كان يعشق الحياة. عبارةٌ غريبة ضمن سياق الثقافة العربيّة، عبارة عجائبيّة ضمن سياق الثقافة السوريّة على الأخص. لا مكان لعشق الحياة حين تكون مفردة «الموت» المفردة الأكثر تكرارًا على نحوٍ واعٍ ولاواعٍ في الأعمال الإبداعيّة السوريّة ولدى مبدعيها على السّواء. كان يقهقه في بلاد الابتسامات الشّحيحة، وكأنّه يرسم بحياته مقياس ڤلاديمر نابوكوف لتصنيف النّاس: كان نابوكوف يقسم النّاس إلى أولئك الذين يضحكون وأولئك الذين يبتسمون، وقد كان من أنصار الضاحكين؛ وكان ممدوح عدوان يقسم النّاس إلى أولئك الذين يضحكون وأولئك الذين لا يضحكون ولا يفهمون النّكتة، وقد كان من أنصار الضاحكين طبعًا. كان نابوكوف مولعًا بجمع الفراشات؛ رفاهية لا تُتاح لسوريٍّ مثل عدوان، فاكتفى بلملمة الدّقائق كي يعيش الحياة إلى أقصاها، ويعشق الحياة إلى أقصاها. لم يكن ساذجًا كي يُخدَع بقشور «التّفاؤل الثوريّ» الذي اجتاح الستينيّات والسبعينيّات، فحتّى هذا التفاؤل يفترض أّنّ الحياة ليست مكانًا للعشق بل للنّضال كي تحظى الأجيال اللاحقة (أيًا تكن تلك الأجيال المجهولة الغامضة) بحياة تستحق العيش. هذا ما يفترضه الأمر نظريًا على الأقل. لم تكن أعماله ذات تفاؤل ثوريّ، ولم تكن تفاؤليّة عمومًا، إنْ صحَّ تصنيف الأعمال وفقًا لمقدار تفاؤلها أو تشاؤمها. كانت أعماله ذات نبرة حزينة، مثل باقي الأعمال السوريّة العظيمة. الأمل طيف آخر قد يتبدّى وقد لا يتبدّى. ما ميَّزَ أعمالَه حقًا خيطٌ شفيفٌ لعشق الحياة. حتّى ضمن قنطار الكآبة والحزن والأقدار المقبضة، نجد أنّ شخوصه، بعضها على الأقل، تحتفي بالحياة عبر عيشها. يعشقون ويُعشَقون، يتخاصمون ويتصادقون، يأكلون ويشربون ويضاجعون بنهم أحيانًا. كانوا يعشقون الحياة على اختلاف أفكارهم وأخلاقهم وعوالمهم، كانوا يعشقون الحياة مثل مُبدِعهم. ما الذي رآه هذا الرجل كي يعشق حياةً محكومةً بالموت؟ ما كان عقدُ الستينيّات الذي أبصرَ أولى نتاجاته الإبداعيّة عقدًا مغريًا بالعيش، دع عنك عشق العيش. وما كان ساذجًا ليُصدِّق أنّ صحوة حياة السبعينيّات أكثر من محض نسمةٍ ستُبدّدها البزّات العسكريّة عقدًا إثر آخر. الثمانينيّات؟ جحيم لَفَحَ الجميع. التّسعينيّات؟ كان الشّاب قد بات كهلًا يدرك أنّ الأمل ليس إلا سرابًا إلهيًا أو شِعريًا. الألفينات؟ لم يشهد إلا أربع سنوات منقوصة منها، وقد كانت سنواتِ المرض الذي لن يُمهله طويلًا. ولكنّ الرجل بقي عاشقًا للحياة؛ يعشق الحياة حتّى بعد أن مات؛ بل إنّ عشقه لتلك الحياة المتملّصة من بين الأصابع تعزَّز أكثر بعدما مات. إثر رحيله عام 2004، دارت أغلب المراثي حول أشيائه التي كانت تُمثِّل جوهر عيشه: سيّارته الڤولكس ڤاگن الخنفساء، شَعره المُصفَّف بعناية، قهقهاته، سيگارته، كأسه، سنوات عُمره التي اقتطعها الموت بغتةً بالرّغم من عامٍ ونصف العام من الاستعداد للحظة الموت: استعداده هو واستعداد الآخرين. كانت مراثٍ ملموسةً عن أشياء ملموسة: ما اختطفه الموت فعلًا كان اختطافًا للسيّارة التي راكمتْ غبار وقوفها حتّى كاد يُمحى سواد بقع الخنفساء الحمراء اللامعة، اختطافًا لخصلات الشَّعر الجميلة التي تساقطتْ شيئًا فشيئًا كأوراق شجرة فاكهة، اختطافًا للقهقهات الصادحة في زمن اعتقال البسمة والضحكة، اختطافًا للتّبغ وللكحول اللذين واصلَ عدوان غبَّهُما كَمَنْ يُجرِّبهما للمرة الأولى، بشغف العاشق، عاشق الحياة، عاشق العيش. تخطر لي الآن بعض ردوده الساخرة الثّاقبة في حوار أُجري قُبيل رحيله ونُشر في جريدة «تشرين» بُعيد رحيله بأيّام. ما عدت أذكر ما إذا كان هذا الحوار حواره الأخير، وما عدتُ أذكر ما إذا كان الحوار ضمن الجريدة نفسها أم ضمن ملحق أدبيّ. كان الحوار يشغل وسط الجريدة تمامًا بحيث يمكن الاحتفاظ به منفردًا، كما فعلتُ إلى أن ضاع الحوار مع ما ضاع من مكتبتي القديمة. لن أدخل الآن في شجن ما كان وضاع، ورثاء المكتبة القديمة والبيت القديم، لأنّ ممدوح عدوان لا يحبّ هذا الجوّ الكئيب، ولعلّه سيشير إلى رأسه بأصابعه التي لا تفارق السيگارة ويقول: المهم الذاكرة، اكتب ما تتذكّره قبل أن تُبتلى بزهايمر. المشكلة أنّي ما عدتُ أتذكّر تفاصيل كثيرة من الحوار باستثناء أنّ الأسئلة كانت نمطيّة مكرورة ترفع الضّغط، غير أنّنا نقرأ الحوارات عمومًا، والحوارات العربيّة خصوصًا، للاستمتاع بالإجابات لا بالأسئلة. أتذكّر إجابتين بدقّة: أولاهما إجابة على سؤال تناولَ «أزمة الشِّعر»، إلا أنّ عدوان قلب السؤال رأسًا على عقب ليُذكّرنا بأنّ الشِّعر في أزمة دومًا، أو بالأحرى بأنّ الشِّعر لصيقٌ بالأزمة، يولد منها، بمعنى أنّ الشِّعر (الشِّعر الحقيقيّ لا النَّظْم) بضاعةٌ نادرةٌ على الدّوام، من أوّل أيّام الشِّعر إلى نهاية أيّام الدُّنيا. ولذا لا معنى للحديث عن «أزمة»، بل عن شعراء. فالقبائل كانت تحتفي عند بروز شاعر لها مع أنّ العرب كلّهم يقرضون الشِّعر تقريبًا؛ والمتنبّي، مثلًا، ليس شاعرًا فردًا ضمن صحراء تخلو من الأبيات والقصائد، بل كان واحدًا من بين عشرات أو مئات الشُّعراء، غير أنّه برز عنهم بعبقريّته وجموحه وتفرّده، وطالما أنّنا لا نتحدّث عن أزمة شعر أيام المتنبّي، ليس لنا أن نتحدّث عن أزمة اليوم، أو أزمة تخصّ الشِّعر العربيّ أو أيّ شِعر في هذا العالم. صحيحٌ أنّ نسبة الشِّعر الحقيقيّ قد تضاءلت إلا أنّ هذه طبيعة تقلُّب الأزمنة. ما الذي لم يتضاءل اليوم ضمن مجال الكتابة؟ وحين أنهى المُحاور أسئلته «العميقة»، قرَّر لسببٍ مجهول طرح سؤال عابر (أو لعلّ هذا ما ظنّه المُحاور) على عدوان الذي كان يصارع السرطان في أيامه الأخيرة يتمحور حول «سرّ» مواصلته التّدخين والشّرب بالرّغم من إصابته بالسّرطان. أجاب عدوان بهدوء عابث قلبَ فيه السؤال كعادته من «بالرغم من» إلى «لأنّ»، فأشار إلى أنّه بقي يدخّن ويشرب لعقودٍ وهو مطمئنّ، لمّ ينبغي عليه التخلّي عنهما الآن حين اقتربت ساعة الموت؟ تتلاقى الإجابتان في معنى واحد: ما جدوى الحياة إنْ كنّا سنفكِّر في الموت وننشغل به، وما جدوى الحياة إنْ كنّا سنواصل عيشنا ونحن محض نسخة متطابقة من الآخرين؟ حياتنا، وإنجازاتنا في هذه الحياة، وسيلتُنا الوحيدة لقهر الموت، لا بمعنى الانتصار عليه، بل بمعنى مخاتلته. وقد كان ممدوح عدوان أحد أجمل مَنْ خاتلوا الموت، وواجهوه ندًا لندّ.

كان سيفرح حتمًا حيال هذه الاحتفاءات لأنّها احتفاءات بالحياة (حتّى لو كانت حياةً ماضية) أكثر من كونها حديثًا عن الموت (حتّى وإنْ كان حقيقةً حاضرة). يدرك عدوان أنّ الحياة، لا الموت، هي ما يستحق الكتابة. فالموت ليس إلا تذكيرًا بالحياة، بما كان وما لم يكن، بما صار وما لم يصر. تضاعفَ جمال الاحتفاءات/المراثي حين تركَّزت لاحقًا على تنوُّع نتاجه المدهش. فهذا التنوُّع – في ذاته – برهانٌ آخر على عشق عدوان للحياة، لحياةٍ أخرى، حياة الكتابة حيث خلق حياة موازية. لم يترك عدوان جانبًا من جوانب هذه الحياة الموازية إلا وجرَّب فيه، لعب فيه، عبث فيه، أعاد تشكيله. لعب بالشِّعر وفيه، وفي الترجمة، وفي المسرح، وفي الرواية، وفي الصحافة، وفي السيناريو التلفزيونيّ، وفي المقالات الثقافيّة. ولكنّ المراثي تلاشت وبهتت مع مرور الأيام إلا حين يتذكّر أحدهم ذكرى ولادته أو رحيله، وتضاعفت وطأة التّلاشي حين ترافقت مع تلاشي أعماله التي لم تحظ معظمها بإعادة طباعة. نجتْ بعض التّرجمات، وبعض كتب المقالات، ورواية «أعدائي»، وبعض ذكريات السيناريوهات. نجت لا لأنّها أفضل نتاجاته كما غربلها الزّمن بالضّرورة، بل لأنّها أكثرها رواجًا. يُشار إلى طبعة للأعمال المسرحيّة الكاملة صدرت عام 2006، إلا أنّي لم أصادفها، وباتت قراءاتي معتمدة على ما قُرصِن من المسرحيّات القديمة، وما تسلَّل إلى المكتبات من نُسخ مستعملة. ولم يبق من الشِّعر إلا مجموعته الأخيرة «قفزة في الهواء» التي صدرت في ذكرى رحيله العاشرة عام 2014، ومختارات صدرت عام 2017، وربّما نفد هذان الكتابان أيضًا. طبعة «دار المدى» لأعماله الشعريّة الكاملة اختفت منذ سنوات. كانت طبعةً جميلة ضمن سلسلة أعمال شعريّة كاملة لعدد من الشّعراء: نزيه أبو عفش، محمد الماغوط، سنيّة صالح، أدونيس، سعدي يوسف، نفدت هي الأخرى، لولا تدارك أدونيس وسعدي يوسف أمرهما حين أعادا طباعة أعمالهما طبعة جديدة قبل بضع سنوات. حين أتذكّر أيّة قصيدة من قصائد هؤلاء الشّعراء أو أعيد قراءتها، أستعيد تلك الطبعة ذاتها. قرأتُ قصائد عدوان عام 2005 أو 2006. كانت تجربة لن تتكرّر. قرأتُ القصائد بتتابع جنونيّ وكأنّما الدّنيا ستنتهي خلال أيام. ما زلتُ أظنّ أنّ المقالات وبعض المسرحيّات، لا القصائد، أعظم ما كتب عدوان. لعلّ رأيي سيتغيّر لو أُتيحت لي فرصة إعادة قراءة القصائد كاملةً اليوم. ولكنّ هذا كلّه ليس مهمًا الآن. المهمّ هي حياة عدوان، وعشقه لتلك الحياة، وبراعة تبيان عشقه لها حين كتب عنها في كتابته عن أصدقائه الراحلين. تُقرأ مراثي عدوان، التي نشر بعضها في كتاب «جنون آخر»، بوصفها سيرةً ذاتيّةً مبعثرة كتب فيها عدوان نفسَه وحياتَه بقدر ما كتب الآخرين. هنا، فقط، يُزاح عشق الحياة قليلًا، أو ربّما يتخفّى قليلًا، ليواجه عدوان الموت بالكتابة، بالحياة، تحديدًا حين كتب عن سعد الله ونّوس الذي اختطفه الموت قبله بسبع سنوات. ليست مقالته القصيرة أعظم ما كُتب عن ونّوس بطبيعة الحال، إلا أنّ فيها التقاطات بارعة لم أجدها عند غيره. كتب عدوان عن ونّوس، وعن نفسه، وعن سوريا، وعن الثقافة، وعن معنى أن تكون كبيرًا بين الكبار، وكبيرًا بين الصغار.

يكتب عدوان عن رحيل ونّوس بوصفه نقطةً فاصلة في تاريخ ثقافة، نقطة تُميِّز المياه الشاسعة  حيث تتنافس الحيتان فَتَهِبُ المياهَ من عنفوانها؛ وتُميِّز المياه الضحلة، كأس الماء الصغيرة الشّحيحة، حيث لا مكان للحيتان، بل لأسماك صغيرة تافهة لا تدرك ضيق عالمها فتظنّ تلك الضّحالة هي الكون بأسره. حيتان في كأس ماء، هذا ما كان عدوان يرى نفسه وأمثاله النّادرين ممّن صمدوا في زمن الضّيق. أدرك عدوان احتماليّة تضاؤل أحجام هؤلاء النّادرين بعد رحيل ونّوس، فالحوت «يحتاج إلى مناخ وبيئة من الحيتان. ولكي تكون كاتبًا كبيرًا يجب أن يكون حولك شعب يستوعب كاتبًا كبيرًا، وكتّابٌ كبار يساعدونك على فرض قيمتك من خلال سعيهم لفرض قيمتهم هم.» لا حيتان في كأس ماء، ولا غابات في صحراء. لن تكون للشاعر قيمة حين تتمحور الأسئلة عن «أزمة الشِّعر»، ولن تكون له قيمة لدى قرّاء يقرؤون القصائد بمسطرة الاقتباسات. كان عدوان يرثي نفسه حين رثا ونّوس، كما نرثي أنفسنا مع كلّ راحل من الراحلين الذين يختطفون ذكرياتنا/ذكرياتهم معهم فنتضاءل حتّى لو لم نكن كتّابًا، كبارًا أو صغارًا. لا حاجة لأن تكون قريبًا من المبدع كي ترثيه. أتذكّر هنا تعليقًا ساخرًا لصحفيّ تحوَّل روائيًا ثمّ قرَّر استنساخ ألبرتو مانگيل، أو صورته الظاهريّة بطبيعة الحال، انتقدني حين كتبتُ قبل سنوات عن عدوان. كان يفترض عدم أهليّتي للكتابة عن عدوان لأنّي لم أكن أحد ندماء سهراته. نكتة دفعت جميع ندمائي في سهرتي السابقة للقهقهة بمن فيهم إنكيدو الذي لا يقهقه إلا نادرًا. ولكنّها كأس الماء الضحلة مرةً أخرى. إنْ كان عدوان أدرك انمساخ البحر الشّاسع إلى كأس ماء بعد رحيل ونّوس، فأيّ ماء بقي لنا الآن بعد أن رحل عدوان والماغوط وسنيّة صالح وهاني الراهب، إنْ اكتفينا بالسوريّين؟ لعلّ السّرطان الذي نهش جسد ونّوس أطلق بذوره في جسد عدوان، غير أنّ عدوان لا يكترث للرثاء في ذاته، بل يذكّر نفسه ويذكّرنا بوجوب عشق الحياة حتّى لو كانت طيف حياة في بلاد الضيق. ما دفعه لعشق الحياة أكثر، ولعشق ونّوس أكثر، هو أنّ ونّوس حوَّل سنوات الموت إلى حياة جديدة بالمطلق. كان نتاجه في سنواته الأخيرة أعظم ما كتب على الإطلاق، ولذا مضى إلى الموت بثقةِ المحارب الذي نفض غبار آخر انتصاراته. يذكّرنا عدوان أنّ الموت أضعف من أن نشغل أنفسنا به؛ الحياة أقوى وأجمل وأشدّ إغواء، ولذا لا بدّ من اعتصار دواخلنا قبل أن يعتصرنا الموت. لا بدّ من أن نواجه الموت بكبرياء «لأنّنا لم نترك وراءنا ما لم نعشه، وما لم ننجزه، وما لم نستمتع به. ثمّ نتقدّم لمواجهة الموت مُتخَمين بالحياة». ماذا بشأن ما لم ننجز، ما حلمنا بإنجازه؟ ينفض عدوان السؤال كما ينفض دخان سيگارته التي لم تنطفئ، ليذكّرنا أنّ ما بقي ليس لنا، بل لمن بقي وراءنا كي يبنوا عليه (وهذا نادر)، أو يدمّروه ليشيّدوا ما هو أفضل (وهذا أندر)، أو يهدموه لمجرّد الهدم كما فعلت أجيال متلاحقة طوال عقود وهي تسبح في مستنقعات الضّحالة (وهذا ما يحدث في الغالب).

ما الذي رآه هذا الرجل كي يعشق حياةً محكومةً بالموت؟ رأى الحياة، وتجاهلَ الموت، ببساطة.

*تنشر بالتعاون مع جدلية.