ماذا يحصل في دولة تنخر جميع مفاصلها شتى أنواع الفساد والمحسوبية، وتحكمها شلة من المسؤولين الانتهازيين الموهومين بتحقيق الإنجازات، المنفصمين عن الواقع بأقوالهم وتصريحاتهم الخيالية، التي تقول بأن شوارع دولتهم أفضل من شوارع سويسرا!

ماذا يحصد مواطنو هكذا دولة من مسؤولين بهذا المستوى من التفكير، حين تواجههم مصيبة أو كارثة؟ إنهم لا يحصدون سوى الوهم واليأس والتعب.

ليلة الـ 26 من نيسان كانت ليلة قاسية وحزينة على السوريين الذين فقدوا ممتلكاتهم وطافت بيوتهم بالسيول، كارثة بيئية بحجمها الكبير كشفت عيوب المسؤولين، الذين على مدى عدة عقود لا يعبرون مواطنيهم ولا يظهرون للعلن أمام الناس لإعلامهم بكيفية التعامل مع أي كارثة تواجههم سواء كانت كارثة بيئية أو إنسانية، في حين يعتبر هذا الأمر بديهياً لدى المسؤولين في دول العالم المتحضر، فتوعية الناس وتثقيفهم بكيفية التعامل مع الكوارث واجب على الدول التي تحترم شعوبها.

غزارة الأمطار الهاطلة تحولت إلى سيول جارفة، بشكل لم يعتده السوريون خاصة في عاصمة الياسمين “دمشق” فقد تحولت الأمطار لطوفان خلال ساعات قليلة، حيث كثر نزول الأمطار في سائر المناطق السورية، وكانت غالب مناطق دمشق قد نُكبت بخسائر من هذه السيول فنتج عنها ما لم ير مثله منذ سنين من أضرار بالغة في المباني والسيارات والحافلات.

تسببت الأمطار الغزيرة، في وقوع حوادث مرور خطيرة فضلا عن اجتثاث أشجار وأعمدة الإنارة. كما عاشت عائلات أوقاتاً عصيبة بعدما وجدت نفسها عالقة بسيارتها وسط السيول.

جرف الطوفان كل شيء وكأن ما أصاب السوريين خلال سنوات الحرب لم يكن كافياً ليحل عليهم طوفان نيسان بقسوة لم يسبق لهم أن شاهدوا مثلها.

طوفان نيسان، كشف عيوب محافظة دمشق وواليها “المحافظ”، الذي أجر واستثمر بمرافق دمشق وحولها إلى عاصمة “للأجار”، ورغم فداحة هذا الطوفان وما كشفه من عيوب، إلا أنه عجز أن يخرج أي مسؤول عن صمته، ليقدموا اعتذاراً شفهياً للناس، ولم يتجرأ أحد منهم على تقديم استقالته لفشلهم في احتواء هذه الكارثة وما حصدته من أضرار ذهب ضحيتها عدد كبير من ممتلكات السوريين.

رغم وجود مركز للأرصاد الجوية، ومركز للاستشعار عن بعد، إلا أن المسؤولين في سوريا لم يغيروا من آلية تفكيرهم وإدارتهم لتجنب الكوارث الطبيعية التي تقع دون أي تحضير أو استعداد حكومي لمواجهة مثل هذه الكوارث البيئية، وما أن ينتقد المواطنون قصور هذه الجهات وفسادها حتى تنهال التبريرات والأعذار غير المنطقية بأن حجم الأمطار كان فوق المتوقع، وبأن الأضرار وقعت فقط ضمن المناطق العشوائية التي تفتقر للتنظيم الجيد، علماً أن هذا التبرير غير صحيح فشوارع العاصمة الرئيسية تحولت خلال ساعات قليلة لأنهار تطفوا وسطها السيارات.

السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو استمرت الأمطار بالهطول بهذا الحجم لمُدة 3 أيام متواصلة؟ هل كان سيقوم أحد المعنيين بتفقد المواطنين ومحاولة إنقاذهم ومساعدتهم في مصابهم؟

السوريون الذين دهشوا من حجم الطوفان، لم يدهشهم صمت المسؤولين وفسادهم حتى بأبسط حقوقهم وهي ضمان أمنهم وسلامتهم، فقد اعتاد السوريون مواجهة مصائبهم لوحدهم دون التفكير ولو لبرهة بالتعويل على حكوماتهم المتعاقبة التي اعتادت لعب دور “المتفرج الصامت” ومراقبة مايحدث حولها، وكأنه في كوكب آخر.

طوفان سوريا، مؤشر بسيط ومرآة عكست مجمل حال البلد والحكومة والإدارات، البلد غارق بفساده الذي كان أبرز أسباب الحرب التي يعيشها، ومع ذلك يترفع المسؤولون صغيرهم قبل كبيرهم، عن إيجاد مخرج لمثل هذه الكوارث، ويمضي الوقت دون أن يحاسب أحد. أما مجلس الشعب فهو مجلس للنوام وليس للنواب، فاشل في استجواب مسؤول وعزله أو إحالته للقضاء، والسبب أن الجميع يعمل وفق آلية السكرتارية ينتظرون الأوامر والتوجيهات لتنفيذها، ومعايير نجاح المسؤول لا تتصل بالإنجازات الحقيقية ورضا الناس إنما تتصل بالتخريب والفساد والتدمير واستغباء المواطن.

يضاف طوفان سوريا، إلى قائمة الكوارث التي واجهها السوريون خلال سبع سنوات من حرب عصابات وتفجير، وقصف، وقتل، وخطف، وسرقة، ودمار البنى التحتية، إلى التشريد، والتهجير، وجفاف الأراضي، والعواصف الرملية، والثلجية، وبذلك يكون السوريون من أكثر الشعوب الذين عاصروا وواجهوا جميع الكوارث البشرية والبيئية، مرددين بأعماقهم مقولة الكاتب الراحل نجيب محفوظ “نحن في حاجة إلى طوفان جديد لتمضي السفينة بقلة الفضلاء ليعيدوا خلق العالم من جديد” عل الطوفان القادم يقضي على الفاسدين.