يجتمع أفراد عائلة الحاج محمود، وهو من قرية الباره، في سفح أرض خضراء مزيّنة بالأزهار البريّة المنوّعة في جبل الزاوية بريف إدلب، فيما يطلقون عليه “السيباني أو السيران” وهي الرحلات للطبيعة التي تأتي مع دفء فصل الربيع.

وكما عائلة الحاج محمود تتجاهل العديد من العائلات الإدلبية الباحثة عن الراحة والاستجمام في الطبيعة، أصوات الطائرات الحربية التي تخترق أجواء المنطقة لتزرع الموت، إذ أصبحت الطبيعة المحليّة والبحيرات والمنتزهات البسيطة هي المنفذ الوحيد للسياحة والتنزه لسكان مناطق سيطرة المعارضة في الشمال، بسبب صعوبة سفرهم للمناطق الجبلية والساحلية الواقعة تحت سيطرة النظام، إضافة للوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب الذي تعاني منه أغلب العائلات.

يقول الحاج محمود (60 عاماً) “تفرض الطبيعة هنا على المرء -مهما كانت ظروفه- أن يخرج ليستمتع بجمالها، وهي المُسكّن الوحيد لينسى مايعيشه من واقعنا المؤلم”. من جهته يروي مناف وهو الاابن الأكبر للحاج محمود كيف ذهبت العديد من العائلات للتنزه في الجبل المجاور لكفرنبل بريف إدلب الجنوبي في اليوم التالي تماماً لمجزرة راح ضحيتها ٢٠ شخصاً في كفرنبل بريف إدلب الجنوبي الشهر الماضي، إثر  استهداف القوات السورية للسوق الرئيسي للمدينة بعدة صواريخ، إلا أن هذا لم يمنع الأهالي من التنزه بعد الانتهاء من إعمال الدفن، مضيفاً “حياتنا مستمرة بالرغم من المآسي، والحي أبقى من الميت”.

من الوجهات السياحية أيضاً في ريف ادلب البارة وسرجيلا وهي من الآثار الرومانية القديمة التي ماتزال موجودة في جبل الزاوية. مفيد الأحمد وهو من أهالي المنطقة يشير إلى أن آلاف الزائرين والسوّاح كانوا يزورون هذه المعالم الأثرية من مختلف دول العالم وأروبا قبل اندلاع الحرب، فتاريخ هذه المنطقة يعود إلى العصور البيزنطية والرومانية ما قبل الميلاد، وهي  وتضم عددا من المدافن والأديرة كدير سوباط و قلاعاً مثل قلعة أبو سفيان… وقد اتخذ بعض النازحين من هذه المباني سكناً مؤقتاً بعد أن بنوا فوقها أسقفاً اسمنتية أو بلاستيكية وخيماً.

وإلى جانب الطبيعة ومنتزهاتها والأوابد الأثرية، تم إنشاء العديد من ملاعب كرة القدم في ظل الثورة والحرب وحدائق الألعاب للأطفال في البلدات الكبيرة مثل كفرنبل، ويقول مسؤول المجلس المحلي فيها مرعي (41عاماً): “لا يولي المجلس اهتماماً لإنشاء المتنزهات أو الملاعب، لوجود أولويات أكثر ضرورة في ظل الحرب، خاصة في ظل انتشار الفقر والعوز بين السكان، لكن هناك بعض المبادرات الفردية لبناء ملاعب لكرة القدم من قبل أشخاص ميسورين، كالملعب الذي بناه اسماعيل محمد الرحال غرب كفرنبل و الملعب الذي بناه المرحوم رائد الفارس أيضا في نفس المدينة بمساعدة منظمة URB.”

وفي معرة النعمان التي تتعرض للقصف بشكل شبه دائم، يخرج أهلها أغلب وقتهم في الربيع للمزارع والأراضي الزراعية المحيطة للتنزه، وعن هذا يقول الحاج معتصم الفرا وهو من أبناء المدينة ” قام المجلس المحلي بإصلاح الحديقة الوحيدة فيها بعد أن أفسدها القصف وبناء منتزهين آخرين، ولكن الناس يفضلون الخروج إلى خارج المدينة للاستمتاع بالطبيعة بحرية وبدون خوف من القصف”. أما  في إدلب المدينة، فيشكل كورنيش المدينة (المحلق) وجهة رئيسية للتنزه، إضافة للمزارع الخاصة القريبة، وذلك رغم وجود بعض الحدائق وإعادة تأهيلها من قبل المنظمات المحلية كمنظمة بنفسج.

يقول مسؤول قسم ترميم المرافق العامة في منظمة بنفسج ياسر (35 عاماً) بأن المنظمة قامت بإعادة تأهيل حديقة المثلثة وإنشاء بعض الألعاب فيها للأطفال، كما رممت بعض الألعاب في حديقة الماظة والمشتلو ومع ذلك يؤكد أن تلك الحدائق ما  زالت بحاجة إلى عناية أكثر حيث تعاني من نقص في خدمات التنظيف ، خاصة بعد استخدامها من قبل الأهالي لوضع المولدات الكهربائية فيها.

وقد وجدت بعض العائلات حلولاً أخرى للاستجمام كالعم بهيج، وهو من سكان إدلب المدينة، حيث يعمد إلى استئجار مسبح خاص في المزارع القريبة، يقضي فيه مع عائلته بعض الوقت بعيداً عن المدينة.

يقول بهيج: “القصف على المدينة مستمر دائما، ولكنا تأقلمنا معه، فلم نعد نخاف كالسابق وزاد إيماننا بقضاء الله وقدره “. أما  الشاب شاهين من قرية معرة حرمه (26عاماً) في ريف إدلب الجنوبي فهو يفضل الذهاب إلى النهر البارد وعين الزرقا في شمال إدلب مع رفاقه ليقضوا أوقاتاً سعيدةً ، يقول شاهين : ” لن تحرمنا الحرب من أن نستمتع بحياتنا وبطبيعة بلادنا الجميلة، فحتى لو حرمنا من الذهاب إلى البحر للسياحة ، لدينا بحيرات جميلة هنا نستطيع السباحة فيها كبحيرة رام الجوخي غرب قريتي معرة حرمة3 كم والعين الزرقاء في دركوش في ريف إدلب الشمالي والنهر البارد بالقرب من جسر الشغور”.

لطلاب وطالبات الجامعة أيضاً رحلات دورية لهذه المناطق  يقومون بها بشكل منفرد أو ضمن النشاطات الجامعية، زاهر طالب هندسة ميكانيك يدرس بجامعة إدلب، يوضح أن هذه الرحلات مجانية وترفيهية تمولها إدارة الجامعة من مكتب الطلبة بدعم من منظمات متبرعة في المنطقة مثل منظمة منار السبيل ومنظمات تركية أيضاً.

هذا ولاتزال صالات الأفراح عامرة بحفلات الخطوبة والزواج في المدينة والريف الإدلبي برغم الجنازات والمآتم العديدة، أم جميل خطبت لولدها الثاني وحددت العائلة ثالث أيام عيد الفطر يوم زفافه، بعد عام ونصف على مقتل ولدها البكر جميل ولكنها تؤمن بأن الحياة سوف تستمر بحزنها وفرحها، تقول “لقد أصر ولدي على أن يستأجر صالة للأفراح يوم خطبته مع عدم الاستغناء عن مراسم الاحتفال من طرب ومرح”.