أتابع يومياً أخبار أحبتي في سوريا، ويُذهلني هذا التدهور الكبير في معيشة السوريين، ولم أكمل خمسة أسابيع في إقامتي في باريس لكنني أشعر أنني تركت اللاذقية منذ سنة. و كل الشعب (السوري كلون يعني كلون) يُعاني ما لا طاقة لإنسان أن يتحمله، لكنهم مجبرون على التحمل، انقطاع الكهرباء الطويل لساعات تزيد عن أربع ساعات وفي هذا الحر الشديد جعلت السوريين يطيش صوابهم  وصاروا يسخرون من قطع الكهرباء بأن يكتبوا على صفحاتهم على الفيس بوك أو صفحات التواصل الإجتماعي: (اليوم كل السوريين رح يتغدوا بازيلا وفول). دلالة عل فساد المؤونة في البرادات، ويأتي ذل قطع الماء لينافس ذل قطع الكهرباء.

ليست الحسكة وحدها عطشى بل كل سوريا، الماء يأتي بالقطارة، والغسالات تعطلت واحترقت بطاريتها، ولا يملك هؤلاء المعذبون في سوريا سوى الكتابة. إحدى السيدات كتبت (ألمي رح أنهار، ألمي أساس الحياة الخ). اعتقدت أنها تتحدث عن ألمها (أي كلمة ألمي من الألم)، لكن المسكينة تتحدث عن الماء وتكتب بالعامية (المي)، اتصلت بها هي تعيش مع إبنتها فقالت: (الماء بالقطارة، مستحيل نقدر نجلي الصحون ونغتسل وننظف البيت، كل يوم نخصصه إما للجلي أو الاستحمام أو مسح البلاط أما الغسالة فاحترق مولدها بسبب لنقطاع الماء “وسعر الغسالة اليوم في سوريا مليون ونصف المليون”.) الغلاء الفاحش لأسعار المواد الغذائية وربط هذا الغلاء باحتكار التجار، وطوال أسبوع احتل ارتفاع سعر البيض في سوريا صفحات التواصل الاجتماعي حيث وصل سعر البيضة إلى 200 ليرة سورية!!! وطالبت إحدى السيدات أن يمتنع كل السوريين عن شراء البيض لمدة شهر لمعاقبة التجار!!! يا لروعة اقتراحك يا سيدة!! الطفل يحتاج البيض كل يوم تقريباً لينمو فكيف ستحرمين أطفال سوريا من البيض!! وبالتأكيد هم محرومون منه لأنه لا قدرة لأهاليهم على شرائه خاصة إذا كانت الأسرة تتكون من عدة أطفال، وتأتي مهزلة القروض المدرسية ذلك أن وزير التربية مصر أن يلتحق التلاميذ بالمدرسة ومتوسط عدد الطلاب في المدارس السورية خاصة الحكومية بين 50 إلى 70 طالباً وتجد ثلاثة طلاب يجلسون في مقعد واحد محشورين كتفاً لصق كتف، ومراحيض المدرسة مزارع جراثيم وأوبئة والمياه فيها مقطوعة. كما أنه في العديد من المدارس تتكوم هضاب الزبالة في المداخل، وتنسجم هضاب الزبالة مع رداءة التعليم.

صار سعر الحقيبة المدرسية من أرخص أنواع النايلون حوالي 40 ألف (ما يعادل راتب شخص واحد عند الحكومة السورية)، وسعر القلم ألفين أو أكثر، ولا زيادة قرش في الرواتب!! بل الدولة السورية تقدم قروضاً للأهالي كي يشتروا اللوازم المدرسية لأولادهم تحديداً من مؤسسات الدولة، وغالباً بضاعة هذه المؤسسات رديئة ومُخزنة منذ سنوات! ولا يخطر لمسؤول سوري أن يتساءل: كيف سيسدد هذا الأب المسكين القروض الطلابية من راتب الاحتقار الذي بالكاد يكفي لشراء الخبز. ويصفع وزير التربية السوري الأهالي بقرار أنهم مجبرون (رغم الارتفاع الكبير جداً في إصابات كورونا في سوريا) على إرسال أولادهم إلى المدرسة، وأن الطالب إذا تغيب أربعة أيام عن المدرسة بدون عذر يُفصل من المدرسة. هذا هو رهاب التعليم في سوريا، وتوصيف رهاب التعليم هو أدق توصيف لتهديدات وزير التربية الذي لا يبالي بصحة التلاميذ ولا برغبة الكثير من الأهالي ألا يرسلوا أولادهم إلى المدرسة في زمن جائحة كورونا. وطبعاً لا يخفى على أحد رداءة التعليم وفساده في سوريا وأن صفوف البكالوريا خاوية تماماً في كل سوريا ويعتمد الطلاب على المعاهد أو الدروس الخصوصية، وثمة العديد من الأهالي الذين أخذوا قروضاً من المصرف ليسددوا أجور الدروس الخصوصية أو باعوا أثاث منزلهم أوغيره من الاجراءات.

رغم هذه الظروف الكارثية فإن البعض يقول نحن بخير ويخونون من تركوا الوطن ويسخرون منهم في غربتهم ويقولون لهم سوف تذوبون في الغربة ولا أحد سيهتم بكم وسوف تذبل حديقة بيتكم ويتكدس غبار النسيان على أثاث بيوتكم. عجيب هذا المنطق التخويني اللاإنساني، كيف تتجاهلون العنف المروع الذي اضطر ثلث الشعب السوري لينزح ويرمي نفسه في البحر بعد أن دمرت البيوت والقرى والمدن ولم يبق لديهم سوى حياتهم عساهم يحافظون عليها إذا ساعدهم الحظ ووصلوا إلى بلاد اللجوء التي تحترم الإنسان. هؤلاء الخونة عديمو الإحساس الذين يكتبون كل يوم على صفحاتهم نحن بخير هم يدعمون نظاماً يوغل في تجويع شعبه وإهانته؛ فحين ينشرون كل يوم صوراً لبحر اللاذقية وبعض شوارعها الجميلة (ولم تعد اللاذقية جميلة على الإطلاق إذ تجد في زقاق بناء من ثلاثين طابقاً)K أو تضع إحداهن في أزمة شح الماء وعطش الحسكة وتفجير خط الغاز الذي جعل كل سوريا تغرق في الظلام في هذا التوقيت تماماً صورة لمدرسة بوقا الزراعية وتكتب ما أجملها، فهذا أشبه بطعنة الغدر، لأننا في قلب مأساة إنسانية مروعة أمام مشاهد لذل وجوع وحرمان الطفل السوري أن يأكل بيضة، الحديث عن جمال بعض الأمكنة في هكذا ظروف كارثية هو خيانة وهو غدر وهو تماهي مع المعتدي والتمثل بسلوكه كما أبدع الدكتور مصطفى حجازي في كتابيه (سيكولوجية الإنسان المقهور، وسيكولوجية الإنسان المهدور) في وصف وتحليل ظاهرة تماهي المُضطهد مع المعتدي أو من يضطهده وتقليد صفاته.

 أعرف أن بحر اللاذقية جميل وأحن إليه، لكنني كنت أصور هضاب القمامة على شواطئه، وحين يتفرج العالم كله على الشعب السوري الجائع والعطشان واليائس والذي توحده عبارات هي: “عايشين من قلة الموت”، و”خلينا ساكتين أحسن”، و”الحيط الحيط ويا رب السترة”؛ وحين يتفرج العالم كله على طابور من رجال ونساء وأطفال سوريا واقفين تحت لهيب شمس تموز وآب بإنتظار رغيف خبز سيء (لأن الأفران ينقصها المازوت حتى تخبز الخبز كفاية) ولا أحد من هذا الحشد قادر أن ينطق بكلمة احتجاج أو يقول: “آخ”، لأن قبضة الأمن تنقض عليه فهو يتذمر والوطن ضحية مؤامرة، وعلى الشعب أن يتحمل مع الدولة نتائج المؤامرة. الحديث عن الجمال ونشر صور لبعض المناطق الجميلة في سوريا هو خيانة وانعدام إحساس بآلام الشعب السوري، والحديث عن الجمال في هذه الظروف الكارثية في سوريا هو تماماً وتحديداً إعلان ولاء للنظام.

 سوريا ليست بخير والسوري في سوريا ليس بخير، كفوا عن النفاق والخيانه بأن تمطرونا كل يوم بصور اللاذقية الجميلة، كسب الجميلة، صلنفه الجميلة (التي سرق الشبيحة كل بيوتها) ولصقها قرية سلمى التي سوتها البراميل المتفجرة بالأرض وهج سكانها ومات تفاحها الأطيب في العالم. توقفوا عن الحديث عن الجمال فهو خيانة في زمن الموت والحداد. وأحب أن أختم بهذه القصة؛ فمنذ أسبوعين قصدت السفارة البريطانية من أجل الحصول على فيزا لزيارة إبنتي وزوجها وفوجئت أن السفارة البريطانية في باريس تغص بمواطنين من غينيا لدرجة اعتقدت أنني أخطأت في العنوان وبأنني في سفارة غينيا وحكيت مع ابنتي فقالت لي: “أمي أتمنى أن يتم قبول كل الناس من غينيا يعني نسيت كم عانت إفريقيا من الإستعمار”، وتابعت متسائلة: “يعني أنت تعتقدين حال السوري أفضل من حال مواطن من غينيا.” فعلاً خجلت وأحسست بطعنة ألم في قلبي. وضع السوري اليوم هو الأسوأ في العالم. سوريا ليست بخير والسوريين ليسوا بخير. لا تزوروا الحقيقة ولا تخونوا شعب سوريا بالحديث عن الجمال.