-١-

على شاشة الفاجعة السورية، يظهر المقاول ورجل الأعمال رامي مخلوف من جديد كي يثير الجدل والتكهنات في الإعلام الاجتماعي، لكن ظهوره هذه المرة يختلف جذرياً عن ظهوره الأول عبْر تصريحات لصحيفة النيويورك تايمز قال فيها ناطقاً باسم النظام بأننا سنقاتل إلى النهاية، ولدينا رجال كثيرون، وإذا ساء الوضع في سوريا لن يكون هناك استقرار في إسرائيل، وإن البديل عن النظام السوري هم السلفيون. وكان هذا الظهور كافياً كي يقنع الناس جميعاً آنذاك أن رامي مخلوف كان من أركان النظام السوري الأساسيين، وأنه امتلك القدرة على أن يكون ناطقاً باسمه. وبعد مرور ٩ سنوات يظهر رامي مخلوف في زاوية ضيقة من فيلا لا نعرف أين تقع كي يبث رسالتين مصورتين عبر الإعلام الاجتماعي، وهو هنا يبدو كما لو أنه فقد رصيده السلطوي ويتم إفراغ خزائنه الخاصة من آخر أكداس الدولارات التي فيها. وما بين الرسالة الأولى في النيويورك تايمز والرسالة الثانية (المؤلفة من ظهورين مُصوّرين) في وسائل التواصل الاجتماعي مرّت سنوات مأساوية دُمرت فيها أجزاء كبيرة من كثير من المدن السورية وانهارت البنية التحتية وتحول رجال الأعمال ومنهم رامي إلى ممولي ميلشيات رديفة للنظام أو داعمين للتيارات الجهادية ومغذين للخطاب الطائفي، وتغيرت طبيعة السلطة وصارت أكثر عناداً وفقدت قدرتها على المناورة، بل يمكن القول إنها فقدت دهاءها المعهود. وصارت القرارات تُتخذ في طهران وموسكو بدلاً من دمشق، والطيران الإسرائيلي يعربد في السماء السورية دون أن يكون هناك من يقدر على صده. ويمكن أن يستشف المرء من قراءة ما يجري بين السطور في سوريا أن السلطة أحياناً تُحْشر في زاوية تضطر فيها إلى التهام أجزاء من نفسها كي تستمر آليتها غير أن هذا الالتهام قد لا يكون كاملاً وخاصة إذا لم تكن الأطراف المطلوب التهامها لقمة سائغة. هكذا يغيب اللعب، ويحلّ نوعٌ من التشليح العلني، وهذا ما يحدث لرامي مخلوف، ولكن هذا لا يمكن أن يكتمل وصفه إلى أن تنكشف حقيقة الأمور، ويصبح بوسع الباحث الحصول على معلومات دقيقة تساعده في فهم حقيقة ما يجري.

-٢-

وصف الكاتب الأميركي اللاتنيي إدواردو جاليانو السلطة بأنها عزفٌ باليمنى وأخذٌ باليسرى. يشير هذاالوصف إلى استراتيجيات للعب، والمناورة، للتمويه، والتضليل، لخلق الأوهام ولادعاء الموضوعية. ووسط هذا الجو الضبابي المصنَّع يتم امتلاك الثروة وتوزيعها على المقربين، وتتراوح الحصص بين كبيرة وصغيرة، بل يتحول الأمر إلى شبكة تضع يدها على الاقتصاد وعلى الضروع التي تدر أكثر من غيرها لبقرة المال الحلوب. تميزت السلطة في سوريا تاريخياً بالدهاء الشديد، فقد استطاعت، كما قال مرة الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين في زيارة إلى دمشق، أن تخترع بلاغة ضحكت بها على الناس كلهم،  حول دحر الإمبريالية ومواجهة الصهيونية واحتواء الإسلام الرجعي والوحدة العربية، ومن خلال هذه البلاغة كانت تفتح قنوات أخرى لتدفق الأرياع. كما قامت السلطة ببناء شبكات داخلية وخارجية لحماية تدفق الأموال إلى الجيوب الخاصة، والشبكات الداخلية التي كانت تجمع بين رجال السلطة ورجال الأعمال يتحدث عنها بالتفصيل وبتحليل منهجي عميق كتاب مهم للباحث الأميركي من أصل لبناني بسام حداد، صدر عن جامعة ستانفورد بعنوان “شبكات الأعمال في سوريا: الاقتصاد السياسي للمرونة الاستبدادية”. كانت تلك أوقات اللعب الذكي والدقيق للحفاظ على استقلالية القرار السلطوي، لكن الوضع مختلف الآن، إذ لا يوجد عزف ولا لعب، كما كان الأمر في العقود السابقة، بل تهيمن حالة مباشرة فجة وأوامر واضحة صارمة ورجال أمن أشداء يأتون كي ينقلوا الأوامر، وهذا ما حصل مع رامي مخلوف صاحب شركة الاتصالات سرياتيل، الذي وصلته أوامر بدفع مبالغ كبيرة، ثم تلتها أوامر أخرى له بالتخلي عن شركاته وتسليمها، مما دفعه إلى ظهور فيديوي أول وثاني، عرف عن نفسه فيهما بأنه كان “أكبر داعم” و”أكبر خادم” و”أكبر راعي” للأجهزة الأمنية التي جاءت كي تجرده من أملاكه. ولعب بضمائر اللغة كي يضع نفسه في سياق جماعي حمّال أوجه، فقد قال إن هذه “مخاطرة كبيرة بوجودنا، باستمراريتنا”، وأنه غير قادر على تنفيذ الطلبات المقدمة إليه. فهل يشيرالضمير ”نا“ هنا إلى عائلته، أم إلى الطائفة العلوية التي يدعي تقديم خدمات لها؟ الطائفة التي خسرت خيرة أبنائها في حرب عبثية يبدو ألا نتائج لها تلوح في الأفق على صعيد حل يخرج الشعب من شباك الفقر والحاجة والبطالة والتهميش الاجتماعي واحتمالات العنف المستقبلية.

يتحدث رامي مخلوف في الفيديو الثاني عن مفهومه للسلطة، بأن السلطة هي كي تخدم الناس، لا لكي يخدمها الناس، وأن ما جرى يُعتبر تعدياً على الملكية الخاصة، وأن السلطة لم تُمْنح من أجل الضغط على الآخرين، متناسياً كيف أن هذه السلطة التي ينتقدها هي التي منحته امتياز الحصول على ما دعاه بـ”جنى عمره”، أي مال الشعب السوري الذي لم يصله منه إلا الفتات. يتحدث رامي مخلوف عن الخدمات التي قدمها، والتي لا ترقى إلى شيء يذكر يتجاوز الوجبات والمبالغ الصغيرة المحدودة. ويعرف رامي مخلوف أن قرى الساحل السوري التي يمكن أن يشير إليها ضمير “نا” لم تشهد تبرعاً منه ببناء مستوصف أو مستشفى أو مدرسة أو جامعة أو مركز أبحاث، ولا شك أن فلاحاً سورياً في هذه القرى الساحلية والتي يُصنف جميع أبنائها بإجحاف في  خانة الموالاة المطلقة بسبب النظرة الطائفية السائدة في الوسط السوري، إذا تعرض لأزمة قلبية لن يجد مستشفى في قريته أو القرى القريبة وقد يموت على الطريق إلى المدينة. ويعرف أبناء ريف الساحل السوري جيداً أن أموال رامي مخلوف ليست لهم، لكنهم لا يعرفون أنهم يموتون في حروب خاسرة، كان يمكن تجنبها بالحوار، بتخفيف القبضة الأمنية، بالتخلي قليلاً عن مقاليد السلطة ومشاركة الآخرين بها، لكن الذين قال رامي إنه كان خادماً لهم أعلنوا استعدادهم لحرق سوريا كلها من أجل السلطة، وقد فعلوا هذا، بعد أن دمروا المدن وأفسحوا المجال لتخريب البنية التحتية، وسمدوا التربة لنمو التيارات الجهادية واستيراد مقاتليها، ودفعوا أجيالاً من الشباب إلى محرقة المعارك لأنهم لا يريدون أن يشاركوا أحداً في السلطة، لأن هذا البطر السلطوي الفالت من عقاله، والذي دفع أشخاصاً إلى التبجح باستلام مدن لإذلالها أو تركيعها، دون أن يفكروا للحظة أن هذه المدن هي أفق لهم ولأبنائهم، أفق للأجيال السورية القادمة كلها، هذا البطر مازال يُسكر كثيرين، ويجعلهم يظنون أن الكرسي لهم ولا يمكن أن يشاركهم فيه أحد. وفي بلد يعيش على خبز التمذهب والتعصب والثقافة الدينية كان من السهل أن يتحول البلد إلى كيانات طائفية، وأن يتم التخندق والاصطفاف.

عقاب إلهي مغلف بورق سيلوفان التنصل
لا يوجد في ما يقوله رامي مخلوف بوادر تمرد واضحة بشكل مباشر، بل اختار كلماته بعناية وغلّف ما أراد قوله بسيلوفان الخضوع والامتثال والولاء للرئيس الذي يسميه “صمام الأمان”، وداخل هذا السيلوفان تحدث عن “أيام صعبة”، وأنّ الأمر ليس مزحة وأن الموضوع حساس. وأشار إلى أطراف أخرى لم يسمّها طلب من الرئيس أن يوقفها عند حدها، وأن الوضع إذا استمر قد يؤدي إلى ”عقاب إلهي“. كانت الجمل التي نطقها رامي مخلوف مدورسة بحيث يمكن التنصل منها بسهولة، كما لو أنه يمتثل ويتمرد في آن، يوحي ويخفي ما يوحي به، يقول إن الرئيس صمام الأمان والساهر على تطبيق الدستور وأننا كنا معك وما زلنا معك و”حطّينا الغالي والنفيس”، ثم يشير إلى أن الوضع سيتفاقم ويكون خطيراً إذا استمرت الأمور هكذا، ويتحول إلى عقاب إلهي.
سيرى المشاهد العادي للفيديو شاباً وسيماً وطويلاً طالت لحيته أو هو يربيها، يلوم الآخرين الذين خدمهم على خيانته، ويبدو واضحاً أنه تلقى أوامر للتخلي عن شركاته ولتسليم أمواله كلها، لكنه قال إن هذا جنى عمره وتجربته الطويلة وأنه مؤتمن عليه، كما لو أنه يقول إن هناك من هو أعلى منه طلب منه أن يستلم ويدير الشركات ولن يتخلى عن هذه الأمانة. وكان قبل هذا، قد تنازل عن أملاكه في ٢٠١١ وحولها إلى قنوات للأعمال الخيرية، كما قال، كي لا يحرج السيد الرئيس.
في المكان الذي جلس فيه رامي مخلوف كي يسجل رسالتيه الأولى والثانية تبدو في الخلفية أكداس من الحطب، الذي يستخدمه للشيمينيه في فيلته التي قد تكون في الصبورة أو صلنفة أو في مكان ما في روسيا، أو في أي مكان آخر، حيث تستطيع أن تبث رسالتك عبر الإعلام الاجتماعي. في هذه الرسالة يتحدث الحطب أيضاً، كما لو أن رامي يهدد دون أن يعبر عن ذلك في كلمات، بأن ما يجري خطير، وأنه يفسح المجال لإشعال نار ستأكل الأخضر واليابس، هذه هي رسالة الحطب في الصورة، وهي في تحليل أكثر تمعناً، تعكس حالتين، حالة الرخاء، في وقت تخلو فيه سوريا حتى من حطب التدفئة ومن كل ما يجعل الحياة سهلة لمواطنيها، وإمكانية أن تكون إشارة إلى ما يمكنه فعله، (إذا صحت التكهنات بأن رامي طرف في انشقاق لم يُعلن عنه بعد في السلطة، انشقاق فرز رموزها في ظلين، الظل الروسي والظل الإيراني). وإذا ما صحت هذه التكهنات فهذا يعني أن ما يقوله رامي مخلوف هو التالي: إن الحطب الذي خلفي يا سيادة الرئيس هو المحتوى الحقيقي لرسالتي إليك، فبادر إلى التصرف وأبعدهم عني، قبل أن تشتعل النار، “لأننا” قادرون على إشعالها. ولا شك أن كثيرين سيتوقفون عند هذا الضمير “نا” ويدخلونه في تصنيفاتهم الجاهزة.