصباح والمساء والظهيرة، وقت قيلولته المقدسة.

ولم تكن تأتيه السريرة لذلك إلا في عزّ البرامج التي أحبها: (ميكي ماوس ومستر إيد والسالب والموجب الذي كان يقدمه توفيق الحلاق بصوته الدرامي الرخيم وهو يشرح قصصاً تأخذ طابعاً تراجيدياً في أكثر الأحيان. إحدى القصص التي قدمها مرة: عن أب وضع إبنته في السقيفة طيلة سنوات حتى بدت على الشاشة مثل كائن ولد الغابة، لكن لا كمثل الغزلان أو الطيور، بل جسد ما لإنسان ما، فقدَ منحنيات وجهه وذابت تفاصيله حتى بدا حيواناً بأغلال، مسروقاً من قطيع في البرية).

ولم أحب الرياضيات في حياتي، مع علمي أخيراً أن لها علاقة وثيقة بالموسيقا وحركة الكواكب والنجوم. ونادراً ما نجحت فيها. أربع صفحات من جداول الضرب والمعادلات من الدرجة الثانية. لكن خزانته الممتلئة بقصص أرسين لوبان البوليسية، وكتاب “الزواج المثالي” قرأتها في غياب أهلي، ومن حينها لم أُصبح محامياً لامعاً بعد دراسة مديدة للحقوق ولا زوجاً مثالياً حين تزوجت إلى الأبد.

قرب جورة الشياح كان يقع استوديو العشرة الطيبة، هناك أخذت أجمل الصور في طفولتي. في الشارع الذي يشبه الكرنفال قرب اتحاد نقابات العمال إلى نصب الأسد يجثم في الحديقة بجانب إشارة المرور.مشيت هذه الشوارع دون كلل ودون مال أو جاه، فقط من كثرة الحب والغبطة كنت أظن أن هذه المدينة لا شيء يحدها إلا الغيوم وبائعو غزل البنات. صغيرة وهائمة مثل عين التنور أو بحيرة قطينة المرصوفة ببلاط أزرق.

الذهاب إلى ملعب كرة القدم صباح يوم جمعة بارد يحتاج إلى مئات الأعذار ونوع من كذب غير مكشوف كي تفلت كالغزال في جنة كرة القدم. ينبغي الوثوق بالنفس أحياناً وبالذكاء والكذب الذي يضمن لك ساعتين خارج البيت دون مراقبة الأهل. أكثر من مرة ذهبت دون علم أمي إلى الملعب البلدي لمشاهدة فريقي الكرامة والوثبة. وفي حارتي كان الملعب القريب من المساكن يتيح لك رؤية حارس المرمى بسام الجرايحي وهو يطير أمام المرمى كطائر الأساطير القديمة، فيما بعد أصبح حارس مرمى الفريق الوطني.

لم أفلت من طريق الشام ولا الوعر أو مقصف ديك الجن الحمصي الذي أتذكره على نهر العاصي مثل سفينة تنتظر ركاب المجرة بينما رائحة عرق الميماس تفوح في المكان مع رائحة اللحم. كل هذه الصور لم أحلم بها، بل حدثت وكأن ثمة جرحى بقوا تحت جلدي دون عون، عراةً وبالغي الرقة مثل قبائل لا تحب النزوح إلا قبيل الفجر.غجر وثعالب ملطخة بالدم. كأنني لم أترك هذه المدينة ثانية واحدة.

سكنتُها ولم أُغادرها، وهي الآن بعيدة آلاف الأميال عني. هل عليّ الهرب إلى سوريا كي أذهب هناك دون أن يبحث عني أحد وأنا أمرّ بالشارع الذي يأخذني إلى تلبيسة أو فيروزة أو مريمين: حيثُ كان يعمل عمي في البلدية بصفة محاسب وجابي ضرائب..: – أخذنا أبي هناك ذات صيف إلى بيته البسيط الساحر على ربوة وحطب وسمك مشوي وعرق أبيض يشربانه بتؤدة. ظاهرها كان يغريني بمعرفة هذه الكأس السحرية التي تجعل أبي وعمي رقيقين كورق الدخان الحموي. يصبح أبي في هذه الحالة مثل أخ يكبرني بعامين.

كل ما يحدث لي هنا سببه اليقين والحدس بما كان ينبغي أن يحدث، وأنا أتربص للقطار القادم من جهة حلب واضعاً على السكة برادة ومسامير ونشارة الخشب، هذا ما كنت أفكر فيه: صناعة مغناطيس مما رميته بين دفتي الحديد. بينما الأرض كانت مسطحة، تطاير كل شيء في الهواء ولم يطلع المارد من الخيال. بلا شك سأدرك على مهل كيف أختبىء في الأزقة ليلاً لأُدخن سيجارة «كنت» مسروقة من جارور يخص أبي، حتى كنت أبقى في الحمام أكثر من ساعة وأنا أدخن تلك السيجارة الساحرة.

في رحلة مدرسية إلى سد الرستن ستأخذ عقلي تلك السهوب مقصوصة الشعر، والشمس التي مثل صندوق من الذهب تعلمني كيف أمشي دون أن أراقب خطواتي، وهناك تحت الأشجارستنبهني معلمتي فاطمة الناصر إلى الطبيعة وكيف كانت تفتح درابزين الكلام والتشابيه على نحو رائع ذلك الزمان. كان بيتها قريباً من بيتنا في الخالدية. وما كان يبدو أنني سأكبر عن كثب كل ساعة وسأطير مثل كائنات جياكوميتي، أو رويداً رويداً سأذهب إلى السوق الطويل المسقوف بالتنك والنجوم ورائحة النسوة والبضائع القادمة من مصر ولبنان والمعامل المحلية.هناك سأشرب كوكتيل الفواكه من المحل الذي على الزاوية قرب الساعة القديمة: تفاح وموز وبرتقال. رائحة بقيت عالقة وواضحة مثل الذي يسقط منك إلى الأبد ولن تعثر عليه فيما بعد. أشياء تضيع منك على غفلة دون أن تدري. ينابيع في منحدرات بعيدة وحبال غسيل معلقة في الهواء.عليك هنا أن تجيد الكلام لشرح الصور المتراصفة أمام العين دون القدرة على الهرب من تلك الماكينة الثقيلة التي تسكن بين الكتفين. أكثر من اللزوم في هذا الزمن المحسوب على لا أحد. نتوء صغير وأرياف على المنحدرات، خلا ذلك لا أجد ما هو ممكن لتفسيرالمسافة التي تفصل حمص عن قلعة الحصن واستحضار صلاح الدين الذي ذهب إلى القدس بصلح الحديبية، وما لا يمكن أن يُقال حين مرّ تيمورلنك بشارع الدبلان فارتجف قلبه، وسيعزف له الناس على الطبل والزمر، ولن يمس أحداً هناك بأذى. تيمورلنك الذي حرق ربع الكرة الأرضية، دخل إلى حمص ضاحكاً. مثل من له اسم مجهول وعائلة من الغجر تسكن على أطراف مدينة مزدحمة بالسكان. خيام ورقص حتى الصباح. الغجر الذين كانوا يمرون بدير بعلبه دون أن يلحظهم أحد. سكنوا على أطراف حمص. منسرحين بين طريق دمشق والمفارق الغامضة مع أطفالهم الحفاة.

أكتب عنكِ كما أكتب عن واحد من أصدقائي ولستُ قادراً على إطفاء الظمأ الذي يشبه ذكرياتي معكِ، وكأننا كنا نقاتلُ جنوداً غامضين على جبهةٍ بعيدةٍ في جبال القفقاس. مذهبة وحميمة وأنتِ تفتحين يديكِ لأجل طفلٍ لا ينسى بواباتكِ ومنحنيات الأفق الذي شكلته الطبيعة، كي أدفع حبي إلى آخره، وألهث مثل حصان أجعد الشعر، وله فم مفلوع أخذته ريحكِ إلى كائنات لؤي كيالي وحريق حرب حزيران.و لا يزال ثمة مجال لضروب الوهم: أنكِ مازلتِ هناك، وسأجدكِ كما أنتِ مع نسيب عريضة وهاشم الأتاسي وديك الجن الحمصي، في ظهيرة مشغولة وسرابات ونوع من عذاب الضمير، حين طيلة نهار كامل وأنتِ تقعين في حنانكِ المفرط. كأي أم تنتظر ابنها عند باب السجن.هذا الذي يبدو الآن يا حبيبتي مثل حائط وحجارة وطاعون.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]