لم يكن حدث وصول المسبار الإماراتي إلى المريخ حدثاً عادياً في تاريخ دولة الإمارات، ولم يكن هذا الحدث بطبيعة الحال ليمرُّ على الشارع العربي دون أن يشهد مداً وجزراً وآراء متباينة تصل حد العراك الالكتروني أحياناً. الأمر ليس غريباً، فالمشهدية ذاتها تتكرر مراراً تحت مسميات مختلفة، ذلك أنّ الشارع ذاته منقسم على نفسه لدرجة بات قادراً معها على تسخيف أي إنجاز، إذا ما استثنينا أنّ “الشيف بوراك” تمكن من لمّ الصف خلفه. أما فيما يتعلق بالدين والعرق والسياسة والجنس والتكنولوجيا وسواهم فتخضع هذه المواضيع لأخذ ورد ينتهي غالباً بالتكفير والتهديد بإراقة الدماء، ولا يحتاج الكثيرون إلى ذرائع منطقية، فالفتاوى جاهزة وفضفاضة على قاعدة أنّ المقصلة تتسع لجميع الرؤوس.

بالطبع حضرت سوريا على ساحة الرأي حول هذا الحدث، لينقسم الشارع هذه المرة إلى قسمين، قسم بارك لدولة الإمارات وقياداتها وقدم أخلص الأمنيات بدوام تفوقها؛ وقسمٌ راح يسخف الإنجاز ويتندر حوله متذرعاً أنّ كل ما في الإنجاز هو أجنبي باستثناء أرض إطلاق المسبار فكانت عربية. ولم يستطع البعض ممن أبدى رأيه ألّا يغلب السياسة على الحدث، وهنا كان انقسامٌ آخر، فسوريون مدحوا الإنجاز لمجرد مدح دولة افتتحت سفارتها في عاصمتهم وأعادت تمثيلها القنصلي كأول دولة خليجية تكسر العزلة الدبلوماسية حيال دمشق، وقسمٌ آخر رفض الإنجاز على قاعدة أنّ الإمارات عينها كانت ركيزةً سابقة في الحلف الخليجي ضد دمشق، وبين الاثنين برز رأيٌّ آخر تبنته بعض المعارضة على قاعدة أنّ انفتاح الإمارات نحو دمشق يمثل طعنةً لهم.

إذن، لم يستطع السوري بعد هذه السنوات أن يقول رأياً يتبناه بالقناعة المجردة والخالية من العواطف، إذ نجح مرةً جديدة في خلق صراعٍ دون مبرر أو جدوى، فلا هذه الآراء أغنت الإمارات، ولا أنقصت من شأن إنجازها، بيد أنّه اتضح بالدلائل المتتالية أنّ الشارع السوري يبحث عن الخلاف ولو اضطر لخلقه من تحت أظفاره.

الجميع يريد الإمارات

في الظل وخلف الكواليس وفي العلن أيضاً يسعى كثيرون، الفئة الشابة بالعموم، للحصول على فيزا تخولهم الذهاب إلى الإمارات، وغالباً رحيلٌ بلا عودة، نيةٌ تقرأها بين سطور الناس وتدويناتهم، تحديداً أولئك الذين حولوا الحدث إلى كوميديا سوداء، كوميديا من النوع الذي يقارن بين امتلاك الإمارات لإنجاز المسبار، وامتلاك السوريين لإنجاز البطاقة الذكية والطوابير الممتدة والقهر المقيم في يومياتهم.

المقاربة غير عادلة، فتفاوت الفرق الحضاري عززته عشر سنوات من الحرب في سوريا، الحرب التي دمرت أحياء وقرى، وقضت على الواقع الاقتصادي، ومزقت الأسر، وأنجبت الفقر، وكرست السواد، وفعلت ما فعلته في النفوس، قياساً ببلد استند على حاضره ليحجز دوره كخامس دولة حول العالم تصل إلى المريخ، وحقيقةً هي وصلت إلى المريخ بغض النظرعن أنّ عمرها عشرات السنين وعمر دمشق آلاف السنين، هذا تندرٌ آخر نشره سوريون على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

الهالة الكبرى

يتخيل كل سوري يسعى للسفر إلى الإمارات بأنّ فرصاً من ذهب تنتظره هناك، وهذا ما حصل مع لمياء منصورة (سورية مقيمة في الإمارات)، حيث تخبرنا أنها قصدت دبي طمعاً بفرصة عمل ذات دخل مرتفع تقلب الموازين في حياتها قياساً بأي مفصل من مفاصل بلدها الأم، وعن تجربتها تقول: “سافرت إلى دبي بحثاً عن مستقبل أفضل، مستقبل مضمون، ولكنني اصطدمت بآلية التدرج الوظيفي المرهقة، لم يكن هذا ما اعتقدت، كان علي أن اجتهد أكثر مما تخيلت، وأن اكتسب خبرة كبيرة”.

عملت لمياء في وظيفة بشركة مقاولات، ولكنها بدأت تكتشف شيئاً فشيئاً أن الحلم الذي رسمته بدأ يخبو بريقه: “لكي أتدرج وأصل إلى مناصب عليا لا يجب أن أكون سوريّة، السوري لم يعد ورقة جوكر في الإمارات، لتحصل على مناصب كبيرة في شركات مهمة يجب عليك أن تكون من حملة الجنسية الأمريكية أو الأوروبية، الوضع تغير عما كان عليه قبل حربنا”.

لا يبدو الأمر أفضل عند فاتح (اسم مستعار – سوري مقيم في الإمارات) حيث يشارك: “لا أريد الحديث عن أي شيء يتعلق بمجيئي إلى الإمارات، لست مرتاحاً، لا أريد أن أتحدث عن الأمر، ولكن باختصار، ذهلت بالعمران والحياة وخذلت في كل ما عدا ذلك”.

البلد الذهبي

أما عبير العلي (سورية مقيمة في الإمارات) فقد سحرها الجو الإماراتي، وتعبر عن ذلك بندمها عن كل لحظة لم تقصد فيها دبي. تُلخص عبير وجودها الذي لم يمض عليه سوى عامٌ واحد بأنّ ما تراه هناك لا يصدق: “تشعر أنك إنسان، وبأنك للتو انتقلت إلى كوكب جديد، هنا تنبهر تماماً، كل شيء مختلف، النظافة، القانون، التنظيم، النظام العام، كل شخص معني بنفسه فقط”.

سرعان ما وجدت عبير فرصة عمل في متجر معروف للألبسة وبراتب عالٍ وتقول بتفاؤل: “أنت وصاحب العمل واحد، حقيقة أنت والجميع واحد، لا تمييز ولا تفرقة، الكل هنا إنسان له الحق بالحياة، هنا أنت حر من كل القيود والمشاكل والصراعات، هذا البلد يحتوينا ويحتوي غيرنا، والهدف يكمن في كله بالعمل لأجل الحياة”.

سفرٌ لدفع البدل

سوريون آخرون سافروا إلى الإمارات لأهداف أخرى بينها قضاء مدة تخولهم دفع بدل الخدمة العسكرية وفق ما تم إقراره من قانون الخدمة الإلزامية، هكذا فعل أحمد بركة (سوري مقيم في الإمارات)، حيث يقول:”جئت إلى الإمارات ووجدتُ عملاً بدخل جيد وكل ذلك بهدف جني مبلغ من المال لأدفع بدل خدمة العسكرية الإلزامية”. وحول سفره يقول: “قدمت أوراقي في أحد مكاتب السفر المعتمدة في سوريا، ثم سافرت إلى الإمارات، في الفترة الأولى تعذبتُ كثيراً حتى تعرفت على الجو واعتدت البلد، وعملت في معمل للشوكولا بينما كنت قد سجلت دورات لتقوية لغتي الإنكليزية، اللغة الأجنبية مطلوبة هنا في كل شيء تقريباً. الآن أعمل في فندق، وأعتقد أنني بعد دفعي للبدل، سأظلّ هنا في الإمارات، المستقبل هنا أفضل وأكثر إشراقاً”.

فقدان الكرامة والمستقبل المأمول

تروي سما إبراهيم (سورية مقيمة في الإمارات منذ أشهر) تجربتها بكثير من المرارة؛ فتفكيرها لا يزال متعلقاً ببلدها الأم، ولكنها رغم ذلك لا تفوت فرصة للمقارنة بين البلدين. وتعتبر سما أنّ سوريا قد استنزفت طاقتها وتفكيرها وحتى مستقبلها: “لم أكن أنوي بأي شكل أن أترك البلد، حتى أني كنت أحقد على من يفكر بهذه الطريقة، ولكنني أصبت بخيبة أمل، وصلنا لمرحلة كدنا نشحذ، ننام على أسعار ونستيقظ على أخرى، مقومات الحياة باتت معدومة، ويمكن القول حرفياً أنني ما عدت أحس بكرامتي”.

تقول سما أنها غادرت حين أحست بالعجز، وضياع المستقبل، وأنّ مصير شباب البلد يتجه نحو المجهول: “بإمكاني أن استخدم كل الكلمات القاسية لوصف مشاعري، من الغضب واليأس والقهر لاضطراري أن أترك بلدي، وثم أجد أنّ كل ما ينقصني هو هنا”.

تؤكد سما أنّ فرص العمل في الإمارات باتت قليلة جداً، سيما مع وجود نظام للترحيل في ظل الظروف القائمة، إذ يتوجب على الشخص إثبات نفسه والارتباط بعقد عمل واضح وصريح، وعن طريقة سفرها، وتقول: “العامل الذي ساعدني كثيراً هو أنني فتاة، لأنّ حصول الفتيات على فيزا أسهل من حصول الشبان عليها بكثير، عانيت في البداية من الغلاء في كل شيء هنا، ولكنني بدأت أتأقلم”.

ويبقى المشترك بين سوري سافر إلى الإمارات، وآخر ينتظر فرصةً للسفر، وثالثٍ متمسك بالبقاء، إيمانهم بأنّ سوريا ما عادت تشبه نفسها، وبأنّ حرب الاقتصاد والجوع أقسى من حرب العسكر والسلاح، وبين الحربين بلادٌ ممزقة ومصير مجهول يعصف بها وبحياة أولادها.