لم أستقل الطائرة يوماً لأسافر جواً إلى دمشق قبل أزمة البلاد، لعلني لم أحبذ المطارات رغم أن الطريق الفاصل بين مدينتي والعاصمة كان منهكاً وصحراوياً يبعث الكآبة طيلة فترة الرحلة.

هي تسع ساعات بالحافلة تفصل مدينتي القامشلي عن دمشق، ينهض الملل بجبروته ليحط رحاله على عشرات الكيلومترات من المسافات التي تبتلعها دواليب الحافلة وهي تمضي ثقيلة الظل على طريق الإسفلت الطويل؛ كنت أتوق لرؤية نهاية الطريق قبل انطلاقي صباحاً لأعبر تلك المساحات الطويلة والحارقة في الصيف، والضبابية الباردة شتاء لكن دون جدوى.

الحافلة لاتستغرق أكثر من ساعة لتصل مدينة الحسكة، وبعدها بساعتين تأتي استراحة دير الزور والمحطة الأخرى إلى تدمر.

نعم كنت أعشق بلور نافذتي وأنا أبعثر بناظري فوضى الرؤى، لأشم روائح عبق زنوبيا. كم كانت تسحرني إطلالات تدمر القديمة من بعيد كالظلال الخادعة تلوح لي وتختفي. كانت تستحق كل تلك التأملات داخل وهج الشمس الساطعة على طرقاتها، أو في ظلام الليل حين تكون الرحلة مساء؛ فحينها لن يتبقى إلا ثلاث ساعات ليطل وجه الشام كالحبق بياسمينها وصوت فيروزها ورائحة القهوة المغرية المنعشة كنسائم صباحاتها الجميلة، لكنها باتت ماضياً عابراً بين ثنايا الذاكرة بعد قصقصة مدن بلدي ورميها بعيداً عن جسد العاصمة دمشق.

لم تعد تلك المسافات مملة فقط بل مرعبة ورمادية. لم تعد تملك إلا خياراً واحداً يدق فزعاً في مخيلتك وهو نهايتك… خيار الموت المحتوم بعيداً عن ديارك وأرضك، وإن نجوت فقد تشتهر كنجم سينمائي لامع خاض مغامرةً بطوليةً.

وفي تاريخ 15 آذار 2013 كانت آخر عودة لي براً من “دمشق” إلى أحضان مدينتي في رحلة استغرقت 15 ساعة سارت بها الحافلة على طرقات الموت المنظمة بدقة.

مررنا على سبعة عشر حاجزاً للحكومة أنهكت قوارير الانتظار والترقب داخلنا حتى خروجنا من “الضمير” والوجهة بعدها إلى حواجز أكثر عدة وعتاداً مررنا بها حتى وصولنا إلى تدمر.

وفي كل مرة يلتفت سائق الحافلة إلينا نحن الفتيات غير المحجبات لينصحنا بتغطية رؤوسنا لكي نضمن تذكرة عبور آمنة على حواجز المجموعات المتطرفة التي تقاسمت السيطرة مع القوات النظامية على طريق الموت.

لم يفصل بين حاجز الحكومة وحواجز الفصائل المتطرفة سوى 100 متر أو أكثر بقليل، سمحت أن يحتفظ عناصركل منهم بملامح وتفاصيل من سبقه على الحاجز الثاني في ذاكرته، دون تدخل من كليهما في عمل الآخر ودونما اعتباره عدواً عليه إنهاؤه قبل أن يتكاثر كالطاعون ويفتك به. المسافرون على تلك الطرقات أدركوا معادلات العبور وخرائط السياسة وإدارة الاتفاقات ومشاريع المصالح والاقتسام.

لامار اركندي

ووصلنا هذه المرة إلى الحدود الإدارية لمدينة دير الزور. كانت ألسنة اللهب والدخان تخنق المدينة، كنا نراقبها بصمت، وعلى الجهة اليمنى مننا كانت أنابيب مياه مفتوحة ضخمة وممتدة على مساحات شاسعة توازي طريقنا. وقد أشار السائق إليها ليقطع عشرات الاستفسارات داخلنا عن ماهيتها قائلاً: “إنها لحراقات النفط التي باتت منتشرة بكثافة هائلة في عمق تلك المناطق.”

بدأت شعارات الفصائل المسلحة المتطرفة واضحة على جدران بعض محطات الاستراحة المهجورة على طول الطريق، تمثلت بجيش الإسلام، أحفاد الرسول، الخلفاء الراشدين، عمر بن الخطاب و…”

وقبل توجهنا هذه المرة إلى مدينة “الميادين” على الحدود العراقية التي لم نقصدها طيلة سفرنا إلى دمشق قبل الأزمة، تعرض لنا مسلحو فصيل آخر بأسلحتهم الخفيفة وذقونهم الطويلة المبعثرة المضحكة وبسراويلهم القصيرة وقمصانهم الطويلة. تُجبرك تفاصيلهم على الرجوع والعودة بالزمان 1400 سنة إلى الوراء. وقد وقف المسلحون يتمازحون فيما بينهم ومناديلهم السوداء في رقابهم إلا واحداً منهم أجهد في تغطية وجهه وعينيه بنظارات سوداء وقفازات بنية وحمل بين قبضتيه سلاحاً خفيفاً من نوع “الكلانشيكوف.” حاول هذا المسلح دفع أحد العناصر لدخول الحافلة بعد إجبارها على التوقف ومن ثم دخل مسلحٌ مراهق لم يبلغ من العمر 17 عاماً إلى الحافلة مقهقهاً فرحاً بسلاحه. فألقى التحية بالعامية البدوية قائلاً: “مرحبا يالربع”؛ حينها همس المسلح الملثم في أذنيه فأعاد تكرار التحية بالفصحى قائلا: “السلام عليكم، هل يوجد بينكم شبابٌ فار من النظام، أو من الخدمة العسكرية، ومن هم فوق 18 سنة، لو أراد فلينضم إلينا إما بإرادته أو بإرادتنا.” حينها تدخل السائق وطلب من معاون الحافلة أن يقدم لهم دفتراً بجدول اسماء الركاب وأعمارهم، ومن ثم بدأ المسلح الملثم بمراجعة الأسماء، وهمس للمسلح المراهق الذي استفسر عن اسم “نوروز” ومن هو من بين المسافرين. نهضت شابة شقراء فقالت: “أنا نوروز وأنا فتاة ولست شاباً وعمري عشرون عاماً.” عاد الملثم ليعطي تعليماته واستفساراته للمسلح المتطرف الذي رد على الشابة قائلاً :”نوروز اسم شاب وليس اسم فتاة بالكردية.”

ومضينا بعد محاولات حثيثة وعناء وجهد جهيد بإقناعهم بالهوية الشخصية للفتاة “نوروز”؛ فتحدثت مع نفسي كيف علم أن الكرد يستخدمون اسم نوروز للشباب ومن أين لهم العلم بذلك؛ هل الملثم رجل استخبارات، إذن فهم يعملون وفق توجهات خطيرة ستدفع بالبلاد نحو الهاوية.

لامار اركندي

الرحلة سارت بنا إلى الميادين، والغلبة فيها كانت آنذاك لجبهة النصرة، بأعلامهم وملابسهم المكتسحة بالسواد حيث يجوب مقاتلوهم الأقوياء بأجسادهم الضخمة وأسلحتهم الثقيلة، وسياراتهم المصفحة في المدينة كيفما شاؤوا، كانوا يشبهون المارينز الأمريكي باجسادهم العملاقة!

انتهينا إلى حاجزهم الأخير قبل مدخل مدينة الحسكة الذي يفصلهم عن حاجز النظام عشرات الأمتار لا أكثر، كانت البراميل المطلية بعلمهم الأسود موزعة على مسافات فاصلة بين كل منها قرابة الخمسة أمتار على عرض الطريق. مضت الحافلة بنا ورأينا هذه المرة علم النظام مطلياً على الجانب الخلفي لبراميل جبهة النصرة.

مررنا بهدوء على حاجز الحكومة ومنها إلى داخل المدينة وتوجهنا صوب مدينتي التي وصلنا إلى مشارفها. كانت غارقة في الظلام الدامس، ولكن لم ترهبنا عتماتها. أحسست أني في احضانها بأمان وسلام لن ينسلخا بسهولة عن وجهها الطفولي، تنفست الصعداء فبدا لي سواد ليل مدينة الحب الحالك جميلاً وبراقاً وخيم سحره على كل المحطات المضيئة الكئيبة والمخيفة التي مررنا فيها.