أوراقٌ بيضاءُ وألوانٌ موزّعةٌ بالتّساوي هنا وهناك، سلّةٌ مليئةٌ بالكرات الملوّنة ذاتِ الوجوه الضّاحِكة، وقطعُ بازل إسفنجيّة بأحجامٍ مختلفة، بالوناتٌ تتهيّأُ للطّيران، ورسوماتٌ متنوّعةٌ تستلقي على الجدرانِ بانتظارِ من يوقظها.. ثلاثةُ شبّانٍ وأربع شابّات يتوزّعونَ بترتيبٍ مدروسٍ بستراتهم الموحّدة التي يتربّع عليها اسمُ الجمعيّةِ التي يعملون فيها والمنظّمةِ التي تموّلها. الهدوءُ يعمُّ المكان، دقيقة.. دقيقتان.. خمسُ دقائق.. وها هي ذي الموجةٌ القويّةٌ المنتظَرة من الصّياحِ والهتافِ والرّكضِ والضّحكِ تندفعُ نحوَ بوّابةِ المركز، مبدّدةً الهدوء، ومحرِّكةً كعصاً سحريّةأجسادَ المتطوّعينَ الثّابتة ووجوههم ذات الابتساماتِ المرسومةِ بخطٍّ رفيع، والّتي ستعملُ فيما بعد ممحاةُ التمويلِ وقلّة الخبرة على محوِها أو على الأقلّ تغيير اتجاه انحنائها؛ بدأ العمَل.. كانت مدّةُ النّشاط ساعتينِ ونصف، تعارف الأطفال فيها، غنّوا، رسموا، لعبوا وطيّروا البالونات، ثمّ عادوا، محمّلينَ بالفرح، إلى بيوتهم. بيوتِهم التّي على عتباتِها، سيمسحونَ ما علقَ على أحذيتهِم ووجوههم من ضحكاتٍ وأمل، ليدخلوا كما خرجوا، أطفالَ واقعٍ مريرٍ يرميهِم بيدِه الخشنةِ يميناً وشمالاً.. شرقاً وغرباً.. وفي كلِّ اتجاهاتِ الألمِ والفقر والتّعاسة.

القفزُ على سلّمِ الاحتياجات

عام 2008 بدأتُ العملَ في تنمية وثقافة الطّفل، مع إحدى مؤسسات البلد التي كانت تكبرُ وتكبرُ شيئاً فشيئاً، محقّقةً للوهلةِ الأولى آمالاً ورغبةً ملحّةً لديّ بأن أساهمَ في مساعدةِ جيلٍ كاملٍ من أطفالِ سوريا في النّمو النّفسيّ الفكريّ والمعرفي، بأن أكونَ جزءاً من مجتمعٍ واعٍ لأهمية هذه الشريحة العمريّة، أهمّيةِ النّهوضِ بها، شحذِ شخصيّتها، وتزويدها بالمهاراتِ والأدواتِ اللازمةِ لتكونَ عنصراً فاعلاً متفاعلاً بنّاءً وخلّاقاً في المجتمع. كانت أدواتُنا المسرح والسّرد القصصيّ، والحوار. وكنتُ مؤمنةً إيماناً كاملاً بسموّ الهدف وإمكانيّة تحقيقه.

كان فريقُنا جوّالاً يقيمُ فعاليّاته في كلّ أنحاءِ سوريا، تماماً وبكلّ معنى الكلمة، كلّ المدن والأرياف القريبة والبعيدة، من جرابلس والبوكمال وحتّى أبعدِ نقطةٍ في درعا، في البداية لم أصدّق عينيّ وأنا أرى الصروح والمراكز الثّقافيّة التي تنتصبُ برُخامها اللامع ولافتاتها الكبيرة في بقاعٍ لم أكن أظّنها موجودةً على الخارطةِ أصلاً. تخيّلوا معي المنظر، بيوتٌ طينيّةٌ لا ترتفعُ عن الأرض أكثرَ من ثلاثةِ أمتارٍ، وشوارعُ غير مزفّتة، يعلو وسطها بناءٌ جميلٌ من رخامٍ لامع، فرشٌ من الجلدِ الأنيق، ومسرحٌ تكادُ خشبتهُ وكراسيه ترقصُ من شدّة النّظافة وكأنَّ أحداً لم يمسسها أو يستخدمها، وهذا ما كان بالفعل، لم يدخل أحدٌ من سكّان هذه البلدةِ سابقاً إلى المركز باستثناء مديره وموظّفيه، بل ولولا وجودنا وفعاليتنا لما عرفَ أحد أنَّ اسمَ هذا البناء مركز ثقافيّ“. وأظنّه عادَ إلى سباتِه وسكونه مذ أنهينا عملنا فيه.

حتّى عام 2011، كانت هذه المؤسسة هي الجهة الوحيدة تقريباً، مع استثناءاتٍ قليلة، التي تقيم نشاطاتٍ للأطفالِ في أنحاء البلد، نشاطاتٍ كان واضعو خططها ومحتوياتها أشخاصٌ من أرستقراطي البلد الذين ربّما لا يعرفون أنّ ثمّة أطفالٌ، في تلك البلدةِ وغيرها، حفاةٌ حتى تلك اللحظة، لم تدخل حتّى الأحذيةُ إلى ثقافتهم.

عندما قرعت الحربُ طبولها وقرّعت رؤوس وصدور مواطني هذا البلد الذي لا يعرفُ ابنَ ساحلِه أبناءَ جبله، ولا يعرفُ ابنَ جنوبِه أبناءَ شماله. بدأت حُمّى الجمعيات والفرق الإغاثيّة بالانتشار والتّكاثر بسرعةٍ مفاجئةٍ غريبة، ينابيعُ من الأموالِ شقّت الأرضَ بغتةً وبدأت تفيضُ لتعِّبئَ الصّناديق بالأغذيةِ والمستلزمات الصحية والإسعافيّة، وتعبّئ جيوبَ وحساباتِ مدراءِ ومؤسسي هذه الجمعيات بالكثيرِ الكثيرِ من الأموال. في فترةٍ لاحقةٍ انحسرت الحاجةُ إلى الإغاثة، وكي لا يقعدَ هؤلاء بلا عمل، غيّر أغلبهم لافتاتِ مؤسساته وجمعياته من الإغاثة إلى الدعم النفسي الاجتماعي.”

عدوى الدّعم النفسي الاجتماعي

الدعم النفسي الاجتماعيمصطلحٌ لم يعرفه السّوريّون، عدا فئة قليلة من المختصين والمهتمّين، قبل2013 أو فلأقُل قبلَ انهمار الأسلحةِ بأنواعها والموتِ بأشكاله على البيوتِ وأهلها، وقبلَ بدء حملات التّهجير والتّدمير للبشر قبل أيّ شيءٍ آخر، حين بدأت منظمات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدوليّة العالميّة بضخّ الأموالِ إلى الجمعيات والمؤسسات التي راحت تفقسُ في كلِّ مكان، تحت مبرِّر الحاجةِ والاحتياج“. لا شكَّ أنَّ الحرب أنجبت وتنجبُ من الكوارث والأضرارِ النفسيّة ما يكفي لقتلِ أيّ أملٍ في التّعافي، ولا شكَّ أنَّ أعداداً هائلةً من السوريين، أعداداً أكبر بكثير مما صرّحت به منظمة الصحة العالميّة وغيرها من الجهات المعنيّة بالأمر، قد وقعت طريحةَ الحرب والأمراضِ النفسيّة، ما يجعلُ العلاجَ النفسيّ والدعم النفسي الاجتماعي ضرورةً قُصوى وحاجة ملحّة لا غنى عنها أبداً؛ صحيحٌ أنَّ الصّحة النّفسيّة لكثيرٍ جدّاً من السوريين لم تكن في أوجها قبل الحرب، بل لم تكن حتّى ضمن تصنيفِ (مقبول)، وصحيحٌ أنَّ الأمر لم يقلِق أيّاً من الجهاتِ المحليّة أو العالميّة سابقاً، ولم يدفع أحداً للتحرّك نحو العمل، أو فلأقل نحو الواجب الإنسانيّ، لكنّني لستُ الآن بصددِ الحديثِ عن المرحلةِ السّابقة.

تاريخيّاً، تُشنُّ الحروبُ في بلدٍ ما لتفتح الطّريقَ أمامَ السّوق، سوق الأسلحة مثلاً.. لكن هل من الممكن أن يكون للخدمات المجتمعيّة والنفسية سوقٌ ينشطُ أيضاً في أوقاتِ الحرب؟! سؤالٌ استفزّني كثيراً طوال هذه السّنين الخمس، وكثيراً ما رميته جانباً لأتمكّن من المضيّ في عملي مع الأطفال واليافعين والمتضررين من الحرب في برامج الدعم النفسي الاجتماعيالّتي تنقّلتُ معها من منظمةٍ إلى أخرى ومن جمعيّةٍ إلى أخرى.

في البدء كان الكثيرُ من هذه الأنشطةِ والبرامجِ يعبّر عنّي ويحفزني على الالتحاق بها هنا وهناك، لأكتشفَ بعدَ وقتٍ ليسَ بطويل، أنَّ ما آمنتُ به، أو من آمنتُ بهم، ليسوا سوى مدّعين، ومسيِّري أعمال، ربّما كنتُ أنظرُ بعَينَي رغبتي وإيماني، اللتين كلما خابَتا أيقظتُهما واستنهضتهما.

الواقعُ مرير، الحربُ طاحِنة متوحِّشة، والنّاسُ في أسوأ حالاتهم، ولا بدّ لي من تأدية واجبي الإنسانيّ، أحملُ حقيبةَ معرفتي وخبراتي وأنطلق، أعملُ وأعمل، بل وأناضلُ للحفاظِ على مفهومي لِـ الدعم النفسي الاجتماعيعن مفهومي لحماية الطفل، والدعم النفسي، والتوعية و و و.” أشاركُ في حملاتٍ ضد العنف الأسريّ والمجتمعيّ، ضد التحرّش، وضدّ سَوقِ الأطفالِ إلى معتقلاتِ الزواج المبكّر، ضدّ عمالة الأطفال، وضدّ الكثيرِ جدّاً من الممارساتِ اللاإنسانيّة المتجذّرة أساساً في مجتمعنا الهشّ المريضِ هذا، والمتفاقمةِ اليوم، أشاركُ في نشاطاتٍ، ورشاتِ عملٍ، مبادراتٍ ومشاريع لتخفيفِ الأضرار النفسيّة على النّاس. أعملُ بطاقتي كاملةً بل إنني كثيراً ما استعرتُ طاقةً من الكون، كي أستمرّ، وأثناءَ عملي مع هذه الجهةِ او تلك، كانت الحقيقةُ البشعةُ تتجسّد أمامي شيئاً فشيئاً بكلّ عوراتها رغم كلّ محاولاتي لغضّ الطّرف، والنّضال للحفاظِ على مهنيّتي، وضميري في العمل، على الأقلّ في الجزءِ الخاصِّ بي متعكّزةً بمقولة لا تلعن الظلام.. بل أشعِل شمعة، لأنهزمَ أخيراً، وأعترف بفشلي بصوتٍ عالٍ ومدوٍّ، فأنسحبُ جارّةً خيبتي كذيلٍ فولاذيٍّ لعينْ. لا تقلقوا عليّ.. فأنا سريعةُ النّهوض. نعَم، اكتشفتُ خلال هذه السنوات أنّ مخزون الطّاقة لديّ لا ينفد، أو إنّه سرعانَ ما يعودُ للامتلاء. وبذلك، أنتقلُ لمتابعةِ عملي بإصرارٍ أشدّ، وطاقةٍ أكبر، وبعدَ البحثِ والتّمحيص، ألتحقُ بالجهةِ أو الفريق الذي، يبدو لي للوهلةِ الأولى أنّه يعملُ لأجل الإنسان، الإنسانِ فقط، ويعودُ الدولابُ النّاريُّ للدّوران، الدّوران فوقَ جسدي المتمدّد تحته كخرقةٍ بالية، حقيقةٌ تتكشّف، وهمٌ يزول، ورحلةُ بحثٍ جديدة.

العصا في يد، والوردةُ في الأخرى

اعتزلت العمل مع المنظمات والجمعيات مدّة سنةٍ ونيّف، ولست الوحيدة في ذلك، كثيرٌ من المختصّين والخبيرين بالعمل في الدعم النفسي الاجتماعي عن طريق الفن وغيره، والذين كانوا يعملون باحترافيّة وضمير، اختاروا الانسحاب مقابل العملِ كيفما اتّفق، بعضهم سافر، وبعضهم كوّنَ فرقَاً تطوعيّة، والبعض الآخر أكمل المسيرةَ وحدَه كجهدٍ فرديّ، وآخرونَ اعتزلوا الأمر تماماً. وأغلب مَن بقيَ يعمل مع هذه الجهات أشخاصٌ غيرُ كفؤين إمّا يبحثونَ عن نشاطٍ يملؤون به فراغهم، أو يحصّلون عن طريقه دخلاً آخر، أو.. أو….

سيأتي البعضُ ليقولَ لي إنّ هذه الجهات لا تبخل في تدريب الكوادر وتطوير مهاراتهاوأقول، هذا صحيحٌ تماماً، ولكن، هل تصنعُ بضعُ ورشاتٍ ودوراتٍ من شخصٍ ما مدرّباً أو أخصائياً اجتماعيّاً، أو..، ولنفترض أنها تفعل، فهل يسعى مدراء البرامج ومنسّقوها إلى متابعة وتقييم الأشخاص بناءً على مهاراتهم في العمل؟!، أم بناءً على مهاراتهم في كسبِ ودّ هذا المدير أو ذاك، ومهاراتهم في تشكيل صورة جيّدة يلتقطها موظّف الميديا وتنبهرُ بها الجهةُ المانحةُ فتقدّم على إثرها المزيدَ والمزيدَ من المال؟

إذاً فإنَّ التّأثير المطلوب لهذه الأنشطة لم يعد موجّهاً نحو النّاس، إنّما نحو المانحين (الدّونرز). وعلى هذا، فإنّك إن قلّبت المواقعَ الإلكترونيّة وصفحات التواصل الاجتماعيّ الخاصّة بهذه الجمعية أو تلك، فإنك ستُدهَشُ حقّاً، وتقول مازال البلدُ بخيرأو ربّما تشطح أكثر وتفكّر على هذه الحال لن يطول الأمر، سنةٌ أو أكثر بقليل ويتعافى المجتمع، لا عنف.. لا كراهية.. لا اكتئاب.. لا تحرّش.. لا تمييز.. لا.. لاهه إنّهُ حلمٌ بعيدُ المنال يا صديقي، ولستُ أتكلّم هنا بتشاؤميّة إنّما بواقعيّة، فلو استطعتَ الخروج من أمامِ شاشتك الصّغيرة، والولوجَ إلى قلبِ نشاطٍ ما، سترى الحقيقةَ بأمّ عينيك، فنسبةٌ كبيرةٌ من هؤلاء الشّباب الذين يحتضنون الأطفالَ في الصّورة ويبتسمون، يحملونَ في يدٍ وردة، وفي الأخرى المختبئة خارج الكادر يحملونَ عصاً، عصاً من عنفٍ لفظيّ، وأحياناً كثيرة من عنفٍ جسديّ. وأخيراً السؤال الذي يطرحُ نفسه.. من المسؤول؟! هل المسؤول عن هذه الانتهاكات هو المتطوّع؟! أم المصوِّر؟! مدير الفريق؟! مدير البرنامج أم مدير الجمعيّة؟!  الجهة المانحة.. أم أصحاب الشأن في الدولة.. أم أنا.. أم.. أَم