“دم على المئذنة”… ساحرة، وبقدر ما هي ساحرة هي قاسية، وبقدر ما هي قاسية هي حزينة… تكثف أوجاع الروح في بلاد منسية من التاريخ، مرمية في فيضانات الدم، حيث الموتى أرقام ليست للتأريخ… مرمية في مهب غبار أسود، يمضي بلا ذاكرة… لكن مهلاً، جان دوست يوقف زمن المجزرة هنا، يكثفه، بدهشة الألم، يعتصر القلب،  فيلتقط  الحنين الذي تختزنه ذاكرة الضحايا، كل باسمه، وهم يعومون في بحر الدماء… فلتهدأ الضحايا، لن ننساكم، ولن ننسى قاتلكم؛ ديكتاتوريات عسكرية بميليشياتها المتوحشة، حيث ينتعل القاتل في رأسه البوط المدمى بالضحايا، ويفكر به… عمائم دينية بتلونات العماء التاريخي واللطميات، وسيوفها السادية القروسطية تقطر دماً… أنظمة عنصرية فاشية، تدعي “الديمقراطية” تحقد على “الآخر” برؤى مجازر تاريخية، لا يمكن أن تتنصل منها، إلى حد إنكار وجوده التاريخي بمقتلة مستمرة… بنظام دولي، يسلع الناس لرائحة نفطه وتجارب أسلحته العابرة للقارات والألم… وفوق ذلك تنظيمات تدعي أنها “ثورية”، مزقت الإنسان جسداً وروحاً. جان دوست يفضح التاريخ المخزي للبلاد، ويؤصل لذاكرة الموتى ـ الأحياء في قلوبنا، ويجعلها عابرة للتاريخ، والآلام، كي لا ننسى المجزرة، ومن ارتكب المجزرة، ومن قاد المجزرة… كي لا ننسى من صرخ ذات مرة “حرية”، فتلاحقنا صرخته صدى مستمراً في الروح، ونعيدها وراءه في حاضرنا؛ “حرية، وسع المدى، بلا حدود، ندى القلب، بوصلة الأمل”.

يوثق جان دوست ذاكرة المجزرة، الغارقة أصولها في التاريخ، والمستمرة، بيد الأخوةـ الأعداء، وبيد الأعداء ـ الأعداء، فلا تتلمس رفيق درب سوى الموت. يوثق ذاكرة البلاد، منذ نهاية الاحتلال الفرنسي، مروراً بكل الأنظمة القمعية ـ الفاشية والطائفية العنصرية، التي تتوالى في المنطقة، وصولاً إلى لحظة صرخة “الربيع العربي”، الموؤدة بتكالب الجميع عليها، خوفاً من “فتنة الحرية”… هنا، تسير أحداث الرواية على حافة هاوية، بين خوف الانزلاق إلى الدعاية السياسية المباشرة الفجة، وبين تأصيل “الحكاية” للتاريخ وللمستقبل. هنا، يتحرك جان دوست بمهارة روائية على هذه الحافة، فلا يسقط في الهاوية، وإنما يمضي، فيفتح الفضاءات للذاكرة، فلا تعدو البلاد قطعة القلب فقط، وإنما كل البلاد المقهورة أيضاً.

وفي السير على حافة الهاوية، يلجأ جان دوست إلى تقنية بارعة، فيقدم سيرة للأحداث المختزنة في ذاكرة “طلقة دوشكا”، التي ستقتل سعد، المشارك في “ربيع الحرية”، ذات مظاهرة في شمال حرائق البلاد، في “عامودا”…  ذاكرة الطلقة منذ خروجها من مصنعها الروسي، بلمسة آلينا الروسية، العاملة  في مصنع السلاح، دون إدراك حملها للموت، ووصولها كإمدادات للموت في سوريا، ليتلقفها مقاتلو “حزب العمال الكردستاني” في إحدى قواعدهم في البقاع، كأدوات للنظام السوري في مساوماته مع تركيا، وسفرها مع مقاتلي هذا الحزب إلى الشمال، لتُخزن في أحد كهوف الجبال، حيث ستشهد نهاية مأساوية لعلاقة حب محرمة، بين مقاتل ومقاتلة من الحزب، كسروا حاجز المحرمات لديه، وفي النهاية تستقر الطلقة منتشية في جسد سعد، منطلقة من رشاش دوشكا الأخوة ـ الأعداء، “الأشاوس”، أدوات النظام السوري في قمع “انتفاضة الحرية” في الشمال الكردي… حكاية الطلقة، وليست “الوردة” أو “الكتاب”، على سبيل المثال، برمزيتها المختزنة للموت الغادر، هي أسلوب  أدبي أخاذ، أنقذ العمل ببساطة من فخ المباشرة السياسية، وفي الوقت نفسه فتح أفقاً لتلمس علاقة إنسانية مقموعة.

لكن قوة الرواية ومهارة جان دوست تتبديان، ليس في النجاة من الانزلاق إلى المباشرة السياسية، التي كانت تهددها في كل صفحة ـ للتعبير عما تختزنه روح الكاتب ضد الأنظمة السياسية، وإنما في أفق الرواية الأسطوري، الذي ينطلق من حادثة مأساوية صغيرة، يؤسطرها الكاتب انطلاقاً من زمن محدد، فيكسره إلى زمن مطلق، ويجعل “الحكاية” عالمية بإنسانيتها، تخترق الأزمنة والأمكنة. يكتب حادثة “الدم الذي يسيل من المئذنة” بنوع من “الواقعية السحرية”، التي انطلقت ذات زمن من أمريكا اللاتينية. لكن”الواقعية السحرية” لدى جان دوست تتأصل بموروث المنطقة، وبحكايات المنطقة؛ “المئذنة” برمزيتها الإسلامية كـ”إصبع الرب”. هذا الرب، الذي لا يملك قوة ولا تأثيراً أمام سيل المجازر التي تحدث في البلاد، حتى في مئذنته التي تدعو الناس باسمه للخضوع له بطقوس غيبية… إله عاجز منزوي في خيالات وأوهام المستضعفين، لا يستطيع أن يفعل شيئاً أمام قسوة قناصين من “الأشاوس”، يعتلونها “ليقتلوا المؤمنين”. وفي رمزية الدم المسال من كواتها، إشارة إلى عجز هذا الإله أمام كل من يرفع السيف باسمه ليقتل بوحشية سادية، بمن فيهم المؤمنون به. هي رمزية تكاتف “الأشاوس”، الأخوة ـ الأعداء الكرد، عملاء النظام الديكتاتوري، مع “داعش” النظام القروسطي… فالوحشية واحدة. تنطلق برمزيتها من هنا، من المئذنة. وكأن جان دوست يلخص تاريخ المنطقة؛ تكاتف الأنظمة السياسية الديكتاتورية مع الأنظمة الدينية ـ وهل هناك نظام آخر في منطقتنا!!! ـ، يتكاتف التعذيب السادي الوحشي في المعتقلات مع التعذيب الوحشي للسيف الإسلامي ـ بما يتجاوز “داعش” إلى مثيلات عديدة لها ـ.  من هنا نجح جان دوست ببناء “واقعيته السحرية” ـ الأسطورية بانفتاحها الإنساني وكسرها حدود الزمان والمكان. صحيح أن حادثة إطلاق النار من المئذنة كانت واقعية وحقيقية، إلا أن جان دوست التقطها من بين سلسلة الحوادث التي يذكرها في الرواية، ليبني عليها رمزية أسطوريته الناجحة بإسقاطاته الرمزية…. “المئذنة ـ الدم”، “الإله العاجزـ وحشية الإنسان”، “سادية الديكتاتور ـ وحشية الإسلامي”… وهذه الرمزيات ستتكرر في صفحات عديدة من الرواية، تعبيراً عن موقف ورؤية للعالم، إزاء ما يحدث في البلاد، وحتى في كامل المنطقة الواقعة في قلب حرائق لا تنتهي.

لكن حتى تنجح رمزية “واقعيته السحرية” كانت بحاجة إلى هلوسات شاعر، أقرب إلى الجنون بمظهره ولباسه ـ “التيشيرت الأحمر” ـ، كي ينطق “الحكمة” و”الرؤيا”، وهو يعيش جنون الحدث، ويرى الدم كيف يسيل من كوى المئذنة، ويتحول إلى سيل. ويتلقف هلوساته روائي عاجز في لحظات العنف هذه إلا عن المراقبة والتسجيل في الذاكرة، لكنه يختزن الحزن في قلبه ليفجره كتابة في اللحظة المناسبة، فتوثق شهادته “الحكاية” للتاريخ؛ “لن ننسى…”. والروائي صالح، بتأصيله للحكاية، يتحول إلى شاهد على المجزرة، وعلى المجازر، التي نالت الشعب الكردي عبر تاريخه.

   في لعبة روائية متقنة نعرف منذ البداية أن الروائي صالح هو جان دوست نفسه، مما يعطي العمل شحنة توثيقية عالية، بوجود المؤلف ـ المراقب في قلب الحدث. لذلك، ومنذ البداية، يتداخل مع أحداث الرواية نوع من الأوتوبيوغرافياـ السيرة الذاتية للمؤلف، وبالأحرى لعائلة المؤلف، ابتداءً من الجد، مروراً بالأب والأم، وصولاً إلى المؤلف، وانتهاء بلحظة هجرته من البلاد إلى الغرب. لذلك، وبتقنية روائية مبدعة، تشبه المونتاج السينمائي، تتناوب الفصول بين حكاية العائلة، وبين حدث المجزرة. لكنهما ليسا حدثان منفصلين، وإنما متشابكان، يقودان إلى ذروة واحدة هي مجزرة المئذنة، على الرغم من أسبقية حدث العائلة في الماضي على حدث المجزرة في الحاضر. ينمو الحدثان معا، فكل تقدم في حكاية العائلة يشرح لنا لماذا وكيف حدثت المجزرة. وحكاية العائلة ليست هي حكاية شخصية لأفراد بقدر ما هي حكاية شعب، لم تضع أرضه فقط على طرفي خط حديدي يقسم البلاد بين تركيا وسوريا، بل ضاعت أرضه بين أربع دول، لا تعترف بوجوده التاريخي، ولا بهويته الإنسانية والثقافية ـ الأنتربولوجية. لكن الحكاية الشخصية للعائلة ـ الشعب هنا تتحدى العوائق بين هذه الدول، وتحتفظ بالهوية ذاكرة للشعب؛ تتحدى قمع الذاكرة الديكتاتورية، تتحدى قمع العقليات الإسلامية القادمة من نفط الخليج، تتحدى الخراب الإنساني، الذي حملته التنظيمات الكردية، المسماة “ثورية”، في تشويه جوهر الإنسان…وهكذا، تقود “حكاية” العائلة إلى “حكاية” المجزرة. وستتشابه “حكاية العائلة” مع “حكاية الطلقة”، حيث سيتم من خلالهما ذكر وثائقية أحداث تاريخية، دون الانزلاق إلى المباشرة السياسية. وبهاتين الحكايتين يتم توثيق جانب مهم من تاريخ البلاد بشكل روائي متميز.

وبدلاً من ضمير “المتكلم ـ أنا”، الذي يسكب الكثير من المشاعر الذاتية والشخصية على الحدث في أي رواية، فإن الحدث ـ المجزرة يحتاج إلى مراقب خارجي أقرب إلى الموضوعية. وبدلاً من آلام المشاعر لدى “الأنا” ـ وإن لم تختف نهائياً ـ فإن الحدث نفسه هو اللاعب الأساسي، هو البطل في الرواية.

يلتقط المؤلف الحدث بمهارة، ويحوله إلى مادة درامية، تثير المشاعر الإنسانية في ذروتها… وهي الهدف الإنساني الأخير في الرواية، فليس المهم هو التوثيق، بل هو تحويل الحدث إلى ذاكرة حية؛ “لن ننسى..”، ومن ثم إلى رد فعل قوي برفض الظلم، مع تحديد أطرافه بوضوح. في هذا السياق تبدو حكاية العاشقين، العضوين في حزب العمال الكردستاني، مأساوية إلى درجة الذهول. فالمفترض في مثل هذه الأحزاب “الثورية” أن تقوم بتحرير الأرض والإنسان، لا أن تمنع علاقات الحب، كشكل من العلاقات الإنسانية، بانتظار بناء الدولة الكردية، وهو ما لن يحصل حالياً أبداً في ظل الظروف الدولية القائمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحب هو حاجة إنسانية عليا، وبدونه لا يكون الإنسان إنساناً. ورغم أن كثيراً من الروائيين الكرد عالجوا هذه الحكاية في موضوعاتهم، إلا أن جان دوست يكثف “الواقع” المؤلم في حادثة الكهف، بحيث تنفجر المشاعر الحزينة إلى ذروتها. فالفتاة روجين الحامل، تنتحر بإطلاق رصاص بندقيتها على نفسها لكي تنقذ فتاها العشريني جودي. وبدلاً من إعدام الفتى بعد انكشاف أمره بطلقات تنهي حياته بسرعة، يقرر المسؤول الحزبي حبسه حياً في المغارة، وإغلاقها عليه بصخرة كبيرة حتى الموت. يقوم المؤلف بوصف تفاصيل الموت بطريقة مؤلمة، بحيث يشعر القارئ أنه هو المحبوس في المغارة وأن العقوبة نالته، فيصل التعاطف مع الفتى البريء إلى ذروته، والحقد على المسؤول الحزبي ونظامه “الثوري” إلى أوسع مدى، بطريقة مؤلمة، كي تصل الحقيقة إلى الجميع؛ و”لن ننسى…”. وبالطريقة نفسها يقدم حادثة احتراق الأطفال البشعة في السينما، في أقسى تراجيديتها، ليس فقط مع فيلم مصري سخيف، مليء بالرعب، أجبر الأطفال على حضوره رسمياً، مقابل قروش تؤخذ منهم لدعم “الثورة الجزائرية”. وتبلغ التراجيديا ذروتها في لحظة الحريق، عندما تشتعل الشاشة والجدران، وكأنها جزء من الفيلم، فيما أهالي الأطفال في الخارج، يلعبون الداما ويشربون الشاي.

 كل الحوادث في الرواية رموز وإسقاطات، فالغراب برمزية التشاؤم، وهو يحط على مئذنة الجامع في تشرين، ينعق ولا يغادر مكانه، يرمز إلى حركة تشرين، التي أوصلت الديكتاتور إلى سدة الحكم، وخيمت على البلاد كابوس مجازر. ومع هذا الغراب جفت الينابيع وانقطع المطر، واختفى الكثيرون في سجون الدولة.

لكن ذروة الموت تحدث في المظاهرة السلمية ضد النظام السوري، حيث يتساقط المتظاهرون العزل واحداً تلو الآخر، فوق بعضهم البعض، تحت طلقات رشاشات الدوشكا. يسقط حتى من يقترب لينقذ صديقاً، تسقط قصة الحب الجميلة بين فتى وصبية، تسقط طفلة تحت عجلات سيارة برشاش دوشكا، تنقض على المتظاهرين.. يسقط كل شيء إنساني. هي الحقيقة، يقدمها جان دوست، ليس هناك بين المتظاهرين بطل “سوبرمان”، على طريقة الأفلام الأمريكية، هم أناس بسطاء، يكتبون رسائل حب، يدخنون، يشعرون بإنسانيتهم، ولا علاقة لهم بالسلاح والحروب، وهم سلميون، خرجوا بعفوية يطلبون “الحرية”، وتقف بوجههم ميليشيات شرسة وحشية، رباها النظام لمثل هذه المواقف. يتلقى المتظاهرون نيران رشاشات الدوشكا، ليس بقصد تفريقهم، وإنما بقصد قتل أكبر عدد منهم… وبهذا يتحول جان دوست إلى مؤرخ روائيً للثورة السورية السلمية ـ قبل أن تتشوه بالإسلاميين، لأن مثل حادثة القمع الدموي في هذه المظاهرة حدثت في جميع البلدات السورية، لا فرق إن كانت بلدات عربية أو كردية… وحادثة القمع الدموي للمظاهرة هي التي ستقود إلى حادثة المئذنة في اليوم التالي، حيث ستتكثف كل رمزية الرواية.

جان دوست روائي متمكن، تتماسك البنية الروائية لديه منذ البداية حتى النهاية، وهي نقطة مهمة تُحسب له، يمضي نحو هدفه بوضوح، دون أن يفقد بوصلته نحو موضوعه، ويبقى بعيداً عن الاستعراضية، والبوليسية، والمباشرة، وعن الفجوات، التي تخلخل الرواية، كانقطاعات، أو إضافات غير منطقية، فكسر حدة الرواية التقليدية. يكتب بلغة متينة، وإن كان غياب الفاصلة، كعلامة تنقيط، متعب أحياناً لإيصال الفكرة في جمله الطويلة. وهو في الوقت نفسه يمتع القارئ بتفاصيل صغيرة حميمية، مشبعة بالإنسانية: حكاية المرآة، التي تعكس وجه الحبيبة، ورمزية السنونوتين، حكاية البوصلة والمخبر، البناؤون المسيحيون ومنبر المسجد، موجبات الغسل، شتائم وتعليقات الشاعر..

في النهاية، يقدم جان دوست فصلاً صغيراً شديد الأهمية، عن هندسة الخراب، فبالإضافة للنظام يذكر دولاً وميليشيات بعينها، إيران وروسيا وتركيا، ساهمت في هندسة الخراب.. وهو يؤكد أن الثورة السورية أصيلة بسلميتها، ومن شوهها هم الإسلاميون، صنيعة النظام. وكما يؤكد أن لا فرق بين وحشية الطرف الكردي، المتعاون مع النظام، والداعشي، صنيعة النظام، وإن اختلفا في الأزياء والشعار.

صحيح أن جان دوست وثق في روايته كثيراً من الأسماء، الذين قتلتهم “الأشاوس الأكراد”، إلا أن هؤلاء كانوا رموزاً لما يقارب المليون قتيل في المجزرة السورية. وصحيح أن العاطفة الإنسانية، والموقف من الديكتاتوريات والأنظمة الدينية والتنظيمات الثورية، غلبت الناحية السياسية في بعض الصفحات، وهذا طبيعي، فهو ابن المنطقة وابن المرحلة المأساوية المستمرة، إلا أن “دم على المئذنة”.. هي رواية للذاكرة والتاريخ، رواية عن أوجاع أرواحنا المتشظية.