وصل المواطن السوري فعلاً إلى مرحلة أنه بات يخشى أن يجن ويفقد عقله، وصار يشعر (كما كتب لي أحد الأصدقاء من الداخل السوري: “أحس أنني يجب أن أتعلم لغة جديدة!! كيف سأشرح لك؟ يعني تبقى لغتي هي العربية لكن علي أن أنطقها بطريقة مختلفة بحيث تبدو لغة جديدة، أي أشعر أنني لا يجب أن أكون أنا”. رسالته لي طويلة مضطربة مليئة بالتشوش الذهني والخوف فهو مثل ملايين السوريين في الداخل أصابه رهاب الاعتقال بسبب منشوراته على الفيسبوك؛ وختم رسالته بأنه يتمنى فعلاً على النظام لو يصدر نشرة تحدد للناس ما يجب أن يكتبوه حتى لا يُعاقبوا بجرم “وهن شعور الأمة”، وصدقاً لا أفهم كيف يمكن لشخص أن يوهن عزيمة ويوهن شعور أكثر من عشرين مليون سوري سواء كانوا في الداخل أو الخارج.

ذكرني المسكين بقصة مُخزية لكن طريفة حدثت مع أحد أعز أصدقائي وهو طبيب قلبية يعيش في باريس ومشهور طلبت منه إحدى الجامعات المهمة في السعودية أن يؤلف كتاباً عن  “أمراض القلب والقثطرة القلبية باللغة العربية”، وفعلاً ألف الكتاب وذكر أنه من المفيد خاصة للرجل بعد الأربعين أن يشرب كأساً من النبيذ الأحمر يومياً فهو يفيد القلب، وطُبع الكتاب بنسخ أنيقة جداً. وبعد أقل من أسبوع تلقى الطبيب رسالة من عميد كلية الطب يأمره أن يغير كلمة “نبيذ لأنها خمرة أي مُنكر، وأن يستبدلها بعبارة عصير العنب المتخمر”. وفعلاً أتلفت كل النسخ التي تحوي كلمة نبيذ وتم استبدالها بعبارة “عصير العنب المتخمر”.

أستحضر تلك الحادثة لأنني أشعر أن ثمة رابطاً أو شبهاً كبيراً بينها وبين ما يحصل في سوريا مؤخراً من قرارات عجيبة غريبة وتجريم المواطنين بكتاباتهم على الفيسبوك “جرائم إلكترونية” لأنها توهن عزيمة الشعب السوري عالي العزيمة وعزة النفس ويتمتع بحرية التعبير ويفضفض عن مشاعره وأفكاره. وصُعق الناس بسجن مذيعة في التلفزيون السوري وتوقيفها في الأمن الجنائي لأن كتابتها على الفيسبوك في فضح الفساد والكلام عن الفقر يوهن عزيمة الشعب السوري! كما تم توقيف طالبة في كلية الصيدلة (عشرون عاماً) بسبب كتابتها على الفيسبوك، إضافة إلى توقيف العديد من المواطنين العاديين بسبب كتاباتهم التي توهن عزيمة الأمة أو تضعف الشعور الوطني للشعب السوري.

أصبح قول الحقيقة ووصف عيشنا الذليل ووصف طوابير الناس على الأفران جريمة إلكترونية توهن عزيمة الشعب السوري! أليس هذا التعبير بذاته أشبه بنكته سمجة في ظل ما عاناه السوري من قهر لا يتحمله نبي طوال عشر سنوات من جوع وتشريد واعتقالات وفساد مروع وخوف. هل منظر السوريين يزدحمون أمام مكاتب الصرافة ازدحاماً ينافس ازدحامهم أمام الأفران كي يقبضوا الحوالة التي يرسلها لها الأبناء والأقرباء كي يشتروا طعاماً ولا يموتون من الجوع (وطبعاً هم يقبضون ثلث المبلغ المُرسل لهم لأن الثلثين تأخذهما الدولة)، هل مجرد وصف هؤلاء يوهن عزيمة الشعب! هل العيش في ظلام شبه دائم حيث الكهرباء تتوفر بأعلى حد ثلاث ساعات طوال 24 ساعة والكتابة عن الظلام وتعطل الأجهزة الكهربائية لدرجة أن أحدهم قال إنه استبدل البراد بنملية لحفظ الطعام، هل وصف حقيقة الواقع جريمة توهن عزيمة الشعب السوري!

وماذا سيكتب الناس غير واقعهم ووجعهم، وهم يعرفون ويحتاطون في كتابتهم لأن في عقل كل واحد منهم عنصر مخابراتي مزروع داخل تلافيف دماغه يأمره أن يكتب بطريقة مُعينة ويحذره أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي يعرفها حتى الطفل المقمط في السرير. ونجد معظم الكتابات تندرج تحت “الفعل المبني للمجهول” لدرجة أنني أعتقد أن أكثر شعب يستعمل الفعل المبني للمجهول هو الشعب السوري، فتجد كتابات وشكاوي “الله لا يوفقكم، الله يفجعكم بأولادكم، الله يسود عيشتكم مثل ما سودتم عيشتنا، وغيرها..)، لكن يعم الصمت حين تسأل هؤلاء من الذين تدعون عليهم بالموت والعقاب الرباني.

أيه نكتة سمجة مُخزية أن كتابات صادقة هي توصيف فقط للحياة أو الجحيم السوري يمكن اعتبارها جريمة إلكترونية! ويتم العقاب عليها وإجبار الشخص أن يكتب تعهداً ألا يكتب ما يحس به وما يوجعه وما يحلم به! كيف سيكتب الموطن السوري عن النور وسط الظلام! كيف سيصفون طعم السمك اللذيذ واللحم وهم ينتظرون يوماً كاملاً للحصول على خبز مُعجن لا تأكله الدواب! ما المطلوب من هذا الشخص أن يكتب أنه كان في قمة السعادة وهو ينتظر في ازدهار أزمة كورونا ساعات طويلة وسط حشد من الفقراء أمثاله للحصول على ربطة خبز، ربما عليه أن يعود إلى البيت ويكتب مدعياً أنه كان سعيداً بالشمس الساطعة التي أنسته ظلام الليل وانقطاع الكهرباء.

وإلى متى سيظل الرعب والتهديد يقبض على عنق كل سوري، فيشعر السوري أنه مُراقب حتى وهو في سريره مدثراً باللحاف! فبعد كل ما شهده السوري من فظائع وموت وتهجير وعيش ملايين السوريين في مخيمات النزوح البائسة هل من كتابة توهن شعورهم الوطني وعزة نفسهم! هم الذين تمرغت كرامتهم في وحل الذل والقهر والدم وصاروا يحسدون من مات ويقولون: “نيالو ارتاح”. لا أنسى ما كتبه أحدهم: “لم يعد لنا عزاء من انقطاع الكهرباء كل اليوم وخاصة ليلاً (من الساعة 7 حتى 12 ليلاً) لم يعد لنا عزاء من الظلمة والبرد القارس سوى صور النازحين تغوص أقدام أطفالهم في الوحل والطين والثلج.” شعور المواطن السوري بكرامته وعزة نفسه سحق سحقاً لدرجة قال لي الكثيرون: “عايشين وبالعين السكين وساكتين”. أظنهم استدركوا الآن أنهم لو كتبوا تلك العبارة على صفحتهم على الفيسبوك فسوف يتهمون بوهن شعور الشعب السوري.