تتميّز الهوية الوطنية بارتباطها الوثيق بمفهوم الدولة الحديثة وحقوق المواطنة المتساوية التي تصنع شعبا، عن مفهوم الهوية بشكل عام والتي تنداح بين الهوية الشخصية أو العائلية التي تقوم على النسب وتستمر في القبيلة والعشيرة وصولا إلى القومية، مرورا بالعصبيات التي تقوم على انتماءات مناطقية ما دون الدولة الحديثة، أو تلك الانتماءات ذات البعد الديني المذهبية والعقائدية، وصولا لانتماءات أيديولوجية وسياسية ليس بالضرورة أن تتوافق مع الهوية الوطنية.

والهوية بشكل عام تميّز مجموعة بشرية عن المجموعات الأخرى، وبداية التميّز التي عرفتها الشعوب وجدت في عصبية النسب أو الدم، التي تطورت داخل مفهوم العشيرة أو القبيلة للوصول إلى عصبية القوم، وفق ابن خلدون “1332- 1406” الذي درس في الجزء الثالث من مقدمة كتابه الأول “الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية”، نشوء العصبية كرابطة نسب أو قرابة، وقد تكون بالولاء أيضاً، مؤكدا أن مفهوم العصبية يتصل أو ينتهي بالضرورة إلى السلطة، حتى قبل نشوء الدولة بالمفهوم الحديث للعقد الاجتماعي، مرورا بكل التطورات اللاحقة التي تطرأ على العمران البدوي أو الحضري، معتبرا أن جميع هذه الصيرورات تمر بأربع مراحل هي الدورة الزمنية التي تستغرقها العصبية بين طور النشوء وطور النهاية، والتي جاءت وفق تقديراته بأربعة أجيال متعاقبة، حسبها بقرابة 120 سنة.

المهم في اجتهاد ابن خلدون، وبغض النظر عن دقة التقدير الزمني، تأكيده على مفهوم الدورة الزمنية، بحيث أن تلك العصبيات التي تتخلق وتؤسس سلطاناً وممالكَ، ستضمر لاحقا وتتلاشى في ظرف ما، مع اضمحلال أو تلاشي تلك العصبية، بمعنى أنه لاوجود لعصبيات أو هويات ميتافيزيقية ثابتة، كالتي نادى بها حزب البعث في شعاره “أمة عربية واحدة … ذات رسالة خالدة”، فهذا الخلود الميتافيزيقي الذي شكل هوس أيدولوجيا وحزب ورئيس خالد، هو مسألة خارج المنطق أو البرهان العلمي، ككل المشاعر والعواطف الشخصية والأيديولوجية.

الهويات في بلاد الشام

ولو نظرنا بمعيار التاريخية إلى “مفهوم العروبة” كهوية مثلا، سنلاحظ أنها اقتصرت في التاريخ القديم على شبه الجزيرة العربية، مع اختلاف التفسيرات في كون اللفظة تشير إلى معنى “البداوة” في اللغات السامية، بينما ينسبها البعض إلى “يعرب بن قحطان” في اليمن، باعتباره وفق الأسطورة الشفاهية أول من نطق العربية، وهذا تعبير خاطئ لمفهوم اللغة وتطورها بالمعنى العلمي والتاريخ أيضا، فيما جاءت لفظة “العرب” في الكتابات العبرية باعتبارها مرادفاً لأولاد إسماعيل وفق الأسطورة التوراتية.

في حين جاءت كلمة “العربية” أوضح في الثقافة الإغريقية “Arabia أو Aravia”، من خلال ربطها بالجغرافيا، إذ استخدمت كبادئة لثلاث مناطق في شبه الجزيرة العربية، وهي: الصحراء العربية “Arabia Deserta”، ومنطقة البتراء “Arabia Petraea” جنوب سوريا، والعربية السعيدة “Arabia Felix”ويقصد بها اليمن السعيد.

لكن الفتح الروماني لبلاد الشام عام 64 ق.م، ساهم بإحلال الهوية السورية مكان الهوية العربية فيما يتعلق بهذه الجغرافيا، حيث تأسست ولاية “سورية “SYRIA، والتي استمرت في ظل الدولة الرومانية ومن ثم البيزنطية لسبعمائة سنة، حتى جاء الفتح الإسلامي عام 637 م، الذي أرخى بظلاله الأيديولوجية الإيمانية على المنطقة، والتي لا تزال تحكم الكثير من الديناميات والصراعات السياسية والاجتماعية فيها.

شكل الفتح الإسلامي قوة صاعدة، استطاعت أن تسيطر إضافة إلى المنطقة العربية المعروفة حاليا، على أجزاء واسعة من افريقيا وآسيا وحتى داخل أوربا أيضا، وشكل الإسلام كدين هوية صاعدة حاولت جبَّ الكثير من الهويات السابقة لها، وأصبح الانتماء للعقيدة الدينية/الأيديولوجيا هو الأساس، “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.”

غير أن الكثير من العصبيات القبلية والعشائرية والأقوامية استمرت داخل الثقافة الإسلامية، بل حكمت الكثير من الصراعات السياسية والمذهبية في فضائها، وما تزال حتى عصرنا الراهن. فالكثير من التناقضات الطائفية والصراعات السياسية التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، ليست أكثر من أصداء تلك العصبيات التي حافظت على مكوناتها ما قبل الدولة الحديثة.  

ولو توقفنا مع الخلافة العثمانية التي حكمت المنطقة باسم الإسلام لأربعمائة عام تقريبا، نجد أنها اتكأت على الهوية الدينية/ الإسلام، كما اتكأت على الهوية الجغرافية/ تركيا، لكنها احتفظت بالعصبية القبلية/ العثمانيين، وكانت الجزيرة العربية في عهدهم تكنى باسم “بلاد العرب أو عربستان”، والتي تضم كلاً من بلاد الشام وبلاد اليمن وبلاد العراق. بينما أغلب سكان بلاد الشام كانوا يُعرفون بالهوية السورية.

إشكالية أغلب الإمبراطوريات ومنها العثمانية، أنها حكمت أقواما ودولا وشعوبا غير متجانسة، لذلك كانت العصبية دوما للسلالة الحاكمة التي تمتلك سلطة إخضاع الجميع، وإن استظلت في حالة الدولة العثمانية بالخلافة الإسلامية، حيث كانت كبقية الهويات الكبرى تُخضع أو تؤوي في أحشائها الكثير من الهويات الصغرى كبعض الطوائف والمذاهب، أو بعض الإثنيات والشعوب الأصلية أو المهاجرة، ناهيك عن الانتماءات القبلية والعشائرية، التي تعايشت جميعها في إطار الهوية الإسلامية حتى يومنا.

قررت الخلافة العثمانية في أواخر أيامها عام 1865، دمج ولاية صيدا مع ولاية دمشق لتشكيل ولاية كبيرة، استعادت فيها لأول مرة في العهد العثماني اسم “ولاية سورية”، التي ضمت معظم سورية الحالية وفلسطين وشرق الأردن، والتي تشكل مجتمعة ما يعرف ببلاد الشام، فيما أطلق على المهاجرين من بلاد الشام الذين قصدوا العالم الجديد، وبشكل خاص أمريكا الجنوبية، في ذات الحقبة، لقب “تركو” بمعنى التركي، نسبة إلى دولة الخلافة في تركيا، بينما كان العرب داخل الدولة العثمانية يتوزعون على الكثير من الهويات الصغرى، بعض منها الهوية العربية والسورية، وبعض منها عشائري وقبلي، إضافة لوجود العديد من الأقوام الأخرى التي استقرت في المنطقة تاريخيا بحكم الهجرات أو بدواعي الحروب.

والمفارقة أن أغلب سكان بلاد الشام في تلك الفترة كانوا يعتبرون أنفسهم سوريين، مستعيدين اسم ولاية سورية العثماني، ومن قبله الروماني/ البيزنطي، الذي شكل انتماء لجغرافيا أكثر منه ارتباطا بدولة، ففي ذلك الزمن لم تكن قد عرفت بعد الدول الحديثة في المنطقة، وأغلب سكانها كانوا يكنون بالسوريين أو بالشاميين، فهذا التاريخ أصبح معطى سابقاً، يمكن أن نقرأه أو نحاول تفسيره، لكن لن نستطيع تغييره قط.

الدولة الحديثة

نضطر في حديثنا عن الهوية لاستخدام تعبير “الدولة الحديثة”، والمقصود به هو الحداثة السياسية، وليس الحداثة الزمنية أو العمرانية فقط، لأن السلطة في الدولة الحديثة تستمد مشروعيتها من الشعب الذي يمارس حق الانتخابات والديمقراطية في اختيار ممثليه وحكوماته، وليس من قوة العصبية أو من القوة العسكرية التي تفرض على السكان الطاعة والولاء، لذلك لا يمكن النظر إلى أي من الامبراطوريات أو الممالك التي فرضت ولاء السكان بالقوة، أو أخضعت شعوبا ودولا أخرى لسلطانها، وحتى دول المنظومة الاشتراكية التي حكمت بظل النفوذ الشيوعي، ومن ضمنها مجموعة الدول التي أُلحقت بهيمنتها تحت يافطة حركات التحرر العالمي كدول حديثة، لأن شرعية هذه الدول والأنظمة كلها – تُستمد من القوة التي تُخضع السكان والشعوب، إذ لم تعرف مفهوم الشعب إلا باعتباره رعية أو قطيعاً، لا حق له في الحرية في التعبير أو في الانتخاب، ولم تعترف بمبدأ تداول السلطة، أو دور الانتخابات في التعبير عن الإرادة السياسية.

ظهرت الدولة الحديثة في كنف البرجوازية التي حطمت العلاقات الإقطاعية القديمة في أوروبا، وشكلت رافعة للتحولات الليبرالية الاقتصادية والسياسية لاحقا، وفي إطارها جرى فصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية عن بعضها، لتبدأ صيغة من الديمقراطية تقوم على تبادل السلطة عبر الانتخابات، والاعتراف لأول مرة بالشعب كمصدر للشرعية، وإحلال علاقات المواطنة التي تنص بالدستور على حقوق وواجبات كل الأفراد والجماعات المنضوية في كنف الدولة، التي تحولت إلى دولة مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات، وبذلك يصبحون شعبا، وبالتالي فإن الدولة الحديثة هي دولة المواطنة بامتياز، بعكس كل الدول البائدة أو المعاصرة التي تستمد شرعيتها من سلطة القوة التي تُخضع بها الرعية أو السكان.

تقوم الدولة الحديثة أيضا على ضمان الحياد تجاه المكونات الدينية أو العرقية أو الثقافية، من خلال تأكيد مفهوم الديمقراطية وحقوق الشعب والمواطنة التي أبرزتها نظرية “العقد الاجتماعي”، فيما ظلت دولة الخلافة العثمانية بعيدة عن هذه التأثيرات، بل قاومت رياح التغيير والتحديث حتى بعد هزيمتها في نهاية الحرب العالمية الأولى، وشهدت تردياً مزرياً في الأوضاع الاقتصادية والأمنية بشكل عام.

في لحظة تردي الخلافة العثمانية نشطت الجمعيات والأحزاب التي تعبر عن يقظة الشعوب المنضوية بالقوة تحت سيطرتها، لمقاومة الاستبداد الحميدي، ومن ثم سياسة التتريك التي قادتها الحكومة الاتحادية، واستفادت من المتغيرات السياسية ونشاط البعثات التبشيرية ودور القنصليات التجارية، وصولا إلى المدارس الأجنبية أو الوطنية، وكانت أبرزها الكلية الإنجيلية في لبنان والتي تحولت عام 1922 إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبدأ وَسْمُ “السورية” أو “العربية” يظهران في الكثير من المطبوعات والكتب، وحتى في أسماء الجمعيات والنوادي والأحزاب السياسية التي طورت بسرعة من أنشطتها الثقافية المتعلقة بنشر الكتب والمخطوطات العربية، إضافة للاهتمام باللغة العربية والتعليم وإحياء التراث، إلى أنشطة تنويرية وتحررية تذهب باتجاه المطالبة بالاستقلال، وهو ما ساهم ببلورة الوعي القومي لدى السوريين والعرب، دون تناقضات تذكر بين الهويتين السورية والعربية اللتين اتفقتا في مواجهة الدولة العثمانية وسياسة التتريك، كما تميزت هذه اليقظة القومية بإجماع كل رموزها على نبذ الطائفية والتفرقة الدينية، إذ كنت تجد بين أعضائها مختلف الانتماءات المذهبية.

لكن، توجب على تلك الجمعيات والأحزاب التي طالبت بالاستقلال عن الخلافة العثمانية، أن تنتظر نهاية الحرب العالمية الأولى، كي تنطلق باتجاه أحلامها التي أجهضتها محاولات الاستعمار الأنكلو فرنسي الذي جاء يتقاسم تلك البلدان وفق خرائط سايكس بيكو المعدة سلفا، بحيث لم تعرف أغلب هذه الدول الاستقلال الحقيقي إلا مع نهاية الحرب الكونية الثانية.

سورية بعد الاستقلال

خلال ذلك سعت الدول العربية المستقلة حديثا لإقامة مؤسساتها الوطنية ورموزها، فاكتسبت كل منها خريطة وعلما، إضافة للنشيد الوطني والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووضعت الدساتير، كما سنت القوانين الخاصة بها، والتي تمنح الحقوق وتعيّن الواجبات على كل مواطني هذه الدول، ليصبحوا شعبا تستمد الدولة شرعيتها منه، فتلك المؤسسات والرموز هي التي تغذي الانتماء، وتخلق هوية وطنية للسكان الذين يفترض أن يتحولوا إلى شعب، فالدولة الحديثة كما رأينا تحتاج إلى مؤسسات ودستور يضمن حقوق الأفراد وجميع المكونات، ويسهم بتحولهم إلى شعب في دولة المواطنة المتساوية.

الاستعصاء الذي عرفته سورية وبعض دول المنطقة، أنها انزلقت سريعا باتجاه الانقلابات العسكرية، مؤسسةً شرعيتها على قوة العسكر، الذين دخلوا سوق السياسة كجيش عقائدي مهمته حماية سلطة وهيمنة الحزب الواحد، والذي انتهى إلى سلطة فرد وعائلة حاكمة، تتبنى أيديولوجية قومية شوفينية، رفضت الاعتراف بالأقليات القومية الأخرى التي تتعايش معها داخل الدولة، وابتدعت دمجا مريعا بين القومية والجنسية، بحيث يكتب في خانة الجنسية على هوية أي شخص في سوريا عبارة “عربي سوري”، وهو ما اتكأ عليه وزير الإعلام السابق مهدي دخل الله ليقول على الفضائيات: نحن في سورية لا توجد عندنا بالأساس مشكلة كردية، لأننا نكتب على الهوية لكل السوريين عبارة: “عربي سوري”! وكأن هذه العبارة تكفي لمحو الانتماء الأصلي لكل المكونات في سوريا كالكرد والتركمان والآشوريين والسريان وصولا للأرمن والشركس وسواهم بحيث يصبحون جميعهم عرباً؟

هذا الدمج بين القومية والجنسية قضى أول شيء على إحساس المواطنة، دون أن ندخل في الكثير من التفاصيل الإجرائية، التي حرمت جزءا من السكان، الكرد تحديد، حتى من الهوية الشخصية، بالمقابل نجد أغلب الدول العربية الأخرى تكتفي بذكر اسم الدولة في خانة الجنسية، وهذا يجعل الأرمني على سبيل المثال في دولة كلبنان، ودون الدخول في تفاهة المحاصصة السياسية طائفيا، قادرا على الاعتزاز بهويته اللبنانية، دون أن يضطر لإنكار كونه أرمنياً، فالمواطنة تحوّل الدول إلى وعاء يستوعب كل المكونات. كما الحال في سويسرا مثلاً، فالمواطنة هي تعبير عن انتماء الأفراد للدولة، وهذا الانتماء لا يسلب أيا من الأفراد أو المجموعات المكونة للشعب هوياتهم القومية، وانتماءاتهم الأخرى.

الهوية الوطنية ليس بالضرورة أن تتطابق مع الهوية القومية، كما هو حال الشعب الألماني أو العربي، وحتى الشعب الكردي، فهذه الهويات تتوزع على أكثر من دولة، بالمقابل نجد في كثير من الدول تعدد الهويات والانتماءات، وهذه التعددية لا يمكن صون وحدتها وتحويلها إلى شعب إلا بالمواطنة التي يقرها ويحميها الدستور، بحيث يكون لزاما أن يصون الدستور حقوق جميع الأفراد والقوميات والأديان بغض النظر عن النسب العددية لهم، وهذا ما يُعرف بحياد الدولة تجاه جميع مكوناتها.  

إشكالية الأيديولوجيا البعثية أنها لم تستطع أن تطور “عصبية النَسبْ” التي تحدث عنها ابن خلدون، بل مسختها إلى “النظرية الرحمية” على يد زكي الأرسوزي، المنظر الأول للبعث، الذي اشتق “الأمة” من لفظ “الأم”، واعتبر علاقة الفرد بالأمة كعلاقم الجنين بأمه في “الرحم”، لا يريد له ولادة وعيشا مستقلا، ولا يريد له خيارات واعية ومستقلة بعد الولادة.

الأخطر من ذلك أن هذه الأيديولوجيا الشوفينية، وجدت فضاء يحميها في لحظة صعود حركات التحرر الوطنية في العالم، فمنحها ذلك القدرة على ادعاء أنها ثورية وتقدمية، الأمر الذي يَسّر لها ارتكاب كل موبقات الفساد والدكتاتورية تحت غطاء الشرعية الثورية، المدعومة من الاتحاد السوفيتي السابق في ظل الحرب الباردة، بحيث تحولت تلك الشرعية إلى سلالة حاكمة استولت بقوة الجيش العقائدي على السلطة، ومنحت لذاتها كل الحقوق في الوصاية على البلاد والعباد، والتحكم بهم.

فبررت سلطة البعث ممارساتها الديكتاتورية، كونها تقود مشروعا تحرريا، ألغى حرية الشعب لصالح الحاكم فقط، وبررت الفساد كونها تبني وطنا وجيشا عقائديا، لكنها في الحقيقة لم تبنِ أكثر من آليات نهب لخيرات البلد، ورفعت شعار الديمقراطية الاجتماعية مقابل الديمقراطية الليبرالية، وحرية الأمة مقابل حرية الأفراد، لتتمكن من قمع كل صوت لا يدخل في جوقة الفساد البيروقراطية التي عممتها باسم الدولة والقانون، وأي مطالبة خارج ذلك تعتبر خيانة وطنية!

ولم تحل الأيديولوجيا البعثية دون اتكاء سلطة الأسد على كل موروث التخلف والطائفية، وآليات الفساد والبيروقراطية، في سبيل إخضاع المكونات الاجتماعية وأي صوت معارض لديكتاتوريتها، كما هربت من كل استحقاقات التنمية والتحديث وتطوير البنى الاجتماعية والسياسية إلى فضاءات المقاومة الأيديولوجية والشعاراتية التي أفرغت البلد من كل طاقاتها، ونهبت خيراتها واستنزفت قدراتها الاقتصادية، فأثرت العائلة الحاكمة وحاشيتها، فيما اُفقر باقي الشعب، حتى كادت تتلاشى الطبقة الوسطى باعتبارها خزان الطاقات الشعبية القادرة على التغيير، وغابت الهوية الوطنية لصالح أوهام أيديولوجية وقومية تحلق في فضاءات لا تنتمي للواقع السوري.

تحتاج الهوية إلى شعور بالانتماء والقبول، الأمر الذي لا يمكن فرضه بالقوة، فالقوة العسكرية يمكن لها أن تخضع الآخرين شعوبا وأفرادا، لكنها تبقى عاجزة عن تخليق هذا الانتماء والقبول بالمشروع السلطوي، وهذا يفسر فشل كل محاولات النظام الشوفينية لصهر المكونات القومية الأخرى وقمع معارضيه، بل يمكن التأكيد أن فساد النظام وتعسفه في التعامل مع المعارضة أديا إلى عكس ما أراد بالضبط، حيث ساهم ذلك الفساد والتعسف مع سياسات الافقار والتهميش في إيقاظ وتعزيز تلك النزعات القومية والتحررية المقموعة لدى باقي السوريين، وأعتقد أن هذا الأمر شكل أحد أهم أسباب الانفجار الذي حصل في آذار عام 2011، بالتزامن مع الانفجارات التي حدثت في تونس ومصر وامتدت لاحقا إلى كل من ليبيا واليمن.

ما حدث في هذا الانفجار الذي عُرف بـ”الربيع العربي” هو ثورة شعب هبّ بكل أطيافه يطالب بالحرية والعدالة وإسقاط أنظمة الاستبداد التي حكمته لعقود طويلة، ثورة شعب أراد أن يتظاهر بسلمية مطلقة ضد الفساد والديكتاتوريات التي ألغت كل الحقوق في سبيل الحفاظ على سلطتها بالقوة، ونقول عنها ثورة، ونحن ندرك المآلات المأساوية التي قاد نظام الأسد وحلفاؤه إليها عبر فرض العسكرة والتطييف على سورية والسوريين، نظام لم يتورع عن استخدام كل أسلحة القتل والتدمير وما زال، وأخطر هذه الأسلحة كان تمزيق النسيج الاجتماعي للسوريين، لأنه كنظام لم يكن في يوم ما معنيا ببلورة الهوية الوطنية فحسب، بل على العكس، كان يستشعر الخطر على سلطته من تعبيرات الشعب أو الديمقراطية أو الحقوق. وأكبر خطأ يمكن لباحث أن يقع فيه هو مجرد النظر إلى هذه المآلات التي نتابعها يوميا في سورية، بغض النظر عن القوى والآليات التي دفعت باتجاهها.

لم تكن سلطة البعث في سورية معنية بتطوير الهوية الوطنية وحمايتها كإحدى وظائف الدولة، بل على العكس حاربتها بقوة، كما حاربت كل الانتماءات الدينية والقومية، باعتبارها سلطة حزب تقدمي وعلماني، وكانت تمنع في إعلامها أي ذكر للطوائف أو الطائفية، لكنها كسلطة ديكتاتورية عجزت عن بناء وحماية هوية وطنية جامعة لكل مكونات الدولة، بل هي لم تُرد ذلك أصلا، وليس سرا أن انتخابات حزب البعث والمنظمات الملحقة به وحتى تشكيل الوزارات وتعيين رؤساء التحرير كانت تدار كلها على أسس المحاصصة الطائفية أولا، والقبلية أو العشائرية في بعض المحافظات والمدن.

وبعد أن دمر الأسد الصغير سورية، وقتل وشرد نصف السوريين، عملا بشعار “الأسد أو نحرق البلد”، لم يكتف بالاحتماء في كنف الطائفية، كحامي للأقليات، بل استورد كل المخزون الطوائفي في المنطقة والعالم، ليقاتل معه وضده أيضا، من أجل إثبات أن ما يجري في سوريا هو مؤامرة يقودها متطرفون إسلاميون للقضاء على نظامه العلماني التقدمي.

وبكل أسف كانت استجابة الإسلاميين عالية في سوريا لخوض صراع عسكري مع هذا النظام ال، وكانت أغلب، إن لم يكن كل الفصائل المقاتلة في سوريا مع النظام وضده دون الهوية الوطنية، فالأسلمة والعسكرة أخرجت السوريين نظاما ومعارضة وشعبا من المعادلة، وبات الصراع في سورية وعلى سورية رهن الإرادات والمصالح وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وإن كان ثمن هذه الصراعات دمار سورية ودماء السوريين.

السوريون كأي شعب ليس لهم مصلحة باستمرار القتل في كل الجغرافيا السورية، والنظام الذي ارتهن لموسكو وإيران لا يطمح لأكثر من بقائه في السلطة، والمعارضة بكل فصائلها السياسية والعسكرية الآن، بما فيهم وحدات حماية الشعب P.Y.D لم يرتقوا لتمثيل سوريا ومصالح السوريين بالمعنى الوطني، رغم رفضنا القاطع لدخول تركيا إلى عفرين، فإذا كان لتركيا مشاكل مع أكرادها، فإن كرد عفرين سيبقون جزءاً من الشعب السوري، رغم أن الصراعات الدموية التي باتت عنوانا لما يحدث في سورية، أفقدت الناس أية أوهام بشأن الانتصار، حتى الانتصارات العسكرية التي يحققها الروس والإيرانيون، لن تمنح النظام أي أمل  يعيد له شرعية حكم سورية، إذ بات ذلك شبه مستحيل في هذا الصراع المتشابك إقليميا ودوليا في المدى المنظور. والسوريون وحدهم، وبكل مكوناتهم، من يدفع ثمن هذه الحرب وتلك الصراعات.

هذه الرمادية المحبطة دفعت الكثير من السوريين للبحث عن هويات أصغر أو أكبر، ودخل بعضهم في تحالفات خارجية لم تزد أمرهم إلا تعقيدا، ولن يجدينا استجداء الحلول من روسيا أو أمريكا أو تركيا، لا بخصوص وقف الحرب، ولا بشأن الدستور أو غيره، فالسياسة بالنسبة للدول الخارجية هي مجرد مصالح، وهذا مازال يعرقل حتى الآن ظهور أي مشروع وطني حقيقي يعيد لسورية وللسوريين انتماءهم وأحلامهم التي صدحوا بها في بداية الثورة “واحد واحد واحد … الشعب السوري واحد”.

هل يمكن للسوريين استعادة ذلك المشروع الوطني السلمي الذي يطالب بدولة المواطنة والمساواة والديمقراطية، التي تحترم حقوق كل مكوناتها الفردية والقومية، وتؤسس لدستور يصون حياد الدولة تجاه تلك المكونات وتجاه الأفراد؟ وهل يملك السوريون بعيدا عن هذا الحل أية إمكانية حقيقية لوقف القتل والدمار؟ وهل يمكننا بعيدا عن الهوية الوطنية الواحدة أن نستعيد إمكانية العيش المشترك في سورية؟

الهوية مسألة تنمو مع الأفراد والشعوب، وتتخلق في مشاعر وانتماءات وجدانية يصعب القضاء عليها بالعنف، وإن تم كبتها لفترة ما، وهي غير عقلانية بمعنى أنها لا تخضع لمعيار الصح والخطأ، فلكل منا هوياته المتعددة الصغرى والكبرى، ابتداء بالهوية الشخصية والعائلية والقبلية، واستمرار بهويات مناطقية أو هويات مذهبية دينية وعقائدية أو أيديولوجية، وفي كثير من الأحيان تتصارع هذه الهويات في دواخلنا وأفكارنا، وتتصالح أحيانا، كما تتشابك في العالم الموضوعي فتتناقض وتتصارع أو تتصالح.

ربما في لحظة الصراع التي أشرنا إليها يخال البعض أن بمقدوره التخلي عن هوية ما، وكثيرا ما يحدث ذلك، إلا أن المعيار الجمعي يُصر على إبقاء هؤلاء الأفراد ضمن منظور الهوية المسبقة التي اكتسبت عبر الزمن، فهويتك ليس ما تعتقده أنت فقط، بل ما يُنظر به إليك، وكثيرا ما يُعاني المثقفون من هذه الأزمة، وحتى بعض الدول التي غادرت قطار الماركسية قبل أن يصل غودو، كما حصل في روسيا الاتحادية، إذ نجد الكثير من اليسار الدوغمائي لايزال يعتبرها وريثة الاتحاد السوفيتي!  

الحل لا يكون بإلغاء الهويات الكبرى أو الصغرى، بل يكون باحترام كل الهويات والانتماءات والعقائد في إطار دولة المواطنة المتساوية والمشروع الوطني الوحيد الذي يحيلنا من مجموعات إلى شعب، عندها فقط يمكن لنا أن نفكر جديا ببناء مستقبل أفضل.