“قضت شقيقتي يوم عرسها بسبع طعنات قاتلة تلقتها من العريس آلان رستم ابن حارتي في مدينة عامودا.”

يروي عماد اسماعيل لصالون سوريا تفاصيل مقتل شقيقته فلك قبل حوالي عامين متابعاً، “اتصل أهل آلان بنا صبيحة اليوم الثاني ليبلغونا أن فلك انتحرت بسكين، وبعد نقل جثتها إلى مشفى عامودا فاجأنا الطبيب المشرف بأن الطعنة السابعة التي اخترقت قلبها من جهة الخلف هي التي أودت بحياتها والتي كشفت زيف ادعاء أهل الزوج وكشفت أنها جريمة قتل.”

وشهدت مدينة عامودا لأسابيع تظاهرات عدة منددة بالجريمة طالبت بمحاكمة القاتل وإنزال أقسى العقوبات على آلان الذي مزق فم زوجته واقتطع قطعة لحم من كتفها مبرراً جريمته بأنها بدافع “شرف”، رغم أن تقرير مشفى عامودا الشرعي أثبت عذرية العروس.

ادعى قاتل فلك أمام النيابة العامة أنه يعاني من مشاكل نفسية دفعته لارتكاب جرمه، لكن تقرير الطبيب الشرعي جوان موسى الذي قدمه للمحكمة نفى ادعاء الجاني وأكد سلامته النفسية والعقلية. وحكمت محكمة الشعب في عامودا بالسجن المؤبد على آلان مع نفي عائلته إلى خارج المدينة.

لكن عماد إسماعيل، شقيق فلك، يرى بأن هذا الحكم غير منصف مطالبا بإعدامه، ولاسيما بأن الجاني اعترف فيما بعد للأمن الجنائي في القامشلي بأن عجزه الجنسي، وخوفه من افتضاح أمره هو ما دفعه لارتكاب جريمته.

قصة فلك تكررت بريف الدرباسية قبل أربع سنوات أيضاً حيث قضت خديجة (اسم مستعار) بطلقات نارية تلقتها من شقيقها.

أحبت خديجة كاوا وهربت معه وتزوجته رغماً عن أهلها الذين رفضوا هذا الزواج رغم تقدم كاوا لخطبتها مرات عدة، لكن زواجها الشرعي لم يحمها من قتل شقيقها لها إذ اعتبر زواجها بهذه الطريقة منافياً للعادات والتقاليد وبالتالي “عاراً لا يطهر إلا بالدم”، فقتلها وفر هارباً إلى تركيا.

الشرع والقانون

يرى دوران الهاشمي العلامة الإسلامي والمشرف العام على مؤسسات الشؤون الدينية في منطقة الجزيرة وحوض الفرات  أن عقوبة من يقتل امرأة لمجرد الشك أو الوشاية مدعياً أنه قتلها “بحجة الشرف”، هي القتل قصاصاً و”إن تهاون القاضي بالقصاص بسبب ادعاء القاتل ( مسألة شرف ) فهو شريك القاتل في الإثم.”

فقتل النساء تحت مسمى الشرف وتهاون القضاة بالاقتصاص من الفاعلين كما يذهب العلامة الإسلامي الهاشمي زاد من انتشار هذه الظاهرة في المجتمع.

وعن تهمة الزنا يقول الهاشمي “من اتهم امرأة بالزنى يرفع الأمر للحاكم فإن أقرت، ثبت عليها الحكم، وإن نفت تقسم أنها بريئة من ذلك، فإذا حلفت فلا عقاب عليها في الدنيا ومردها إلى الله بعد ذلك.”

في قانون الإدارة الذاتية

لا يوجد ما يسمى بجريمة شرف وإنما هذا المصطلح هو تسمية دارجة عُرفاً لجرائم القتل والإيذاء التي يكون الدافع إلى ارتكابها هو “صون الشرف” كما يوضح المحامي خالد عمر عضو اتحاد محامي الجزيرة في الإدارة الذاتية الديمقراطية.

يقول عمر: “الدافع  إلى ارتكاب الجرم سلاح ذو حدين، فقد يكون سبباً في تشديد العقوبة أو في تخفيفها على جرائم القتل، وعليه فإذا ثبت للمحكمة أن القتل بغير قصد فعقوبته تتراوح بالسجن بين١٥ -٢٠ عاماً وأن ثبت أن القتل كان عمداً  فالإعدام يخفف إلى السجن المؤبد.”

فقد اعتبر القانون الذي أقرته الإدارة الذاتية “جريمة الشرف” جريمة كاملة بناء على أحكام العقد الاجتماعي الذي صادقه المجلس التشريعي في جلسته ٢٧ لعام ٢٠١٤ والذي تضمن المبادئ الأساسية والأحكام العامة الخاصة بالمرأة.

يجرم البند ١٧ القتل بذريعة الشرف ويعتبره جريمة مكتملة الأركان مادياً ومعنوياً وقانونياً ويعاقب مرتكبها بالعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات كجريمة قتل أو عمد. إلا أن محاكم أخرى تصدر أحكاما مخففة في الجرائم المسماة بجرائم الشرف ومن ضمنها القانون السوري.

يشير المحامي زهير جميل الذي يعمل في محاكم العاصمة دمشق منذ ما يقرب ٢٠ عاماً إلى إلغاء إحدى المواد المتهاونة مع جرائم الشرف في قانون العقوبات السوري واستبدالها بأخرى تشدد العقوبة. حيث تم استبدال المادة ٥٤٨ بموجب مرسوم تشريعي في عام ٢٠٠٩، وشهدت المادة القانونية نفسها  تعديلاً في ٢٠١٣.

تنص المادة على أنه “يستفيد من العذر المخفف كل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته بجرم الزنا المشهود أو صلة جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو إيذاء أحدهما، على ألّا تقل العقوبة عن الحبس من ٥ إلى ٧ سنوات، في حالة القتل.”

وبين جميل أن هذه الجريمة غالباً ما تغلف بمسميات أخرى كالخلافات العائلية أو القتل الخطأ، على اعتبار أنها تحمل في مضمونها شيئاً من “العار”، لذا يتستر عليها أفراد المجتمع.

ويضيف زهير “رغم أهمية صدور هذا المرسوم إلا أنه يبقى غير كاف من حيث وجوب القصاص من القاتل دون التماس أي أعذار له.”

وتشير إحصائيات غير رسمية، إلى أن عدد “جرائم الشرف” في سورية بلغ ٢٣٠ جريمة عام ٢٠١٥، مقابل ٤٧ جريمة فقط في العامين ٢٠١٢ و٢٠١٣.”

وتقدر منظمات حقوقية عدد هذه الجرائم بنحو ٢٠٠ إلى ٣٠٠ جريمة سنويًا، يحدث معظمها في المناطق الريفية شمال وشرق البلاد حيث وفرت الحرب والصراعات المسلحة بيئة خصبة لتزايد العنف ضد النساء بصفة خاصة.

سبع جرائم في مناطق الإدارة الذاتية

تعتبر خناف محمد قاضية الادعاء والتحقيق في ديوان العدالة الاجتماعية في مدينة القامشلي قتل النساء “مشكلة اجتماعية وهي موجودة في معظم المجتمعات” وترى أنها “رد فعل على عدة عوامل اجتماعية ونفسية وبيئية وتربوية واقتصادية وثقافية وغيرها.”

وأحصت محمد سبع جرائم ارتكبت تحت مظلة الشرف العام الفائت في مناطق الإدارة الذاتية، ونسبت القاضية أسباب ارتفاع هذا العدد إلى “حالة الفوضى التي تشهدها البلاد منذ ما يقرب السبع سنوات، وصعوبة ضبط مراقبة الحدود في الشمال السوري سواء مع تركيا أو مع إقليم كردستان العراق و تهريب البشر مما سهل هروب القاتل من قبضة العدالة” إضافة لرواج تجارة المخدرات، و صعوبة الوضع الاقتصادي وعدم توفر الجرأة لدى النساء للاعتراض، بحكم الانصياع للعادات والتقاليد، وعدم توفر الوعي الكافي في المجتمع.