تواجه الصحفيات السوريات مخاطر كثيرة أثناء عملهن الصحفي ويُعانين من التمييز على أساس النوع الاجتماعي في أماكن عملهن. سعياً للحد من هذه المخاطر عبر تنفيذ برامج تتعلق بسلامة وأمن الصحفيات والصحفيين، أقامت شبكة الصحفيات السوريات جلسة حوارية بعنوان “حماية وسلامة الصحفيات والتحديات التي تقف أمام تقدمهن” ضمن أنشطة مؤتمرها السنوي الذي عُقد في مدينة اسطنبول التركية خلال شهر حزيران ٢٠١٩.

يسرت الجلسة لمى راجح (مديرة البرامج في مؤسسة شبكة الصحفيات)، وشاركت فيها المتحدثات: زينة إبراهيم (صحفية مستقلة)، راما ديب (صحفية مستقلة ومقدمة برامج)، وبشرى الدخيل (منسقة السلامة والحماية في مؤسسة شبكة الصحفيات)، وانضمت عن بعد ميساء المحمود (صحفية ومدربة ضمن مؤسسة شبكة الصحفيات).

غياب الأمان الوظيفي والتحرش في مكان العمل

ركزت الجلسة على أهم التحديات التي تواجه الصحفيات السوريات اليوم. أوضحت تجارب الصحفيات المشاركات في الجلسة أن أهم هذه التحديات هي غياب الأمان الوظيفي في المؤسسات الإعلامية لأسباب عديدة كظروف اللجوء، والعمل أحياناً من دون عقد عمل مما يحرم الصحفية/ي من تعويضات نهاية الخدمة، إضافةً إلى تعدد المهام الوظيفية. وأكدت كل من زينة ابراهيم وراما ديب غياب الشعور بالأمان الوظيفي ضمن المؤسسات الإعلامية السورية، واعتبرن أن هذا العبء مُضاعف على الصحفيات مقارنةً بالصحفيين نتيجة تحملهن مسؤوليات داخل وخارج المنزل، سيما في ظل عدم وجود عقود عمل تضمن حقوقهن وتشعرهن بالأمان ضمن المؤسسة.

ويأتي التحرش في مكان العمل على رأس العقبات التي تُعيق الصحفيات، فبحسب بشرى الدخيل (منسقة السلامة والحماية في شبكة الصحفيات السوريات) فإنّ الصحفيات يواجهن يومياً تحديات مثل: “التحرش في مكان العمل، والتنمر الإلكتروني، والتمييز المبني على النوع الاجتماعي، سيما في إجراءات التوظيف بين الصحفيين والصحفيات، واقتصارها أحياناً على المظهر الخارجي للصحفية وتوجهاتها الإيديولوجية، دون النظر لخبرتها.”

وأكدت راما ديب على بؤس واقع التحرش الجنسي الذي تتعرض له الصحفية في بعض الأحيان ضمن المؤسسات الإعلامية، حيث شاركت تفاصيل تجربتها في إحدى المؤسسات الإعلامية مشيرةً إلى أهمية عدم السكوت عن الانتهاكات الجنسية التي قد تتعرض لها الصحفية، وضرورة فضح المتحرش. ونبهت راما إلى أنّ “أول مشكلة تواجه الصحفية في مكان العمل تتجسد بردة فعل الإدارة (روحي قعدي ببيتك)، السلطة الذكورية في مكان العمل، والتمييز بناء على اللباس والمظهر الخارجي للمرأة، والذي يؤثر  على فرص عمل الصحفيات.”

التنمر الإلكتروني وتسليع عمل الصحفيات

تُشكل ظاهرتاتسليع الصحفيات والتنمر الإلكتروني تحديات إضافية في حياة الصحفيات السوريات. وأوضحت زينة إبراهيم أن هناك ازدياداًحالياً في ظاهرة “تسليع الصحفيات خاصة في قطاع الإعلام المرئي، حيث يتم اختيار المذيعات بناء على مظهرهن الخارجي وليس خبرتهن أو مهنيتهن”.  أما فيما يخص التنمر الإلكتروني فقد شاركت زينة معاناتها خلال عملها مع منصة “تلي أورينت”، وعدم قدرة المؤسسة الإعلامية على توفير الحماية للصحفيين والصحفيات منوهةً أن “حالة التحرش هي حالة عالمية تتعرض لها الصحفيات بكل دول العالم، ولكن الفرق بيننا كصحفيات سوريات وغيرنا من الصحفيات في دول أخرى، أنهن قادرات على الحديث، وكسر الحاجز، ويوجد قانون يحمي حقوقهن.”وتضيف زينة موضحة العقبات التي تعيق الصحفيات عن مشاركة تجارب تعرضهن للتحرش والتنمر: “أنا اليوم غير قادرة على القول أني تعرضت للتحرش في ظل بيئة ذكورية وفي وسط الشللية الموجودة على منصات التواصل الاجتماعي، ما يفتح الباب على حرب عبر الفيسبوك ضدي، وأصبح أنا المُلامة. يجب التركيز على الحماية والسلامة الرقمية للصحفيات لحماية خصوصيتهن من الاختراق”.  و أكدت هذا الأمر الصحفية راما ديب خلال مداخلتها: “أغلب المؤسسات الإعلامية اليوم لا تتبع سياسات خاصة بالأمان الرقمي وحماية المعلومات”.

مخاطر العمل الميداني على الصحفيات

تُواجه الصحفيات السوريات في الداخل السوري مخاطر عديدة كالتهديدات التي واجهتها ميساء المحمود (المقيمة حالياً في مدينة عفرين) من قبل بعض الفصائل المتطرفة نتيجة عملها كصحفية. وتوضح ميساء أن ما يزيد من خطورة هكذا تهديدات عدم وجود سياسات داخلية ضمن المؤسسات الإعلامية توفر الحماية للصحفيين والصحفيات أو تقدم إرشادات حول كيفية التعامل مع التهديدات التي تواجههم/ن في الميدان.

وأشارت ميساء إلى الحاجة الملحة داخل سوريا للتوعية بأهمية العمل الصحفي، وتوجيه البرامج الإعلامية للعمل على تغيير الصور النمطية لعمل المرأة، والتأكيد على أهمية المساواة بين الصحفيين والصحفيات ضمن المؤسسات الإعلامية، وتوفير سياسة أمن وسلامة سيما للصحفيات اللواتي يعملن في مناطق سيطرة الكتائب المتطرفة. كما أكدت على انعدام الأمان الشخصي في سوريا نهائياً مستشهدةً بتجربتها: “تعرضتُ شخصياً للتنمر والتهجم الالكتروني، والاعتداء الجسدي، وتعرضتُ للتهديد المباشر، وعدة محاولات خطف. لا يوجد اليوم جهة تتبنى دعم وحماية الصحفيات والصحفيين بشكل فعلي. اليوم النظرة للصحفية أن مكانها في المنزل وأن التغطيات الميدانية ليست لها، لكني ما زلت أشجع الصحفيات في الداخل على العمل الميداني”.

في سبيل التعامل مع التحديات والمخاطر المتنوعة التي تواجه الصحفيات، قدمت بشرى الدخيل لمحة عن الخدمات التي توفرها شبكة الصحفيات السوريات في حالات الطوارئ وكيفية التواصل مع المؤسسة: “سبق لنا تقديم دعم سريع لعدة حالات إخلاء للصحفيات في سوريا، بإمكان الصحفية التواصل معنا مباشرة في حال التعرض لأي خطر ميداني، أو مخاطر مرتبطة بالسلامة الرقمية، ونحن نقوم بالمتابعة المباشرة معها”. كما أشارت إلى جهود الشبكة في توفير الخدمات الاستشارية للمؤسسات الإعلامية لتطوير سياسات الحماية الحساسة للنوع الاجتماعي.

دعوة للتضامن النسوي

بعد استعراض الصحفيات لتجاربهن المتنوعة، دارت نقاشات بين الحضور من ممثلات وممثلي المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني حول كيفية المضي قدماً لتطوير سبل حماية وسلامة الصحفيات. توصل الحضور لعدة  اقتراحات من أهمها: أولاً، ضرورة زيادة التنسيق بين المؤسسات الإعلامية السورية للوصول إلى سياسات حساسة للنوع الاجتماعي، وتشكيل تنظيم رسمي يُمثل الصحفيات والصحفيين للتعامل مع الشكاوى وتحسين وضعهن/م القانوني في المؤسسات الإعلامية. ثانياً، توفير تدريبات للصحفيات مرتبطة بالحماية والسلامة الرقمية والتعامل مع المخاطر المحتملة. ثالثاً، تأسيس جهة إعلامية لرصد وتقييم محتوى الوسائل الإعلامية، بما يجعله منصفاً ولا يتضمن صوراً نمطية للنساء. رابعاً، المتابعة والتأكد من وجود وتطبيق السياسات الخاصة بالمساواة، والقضاء على التحرش الجنسي في المؤسسات الإعلامية، بالإضافة إلى وجود سياسة واضحة وآمنة عن آلية تقديم الشكوى في حال التعرض للتمييز أو التحرش في مكان العمل. خامساً، التضامن مع  الصحفيات وتشجيعهن على عدم السكوت عن التحرش والتبليغ المباشر. سادساً،  إعداد مدونة سلوك لتحسين وضع العاملات ضمن المؤسسات الإعلامية، وتحسين صورة النساء في الإعلام. وتجدر الإشارة إلى أنه قد سبق لشبكة الصحفيات السوريات أن قامت بإعداد مدونة سلوك لتحسين صورة النساء في الإعلام.