في أواخر الألفية الثانية قايضت السوريات مصاغهن مقابل فرص عمل ورزق لأزواجهن وأبنائهن ولهن في حالات محدودة، فانتشرت في الشوارع أسراب من الحافلات الصغيرة الضيقة المعدة لنقل الركاب، دفعت ثمن العديد منها النساء من مصاغهن حتى انتشرت مقولة “أصبح ذهب السوريات كله في محلات الصاغة.”

ويعتبر المصاغ وخاصة الذهبي منه موضوعاً حياتياً عند العديد من السوريات، يعشن على أمل الظفر به، فهو كنزٌ من المال مخبأ في أيديهن وأعناقهن، وشرط لإتمام الزواج، وعلامة غنى وبحبوحة، و إشارات تترجم إلى: كل هذا لي، أو كل هذا كان مهري، أو أنني لم أخرج من الدنيا إلا بما يلمع في يدي من ذهب.

أتذكر ذاك الصباح، يوم سقطت قذيفة في بيت جارتي العازبة الستينية، كانت مدماة الوجه وشبه غائبة عن الوعي وهي تصرخ بي :الأساور!! تأمرني بأن أنزع أساورها الأربعة من يدها اليمنى وأخبئهم خوفاً من سرقتهم في المشفى أو موتهم معها.

فالحرب نشرت هستيريا تخبئة كل المصاغ حتى المحابس الزوجية، ونتج عن هذه الهستيريا فقدان المزيد من المصاغ بدلاً من حمايتها من اللصوص، فمن خبأت مصاغها في المدفأة أو في قماش الكنبة أو في الفرن أو الغسالة فقدته مع فقدان هذه الأدوات، وكأنها تهدي اللصوص أثاث بيتها مع جنى العمر، فلم يتخيل أحد أن عمليات “التعفيش” أي السرقة ستطال حتى محابس الزواج  وملاعق الطعام وعكازات العجزة وأغطية كراسي التواليت.

في الحرب أيضاً تخلت النساء طوعاً عن المصاغ، لتغطية تكاليف رحلات الأبناء والرجال لترتيب حياة جديدة بعد فقدان البيت والعمل وموارد الدخل. كذلك وافقت العرائس الجديدات على اقتناء أنواع أرخص سعراً من الذهب كالبرازيلي أو الروسي، واضطرت العديدات منهن حتى للقبول بإسوارة “زردة” من حديد مصبوغ بالأصفر ومنقوشة بنقوش جميلة كي لا تشعر بالنقص.

وازدهرت على هامش الحرب تجارة الذهب “الفالصو” كما يسمونه في اللغة الشعبية، ونما سوق آخر لشراء المصاغ الذهبية الحقيقية من المحتاجين بأبخس الأثمان، لأن الصاغة توقفوا حتى عن الشراء لنقص السيولة ولتذبذب الأسعار بصورة دراماتيكية ما بين صعود مفاجئ وكبير وما بين هبوط مدمر.

تسببت هذه التغيرات بخلق حالة من الكساد في سوق الذهب، وأجبرت المضطرات على بيع ذهبهن لسيدات مقتنصات للفرص، يملكن أموالاً يرغبن بمقايضتها بالذهب خوفاً من هبوط  قيمة أموالهن أو أن أموال “التعفيش” وتجارة الحرب صبت بين أيديهن وأردن تبديلها بسلعة أبقى وأكثر سهولة في الاقتناء.

في محل مشهور للصاغة في ساحة جورج خوري، الذي يسكنه ميسورو الحال، وتمتلك النساء القاطنات سياراتهن الخاصة ومصاغهن المشترى للزينة – لا لتوفير الأموال وادخارها- توافدت خلال خمس دقائق ثلاث سيدات، لبيع محابس الزواج، تذرعت الأولى والخجل يغمرها بأنها زوجة صائغ سابق خسر كل مالديه و المحبس لوالدتها المتوفاة وهي تريد بيعه لإكساء قبرها بالرخام المكلف، أما الثانية فقدمته للصائغ دونما مقدمات، وزنه، أعلن لها عن قيمته، هزت رأسها بالإيجاب، قبضت المبلغ الضئيل ومضت وعيناها متسمرتان في الفراغ، أما الثالثة فقالت إنه ضاق على إصبعها والموضة الآن هي الذهب الأبيض وبالتالي ستضع في إصبعها محبسها الماسي حسب ادعائها.

ورغم تردي سوق الذهب، إلا أن حركة البيع جعلته يحافظ على قوته، وخاصة لمن استطاع البقاء على قيد العمل من الصاغة، لكن البيع انحرف انحرافاً عميقاً من وفرة بيع المصاغ والطلب على الأحدث والأجمل وتبديله، إلى اقتصاره على الأونصات أو الليرات الذهبية لأنها أضمن اقتصادياً ولا تكلّف مقتنيها بدفع قيمة الشغل ( أي كلفة الصياغة) كمبلغ إضافي.

ويتركز هدف الأونصات أو الليرات على الادخار وتحويل الفائض من تجارة الحرب والتعفيش أو بيع العقارات إلى قوة رأس مال صافي وقابل للتدوير دونما خسارات تذكر خاصة بعد حالة الثبات النسبي لسعر الذهب.

ويُلاحظ الآن تغير ملفت، وهو الحضور الكثيف عند محال بيع الذهب في بعض المناطق، وأصبحت العديد من النساء يشترين ويرتدين الذهب ليبان علناً ويلفت الأنظار، لا ليحفظ فقط. وفي المقابل أيضا هناك حضور كثيف وإقبال أكثر كثافة على المجوهرات التقليدية التي شهد سوقها كساداً في السنوات الماضية، وأعلن بعض الصاغة عن عروض توفيرية ورخص على تلك المجوهرات، كعرض ثلاثة قطع بألف ليرة مثلاً، أو القطعة بخمسمائة ذهب روسي ومكتوب عليه مكفول!

يبرر أحد باعة الذهب هذه الظاهرة إلى أن عائلات مهاجرة ترسل لذويها مبالغ بالعملة الأجنبية لتشتري لها ذهباً، مضيفاً “الذهب عنا أحلى وأرخص.” كما أن بعض النساء يتلقين أموالاً محددة من أبنائهن لشراء الهدايا للزوجات الأجنبيات أو للأطفال حديثي الولادة وخاصة المصاحف وآية الكرسي والصلبان وصور القديسين. بالمُحصلة لا انتعاش يذكر في سوق الذهب، ولا اكتفاء يلحظ أو يشي بوفرة طارئة أو استقرار، هو تكيف مع الوضع الحالي.

و سوق المجوهرات التقليدية مبهر، يحتال باستنساخ كافة نقوش الحلي الذهبية، يخفف البائع من سطوة الخسارات في حال التلف السريع للحلية التقليدية قائلاً “ادهنيها بطلاء الأظافر كي لا يتغير لونها! البسيها فوق كنزة بقبة عالية كي لا تسبب لك التحسس، لا تقربيها من البارفان أو الصابون، لتحافظ على لمعانها!”

كل شيء يبان بنقيضه، والحياة تؤكد خساراتها -على حضور النساء -وحيواتهن بحلي قصيرة العمر، مثلها تماماً، وما كان زوادة  للأفراح أو للأحزان الطارئة، التهمته الحرب بشراهة، وما تفتقده الأيدي والأصابع والأعناق ظل باهتاً ومخففاً لما تفتقده المشاعر والأحاسيس والأجساد وخاصة العيون والقلوب.