أعلنت أنقرة حديثاً بدء العمل على إسكان مليون لاجئ سوري في مدينتي تل أبيض “كري سبي” ورأس العين “سري كانية ” شمالي سوريا وتقديم الدعم لإنشاء مناطق سكنية جديدة لهم في الشمال السوري.

وقالت وسائل اعلام تركية أن أنقرة عينت ولاة أتراكاً للمدينتين مهمتهما إنشاء وكالات محلية لتطبيق القانون في تل أبيض ورأس العين وإدارة حكمها، تزامنت مع تصريحات الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” على عدم وجود أية مطامع لبلاده في الأراضي السورية، في وقت أعلنت فيه الحكومة التركية على لسان وزير خارجيتها “مولود تشاووش أوغلو”، خلال مشاركته في أعمال منتدى “الحوار المتوسطي” في روما، يوم الجمعة أن حكومة بلاده لا تنوي الانسحاب من سوريا قبل تحقيق تسوية سياسية للأزمة في البلاد.

وتتعرض تركيا لانتقادات من الدول الغربية والعربية بسبب إطلاقها، يوم 9 أكتوبر الماضي، عملية “نبع السلام” شمال شرق سوريا ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، حليفة واشنطن في الحرب ضد تنظيم داعش التي تسببت بقتل وجرح المئات من المدنيين بينهم أطفال.

وقدرت “الإدارة الذاتية” في بيان صدر عنها في 27 تشرين الثاني، عدد النازحين بـ 350 ألفاً من مناطق عملية نبع السلام، في حين انحصرت استجابتها لكل هذا العدد الضخم الذي أعلنت عنه، في إقامة مخيم “واشوكاني” قرب بلدة التوينة غربي مدينة الحسكة في بداية تشرين الثاني، وتخلي المنظمات الإنسانية عن دعم الفارين وأوضح الهلال الأحمر الكردي “أنه قد يتسع لنحو 3000 عائلة”. كما أعلنت عن إقامة مخيم آخر في بلدة تل السمن في ريف الرقة الشمالي لإيواء نازحي تل أبيض وريفها في 23 تشرين الثاني الماضي.

المسيحيون متخوفون

وبمساندة المدفعية التركية، تستهدف فصائل المعارضة السورية الموالية لتركية المناطق المدنية ومواقع قوات سوريا الديمقراطية في بلدة “تل تمر” الآشورية شمال غربي مدينة الحسكة وتشهد محاورها الواقعة في ريفها الشمالي معارك عنيفة منذ أسابيع على قرى ” القاسمية والعريشة والمحمودية ومناخ والدردارة”.

ويتخوف المسيحيون في تل تمر من احتلال تركيا والفصائل  السورية الموالية لها من المعارضة السورية لمدينتهم وقراهم، وتعرضهم لمجازر يرتكبونها بحقهم، لا سيما بعد بدء مرحلة جديدة من الدوريات المشتركة بين القوات الروسية ونظيرتها التركية، حيث جرى تسيير دورية مشتركة بين الطرفين على اتستراد M4، وبحسب المرصد السوري وهي مجموعة رصد موثوقة مركزها بريطانية جابت الدورية الـ 13 قرية ليلان التي تسيطر عليها فصائل “الجيش الوطني” حتى صوامع عالية التي انتشرت فيها القوات الروسية قبل أيام، وصولاً إلى غرب بلدة تل تمر عند الأوتستراد الدولي، لتنتهي جولتها عند قرية غيبش وعادت الدورية التركية إلى ليلان، بينما تابعت الروسية طريق العودة إلى مطار القامشلي.

ولم تخف “نيمو سركون” سيدة أرمنية التقيناها وشقيقتها “ازنيف” النازحة هي الأخرى من مدينة “تل أبيض” مخاوفها من تكرار مجازر سيفو بحقهم والتي نفذتها الدولة التركية بحق المسيحيين في سنة 1915، وتشير السيدة السبعينية إلى نزوحها من قريتها “المحمودية” للمرة الثانية إلى مدينة تل تمر بعد اشتداد المعارك فيها وتضيف: “خرجنا بثيابنا التي نرتديها أنا وعائلتي وأخفينا صلباننا خشية أن نتعرض لاختطاف على يد مجموعات المعارضة التي تختطف المدنيين في تلك المنطقة”.

انتهاكات الجيش الوطني

وتحدثت المعلومات الواردة عن هدم الفصائل الموالية لتركيا للبيوت في ريف تل أبيض كقرى “كورمازات” الواقعة جنوب المدينة بالقرب من صوامع “شركراك” على طريق حلب-الحسكة الدولي شملت منازل المواطنين الكرد المهجرين بسبب عملية نبع السلام من أهالي القرية بالإضافة لمنازل عناصر في قوات سوريا الديمقراطية”، وعن عمليات خطف ومطالبات بفدية مالية على غرار سيناريو عفرين وعمليات إعدام ميدانية بحق المدنيين وطواقم طبية قتلوا بذريعة أنهم مقاتلون من وحدات حماية الشعب.

ورصدت منظمة سوريون من اجل الحقيقة شهادات عن اعتقالات جماعية نفذتها الفصائل السورية الموالية لتركيا في تل أبيض بحق المدنيين وبينت المنظمة في تقريرها أن فصيل “الجبهة الشامية” على وجه التحديد، قد استخدم أسلوب الإيهام بالغرق[3] و الشبح العكسي[4] وطريقة الدولاب[5] لانتزاع اعترافات من 80 مدنياً بينهم نساء تم اعتقالهم مؤكدة أن أدوات صلبة وحادة استخدمت لضرب أجساد المحتجزين، الذين تجاوزت عمليات تعذيبهم الست ساعات.

وقالت منظمة سوريون أن الجبهة الشامية احتجزت أهالي قرية السرد/الدادات ذات الغالبية التركمانية  في أحد منازل القرية بينهم أكثر من 30 طفلاً وصادرت هواتفهم النقالة وبطاقاتهم الشخصية واستولى  عناصر الجيش الوطني على سيارات المدنيين ودراجاتهم النارية واستخدمتها في العمليات القتالية. كما استولى فصيل الشامية بحسب تقرير المنظمة على أملاك المدنيين الكرد من منازل ومحال تجارية وعفشها وحول منازل الأشخاص المنضوين ضمن قوات سوريا الديمقراطية إلى مقرات عسكرية للفصيل وأماكن \سكن لعناصره.

وقال “المرصد السوري لحقوق الإنسان “إن مقاتلاً في قوات المجلس العسكري السرياني التابع لقوات سوريا الديمقراطية قتل وأسر أربعة آخرين خلال المعارك التي شهدتها ريف تل تمر بين “قسد” والفصائل الموالية لتركيا. وأكد المرصد أن الفصائل طالبت المجلس العسكري بمبلغ 40 ألف دولار لقاء الإفراج عن المقاتلين الأربعة، وتحدث عن اعتصام المدنيين أمام النقطة التركية بقرية “العلي باجلية” شمالي الرقة، الجمعة منددين بسوء الأوضاع المعيشية التي يعيشونها ورفضهم للانتهاكات التي ترتكبها فصائل ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” في مناطقهم في تل أبيض ورأس العين وريفهما.

ورغم تحذيرات المنظمات الحقوقية والمحلية والدولية لتركيا من استمرار الفصائل العسكرية ارتكاب الانتهاكات والاعتداءات بحق الأهالي وممتلكاتهم، إلا أنها لم تتخذ أي خطوة لإيقافها أو محاسبتها، وسط اتهامات من أهالي المنطقة أن السلطات التركية موافقة ضمنيا على هذه الممارسات.

عناصر داعش في الجيش الوطني

وكشفت ” أزنيف” أنها شاهدت قبل فرارها من مدينة ” تل أبيض” بعد احتلالها بحوالى عشرة أيام عن مشاهدتها لمسلحين في الجيش الوطني كانوا من جيرانها لكنهم انضموا لتنظيم داعش الذي سيطر على تل أبيض في يوليو 2015وتضيف: “فيصل بلو المنحدر من مدينة تل أبيض انضم لتنظيم داعش وهو كان معروفاً لدى غالبية سكان تل أبيض لامتلاكه أراض زراعية وفيرة ومحطات لبيع المحروقات فيها، لقد عاد الى المدينة مجدداً باسم الجيش الوطني وكان أميراً لتنظيم داعش في تل أبيض. تعرفتُ عليه للوهلة الأولى حين خرج من سيارة جيب مصفحة مع عدد من جنوده حين طلبوا منا نحن المدنيين القلة الذين لم نتمكن الفرار حينها أن نكشف لهم عن العوائل والأشخاص الذين كانوا يعملون ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية من العرب لكن بالنسبة للأكراد الذين نعتوهم بالملاحدة والكفرة فقالوا لنا :’عليكم إبلاغنا عن كل عائلة وشخص وحتى طفل كردي سواء أكان على صلة بالإدارة الكردية أولا فهؤلاء جئنا من أجل ذبحهم‘”.

وأضافت: “الداعشي ’بلو‘ نكل بالمدنيين في المدينة وأمر بذبح العديد من الأبرياء روج عن مقتله قبل ثلاث سنوات لكن ذلك كان كذباً فهو اليوم في تل أبيض”.

 وتابعت: “لقد دمرت تلك الفصائل كنيسة الاستقلال التي كنت أواظب على أداء صلاتي فيها والقريبة من بيتي كما قال لي جارنا العربي الذي لازال في المدينة حين هاتفته قبل أيام وأحزنني أن الكنيسة باتت في حالة مزرية كما قال لي”.

المفوض الأعلى لشؤون “الشتات الأرمني” زاريه سينانيان قال في لقاء صحفي مع الصحافيين في العاصمة الأرمنية يريفان بأن القوات التركية تمنع أرمن مدينة تل أبيض من العودة إلى بيوتهم.

وبحسب الموقع الرسمي للإذاعة العامة لأرمينيا، فإن 3000 أرمني لا يزالون في شمال شرق سوريا وأُرغم بعضهم على مغادرة بعض المدن هناك إثر الهجوم التركي الأخير.

لم تكن “أزنيف” الوحيدة التي تعرفت على دواعش من أهالي المنطقة ممن انضموا بعدها للجيش الوطني فصهيب الحسن من المكون العربي والنازح من مدينة تل أبيض إلى الرقة شاهد هو أيضاً كما يقول في حديثه لنا: تفاجأت بـ”جاسم المحمد” الذي يعرفه العديد من أهالي المدينة وكان والده يمتلك شاحنة لبيع مادة المازوت ويرافقه في تجواله بين حارات وأفران وريف المدينة قبل دخول داعش لتل أبيض بأربعة أعوام وانضم لهم وكان ينكل بالمدنيين ويهدد بقتلهم حتى أنه اغتصب خمسة نساء من جيرانه بعد أن زج رجالهم في السجن. واليوم يعود ليحتل المدينة من جديد ويقيم فيها مع الفصائل المسلحة التي يعمل معها أولئك المؤتمرون بأوامر الرئيس التركي، فأردوغان منح هؤلاء الدواعش مدننا وأراضينا ليحيوا دولة الخلافة من جديد”.

وأفاد تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان عن وجود عناصر من تنظيم داعش المتشدد في صفوف الجيش الوطني، تشارك إلى جانب القوات التركية في قتال قوات سوريا الديمقراطية في جبهات تل أبيض ورأس العين وتل تمر وعين عيسى.

وأكد المرصد حصوله على معلومات تفيد أن المقاتلين غيروا أسماءهم وانتقلوا إلى القتال في صفوف الجيش الوطني.

وكشف حزب سوريا المستقبل الذي فقد الأمينة العامة لحزبه “هفرين خلف” على يد مسلحي الجيش الوطني واتهم بقتلها قائد أحرار الشرقية “حاتم ابو شقرا ذو السجل السيء في تهريب قادة داعش من دير-الزور إلى تركيا عن تهريبه لعدد من مسؤولين في تنظيم عناصر إلى تركيا وأشار الحزب في مقال نشره على موقعه الإلكتروني الخاص عن سجل لعدد من مسلحي تنظيم داعش من عدة محافظات سورية ويتواجدون في تل أبيض ورأس العين تحت اسم الجيش الوطني.

نشطاء يوثقون

ووثقت مجموعة نشطاء إعلاميين من مدن شمال شرق سوريا معلومات عن مسلحي تنظيم داعش من السوريينوانتهاكات الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية لها خلال عملية “نبع السلام” والتي يواكبون نشرها عبر صفحتهم على الفيس بوك وتويتر باسم ” نشطاء روجآفا” والتقيتُ “بسردار سربست” وهو أحد نشطاء الشبكة الذي كشف عن توثيقهم معلومات عن سوريين انضموا للتنظيمات المتشددة ومنها تنظيم داعش وقال: “التقينا العديد من المدنيين الذين واكبوا حقبة سيطرة التنظيمات المتشددة كأحرار الشام وجبهة النصرة وتنظيم داعش على مختلف مدن وبلدات المنطقة الواقعة تحت سيطرة الأكراد، والعديد منهم تعرفوا على مدنيين من سكان مدينتهم وقراهم انضموا لأولئك المتطرفين ومارسوا انتهاكات بحقهم والعديد منهم هربوا إلى تركيا ومنها إلى مناطق المعارضة السورية وأصبحوا موالين لأنقرة تحت اسم الجيش الوطني الذي غالبيته مسلحون من تنظيم داعش واحتلوا عفرين وتل أبيض ورأس العين ويحاولون غزو تل تمر المسيحية ولدينا أسماؤهم وصورهم وفيديوهات ومعلومات كاملة عنهم أرسلناها لجهات دولية معنية لمحاسبتهم”.

وأشار سربست إلى تنسيق الشبكة مع العديد من المواقع الالكترونية المتخصصة في شؤون الإرهاب ونشرهم تقارير تكشف عن مسلحي داعش الذين يقاتلون إلى جانب الجيش التركي باسم الجيش الوطني في عملية “نبع السلام” ضد قوات سوريا الديمقراطية حليف واشنطن في حربها ضد داعش.

تغيير ديموغرافي

واتهمت الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا، في بيانٍ لها الحكومة التركية  بالسعي لإحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة بعد سيطرتها على مدن وبلدات في الشمال السوري، خلال عملية “نبع السلام” التي شنتها مؤخراً ضد المقاتلين الاكراد.

وانتقدت الإدارة “صمت الأمم المتحدة” عن الممارسات التركية، واصفة السياسة التركية بـ “داعم للمشاريع الراديكالية بهدف خلق الفوضى، وتنفيذ أجنداتها في المنطقة”. وحذرا من كارثة حقيقية قد تخلقها ممارسات أنقرة في الشمال السوري، مضيفةً: “تركيا وبعد احتلالها لرأس العين وتل أبيض، وتشريدها لأكثر من 300 ألف مدني، تسعى إلى تغيير هوية هذه المناطق بشتى الوسائل والعمل على توطين لاجئين ممن لديها الآن والبالغ عددهم أكثر من 3 ملايين لاجئ بالتنسيق مع الأمم المتحدة”.

شراهة الأطماع التركية قد تلتهم مدناً أخرى كتل تمر والدرباسية والقامشلي وحتى الرقة ودير-الزور وسط صمت دولي وغض طرف قد يعيد تكرار سيناريو لواء إسكندرون وعفرين ومناطق درع الفرات وضمها لتركيا؛ فالخوف والقلق من المجازر ينتاب الأكراد والمسيحيين والعرب مع اقتراب توغل الجيش التركي وفصائل المعارضة الموالية لها في عمق مناطقهم وسط توقعات هجرة أعداد كبيرة منهم إلى أوربا بصفة دائمة بعد احتلال تركيا والفصائل السورية الموالية لها لموطنهم الأصلي شمال شرق سوريا.