إعداد وحوار: أسامة إسبر

منذ أن عثر على وسيلة التعبير المناسبة له، والتي هي الكاميرا، بدأ الفنان السوري المقيم في المجر بهجت اسكندر حياة جديدة، مختلفة كلياً عن حياته كطالب يدرس الهندسة. علق على كتفه الكاميرا الأولى التي أهداها لنفسه، لأنه يعرف نفسه وما تحب، وانطلق كي يقبض على المشاهد العابرة، وبنى عالماً فنياً متكاملاً من الصور التي تسلسلت من الصور الواقعية التي وثقت لمراحل مهمة في المجر، إلى فن البورتريه الذي دعاه النقاد ملكاً له، إلى الصور الموحية كاللوحة الفنية، ولهذا يجمع في صوره بين العالم المرئي، في جمالية حضوره، والعالم اللامرئي الذي يظل هارباً لكنه يتجسد للحظات ويتجلى حولنا ويمنح نفسه لمن يعرف أن يراه.

بهجت اسكندر يعرف جيداً أن العلاقة مع الصورة ليست علاقة حب عابرة، ليست نوماً في سرير الأشياء واستيقاظاً ورحيلاً، بل هي غوص وسفر وهجرة وإقامة في عوالمها وفي ما وراءها وفيما تقود إليه، ولهذا تظل الصورة ناقصة بالنسبة للروح التي تسعى وتطمح إلى الكمال في منجزها الإبداعي، هذا اللاكمال، هذا النقص هو طريق الروح التي يتجلى بحثها في الصورة.

يعرف كثيرون بهجت إسكندر كفنان وثق لتواريخ وأمكنة وحالات كثيرة في سوريا بلده الأول والمجر بلده الثاني الذي شهد ولادته كمصور فوتوغرافي منذ أن هاجر إليه سنة 1967 وحيث حصل على أرفع الجوائز والأوسمة، ورسخ اسمه كأحد أبرز المصورين الضوئيين في المجر، وسيتعرفون عليه من جديد هنا في هذا الحوار الذي يروي فيه قصته كمصور وكيف ينظر إلى الصورة، مضيئاً تجربته من الداخل، ومتحدثاً عن حياته وفنه، كي يمنح القراء صورة أخرى يرون فيها الفنان في حياته وعمله.

أسامة إسبر: ما الذي قادك إلى الكاميرا وفتنة التصوير؟  هل كان التصوير في البداية مهنة، أم أنك اخترته كفن؟

 بهجت إسكندر: عندما وصلتُ إلى المجر من أجل الدراسة والتخصص كان هدفي الأول هو أن أحاول الاستفادة من كل شيء جديد ومفيد. كنتُ متعطشاً للعلم والمعرفة باختلاف أنواعها. وكنت أشعر أنني أمثل منطقة وبلداً أحبه وأعتز به وأحاول حفر ونقش أعمالي بحجر صلب. ومن يعيش هذا يفهم ما أقوله. شاركتُ من البداية دون معرفة واتقان للغة بشكل جيد في الندوات والأنشطة الثقافية، وجذبني الفن بشكل خاص من نحت ورسم وموسيقى وتصوير فقررت أن أحاول التعبير من خلال الصورة لأنها سهلة القراءة والفهم ولغة العصر الحديث.

بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة في عام 1968 قدمت لنفسي هدية هي آلة تصوير روسية الصنع من نوع زينيت، واشتريتُ في الوقت نفسه الأحماض والأوراق والأفلام اللازمة معاهداً نفسي بأن ألتزم التصوير كأداة للتعبير وليس لكسب المال، لأنني كنت أدرس الهندسة وكانت في حينها كافية جداً لتأمين المعيشة بأمان ورفاهية.

كانت الصورة في كثير من الأحيان تحل مشكلة اللغة فكان الجميع يفهمونها مما زادني ثقة وأملاً.

 أإ: تركز في كثير من صورك على وجه الإنسان وعينيه. متى تستطيع الصورة أن تنقل الحالة التي يمر فيها الوجه، ومتى يكون الوجه الواقعي، الذي هو موضوع الصورة، جاهزاً للصورة؟

 ب. إ: منذ بدايتي بالتصوير ركزتُ على الإنسان وهمومه اليومية بشكل كبير، وكانت قراءتي للإنسان من خلال وجهه وتعابيره وعينيه تملك كثيراً من الأسهم والميزات التي لا يمكن تجاهلها حيث هي أن العين هي مرآة الإنسان، ولربما كانت العين هي مصدر وهدف قراءتي للحقيقة. وكانت دائماً تذكرني عندما كنت طفلاً صغيراً في سن الثالثة أو الرابعة بوالدي الذي أحضر لي مرة هدية وكانت صندلاً أذكره تماماً بلونه الخمري. وحين انحنى والدي وناولني الحذاء ناظراً إلي توهجت عيناه وبقي معي هذا البريق في العين من وجه أبي الذي فقدته بعدها وأنا في سن الرابعة أو الخامسةهذه آخر صورة في الذاكرة عن أبي رحمه الله، وفيما بعد أصبح الخيال حقيقة عندما أرى المشاهدين يقفون أمام الصورة ويحاولون قراءتها جيداً وعند ذلك أقول لنفسي وصلت الرسالة وأخذت الصورة مكانها

أإ: كيف تستكشف الوجه فوتوغرافياً؟ ما هي فلسفتك الخاصة في تصوير البورتريه، هل تقوم بالتقاط صورة الوجه مباشرة أم تتحدث مع الشخص وتتعرف عليه ثم تصور وجهه؟ ولماذا تفعل ذلك؟

ب. إ: كما ذكرتُ سابقاً إن الوجه بالنسبة لي هو كل الإنسان، ومن يفهم الوجه يقرأ الإنسان بكامل طباعه، بحزنه وفرحه، بصمته ومحبته. وغالباً عندما ألتقط الصورة الفنية للأشخاص أحب الاطلاع على الشخص من خلال الحديث معه، وقد يستغرق الوقت أكثر من إخراج الصورة لأن كثيراً من الأشياء المهمة تظهر ويتم توضيحها من خلال معرفة الشخص جيداً.

 يُقال عني في المجر إنني سيد البورتريه أو ملك البورتريه، وهذا يتطلب مني الجدية وأخذ كل ما يمكن أخذه، من أجل إخراج الصورة المناسبة والمعيرة على الشخص، ولذلك يجب اختيار الوقت المناسب من أجل توقيف الزمن لمدة وجيزة جداً، وكل ذلك من أجل أن تكون الصورة عملاً فنياً أدخل من خلاله إلى باطن الإنسان .

هذا هو السر في جودة وقوة البورتريه، ففي كثير من الأحيان تأخذك تعابير الوجه وحركة الأيدي إلى الباطن وعندها تختار بسرعة الزمن والمكان المناسب لالتقاط الصورة.

 أإ: صورتَ كثيراً من الكتاب والشعراء المشهورين،  هل كان لقرائتك لأعمالهم دور أو تأثير ما في مقاربةالبورتريه؟

ب. إ: كان لي الحظ الكبير والنادر في المشاركة بمعرض فني في لقاء لأدباء المجر  في عام 1979 من القرن الماضي، وحضر اللقاء في الوقت نفسه كبار مفكري المجر في ذلك الوقت  الذين تعرفتُ على الكثير منهم، ومع الأسف الشديد غادروا الحياة لتقدمهم في العمر. حدث هذا اللقاء التاريخي في مدينة لاتي تيلك ولامس الأوضاع المجرية في ذلك الوقت، وكانت لي شهرة كبيرة بين أدباء ومفكري المجر بسبب اهتمامي وتصويري للريف المجري بدون تحيز. وبدأت المجلات والصحف بنشر أعمالي بإعجاب شديد وهذا سهّل لي الطريق كي أكون قريباً جداً من أدباء وشعراء المجر الذين بادلوني المحبة والاحترام والتقدير وصار كثيرون منهم أصدقاء لي، وتبادلنا الزيارات، وكانت حديقتي مركز تجمع للأدباء سنوياً مما سهل عليَّ العمل  فقد كنت دائماً أراقب تصرفات وحركات المشاهير كي أستطيع التقاط الصورة المناسبة وأحياناً كنت أقوم بقراءة أعمال بعضهم من أجل إخراج الصورة المعيرة الناطقة.   

أإأقمْتَ الكثير من المعارض، ودوماً صورك كانت مرتبطة بفكرة أو بتوثيق مرحلة بصرية  في المجر أو أمكنة أخرى زرتها، وهذا يقودنا إلى سؤال يتعلق بالصورة كعالم قائم بذاته، كيف تجمع الصورة بين كونها وثيقة وكونها عملاً فنياً إبداعياً؟

 ب. إ: لقد أقمتُ الكثير من المعارض في أنحاء العالم وبلغ عددها أكثر من 300 معرض خاص. شاركتُ في البداية في المعارض الجماعية بلوحة أو عدة لوحات في السبعينيات من القرن الماضي ولكن بعد استدعائي للعمل كعضو في لجان التحكيم تمكنت من أن أترك المعارض الجماعية من أجل التركيز على مشاكل ومواضيع مختلفة ولطرح أفكاري وأعمالي بشكل أوسع للجمهور ومحبي الفن. فكان من أعمالي التي حصدت الرعاية والجمهور والاهتمام الصحفي والعالمي معارض مثل معرض حفنة من العالموكذلك الريف المجري في السبعينات“  والأمهات الحواملوأدباء وشعراء ومفكري المجر، ودائماً كان لدي مجموعة من الصور جاهزة للتنقل بين المدن وصالات العرض. وكانت كل المعارض تستقطب جمهوراً أكبر واهتماماً أوسع وتغطية إعلامية أشمل.

 أأ: ما الصورة التي يعتبرها الفنان بهجت إسكندر صورة إبداعية، ماذا يجب أن يتوفر في الصورة كي تكون إبداعية؟

  حين ألتقط الصورة الفنية تأتيني فكرة سريعة جداً ويتوضح الهدف من الصورة سواء كانت تذكارية عابرة أم فنية باقية، وتتراكم علي بسرعة فائقة المشاعر مع الهدف، وأحياناً أرى الصورة في مخيلتي بشكلها النهائي على الجدار بالإطار اللازم وكل ذلك في لمحة بصر في جزء من الثانية . يحدث كل ذلك ويتم توقيف الزمن  لتبقى الصورة مجالاً للجدل والنقاش وتعيش بدون المصور الفاعل.

وليس أجمل من أن يقوم المصور بكسر الجواجز النفسية من أجل إخراج الصورة المعيرة الصادقة الباقية الدائمة وكل ذلك بسرعة فائقة وأخلاق عالية بدون استغلال مع فهم الآخر ومعرفة مسبقاً بتصرفات وحركات الموديل على أمل اختيار الوجه الإنساني الأفضل المعبر عن الشخص.

أ. إ: أنت فنان متجول، ولقد صورتَ في مدن كثيرة، ما المدينة الأحب إلى قلبك فوتوغرافياً ولماذا؟ هل تبني بعض الأمكنة علاقات خاصة مع المصور؟

زرتُ الكثير من بلدان العالم ولكن كانت دائماً دمشق وجبلة ملازمتين لأفكاري وأحلامي وحبي وحناني. كان أملي كبيراً في توثيق دمشق قبل تكون عاصمة الثقافة العربية ولكن مع الأسف لم يساعدني الحظ في ذلك وبقيت حسرة في قلبي حتى الآنأما مدينة جبلة فقد حالفني الحظ بدعوة ومساعدة الأصدقاء من محبي المعرفة والقيم حيث شاركت في مهرجان جبلة الثقافي لعام 2004 وتعرفتُ على كثير من الأصدقاء هناك من مختلف البلدان. فألف شكر لهذا المهرجان المستقل والفريد من نوعه وللقائمين عليه.

أ.إ: ما الكامير الأحب إليك كفنان، والتي تشعر أنها امتداد لعينك الفنية؟ هل من علاقة خاصة مع كاميرات معينة؟

 ب.إ: كانت البدايات صعبة جداً حيث كانت الكاميرا الأولى هي زينيت روسية وكنت أعيش حياة صعبة جداً. كانت غرفة العائلة في الليل هي عبارة عن مخبر لتحميض وتكبير الصور. وكانت التجهيزات بسيطة جداً رغم أن مشاركتي في المعارض العالمية والمحلية كانت كبيرة وكثيرة رغم التكاليف والإرهاق في العمل حيث كان عملي الأصلي مهندساً في إحدى الشركات لتصنيع الآلات في هنغاريا. بعد ذلك استعملت الكثير من الكاميرات الألمانية واليابانية، وأخيراً جهزت استديو ثابتاً وكاملاً بالفلاشات وآلات التصوير وكان استنتاجي أن أفضل كاميرا  هي الفكرة والتفكير والموضوع والمكان والزمان. إن الصورة تخرج بأي وسيلة حديثة الآن من الموبايل حتى أغلى العدسات. إن آلات التصوير غالية الثمن وعالية الجودة إذا لم تلازمها فكرة تكون كالسيارة الفاخرة بدون طريق أو الحاسوب الجديد بيد من لا يعرف تشغيله،  وكل ما تعطيك الكاميرا الحديثة هو جودة الإنتاج وسرعة المراقبة وطاقة الإنتاج ولكن كل ذلك يبقى بدون طعم إذا كان بدون رسالة أوفكرة.

منذ البداية كان الهدف الأول الصدق والمسؤولية الأخلاقية فالصورة تعكس هوية المصور. المهم أن تكون الصورة ذات رسالة أخلاقية وليست بالدرجة الأولى لحصد الشهرة. فالصورة في هذا العصر بالذات تستطيع التدمير أكثر من أي سلاح لهذا المسؤولية كبيرة جداً.

أ.إ: هل يلعب فن الفوتوغراف بالنسبة لك دوراً بالمعنى السياسي؟ خاصة أنك صورت كثيراً من الفقراء والمحتاجين وأشخاصاً في ظروف صعبة؟ ما الدافع الذي كان لديك آنذاك؟

ب. إ: فعلاً أشعر بنخوة كبيرة عندما أقف إلى جانب المهمشين وصوري أغلبها إن لم تكن كلها من أجلهم وليس ضدهم. كنت أحاول أن يراها الجميع من أجل تقديم المساعدة، وكان اختيار مواضيعي وتوسعي الفني دوماً في خدمة الإنسان والمجتمع وليس تفريقه وإحداث الكراهية من مبدأ كلنا زائلون والأعمال باقية.

وعلى سبيل المثال معارضي كلها افتتحت من قبل أدباء ومفكرين وشعراء وليس من قبل سياسيين. وبالمناسبة سمحت لي الفرصة أن أصور ميخائيل غورباتشوف وملكة بريطانيا إليزابيث وولي العهد الأمير تشارلز ووالده أيضاً في سباق الخيل وبقيت هذه الصور في سياقها التذكاري وليس الفنيكما أنني دُعيتُ لقاء راتب باهر كي أصور بشكل دائم مسؤولين سياسيين كبار لكنني لم أقبل العرض لأنني أحب أن يُطلب مني التصوير عن مواضيع مثل مشاكل البيئة والمواصلات والمجتمع والصحة والمقابر والطفولة والشباب، هذه هي الأعمال المهمة التي أحب أن أكون جزءاً منها.

أ. أ: عصرنا هو عصر طغيان الصورة، والانبهار البصري، وتطغى الطبيعة الاستهلاكية الوظيفية على الصورة، والتي صارت مرتبطة بالشهرة العابرة. كفنان، كيف تنظر إلى الصورة الفنية، وأين تضعها في هذا السياق؟ وما الذي ينقذ الصورة من كونها وظيفية واستهلاكية وعابرة؟

 ب. إ: إن التصوير متعدد الجذور والأسماء ومتشعب الأهداف: تصوير حفلات وأعراس وأطفال ورياضة وصحافةوطبيعة ومناظر ومجتمع وطب وعلوم وفضاء والكثير من المعرفة، غير ذلك.

بالنسبة لي اخترتُ الإنسان وإبداعاته والمجتمع بما فيه  وظروف الحياة وابتعدتُ قدر الإمكان عن تصوير العجائب والأشياء الباهرة بدون معنى أو هدف. أو بالأحرى لم أفهمها كما يبدو  لي. ولقد شبهت ذلك بمطعم فيه الوجبات المختلفة وكل إنسان يطلب ما يحب وربما جميع المطبوخات طيبة ولذيذة.

أ. أ: ما الذي يراه المصور الفنان المبدع ولا يراه المصور العادي؟  هل تشعر كفنان أنك تتجاوز المصور العدسة وتجمع بين الفنان التشكيلي والمصور أحياناً؟ أطرح سؤالي على ضوء بعض الصور التي لديك والتي تتحرك في مناخ أو فضاء تشكيلي

 ب.إ: أحياناً أخلط بين الفن والشطارة في مجالات الفن بشكل عام. أحب الرسم والنحت والموسيقا والشعر وما إلى ذلك. لكننا نعيش في عالم خيالي تتوفر فيه لنا كل وسائل العلم الحديث ويمكن استعمال ذلك  بطرق حكيمة وجيدة للبشرية أجمع. ويمكن استعمالها للهدم والتحريض ومثال على ذلك بالنسبة لي الفوتوشوب والفيسبوك الذي فتح لنا نوافذ جيدة للحياة غير أن هذا يمكن عكسهوفي جميع الحالات يجب أن يكون الإنسان أميناً وصادقاً في علمه وعمله.

أ.أ: كيف نظر نقاد فن الفوتوغراف في المجر إلى تجربتك، وخاصة أنك تأتي من خلفية ثقافية وبصرية مختلفة؟

ب. أ: لقد كُتب عن أعمالي الكثير وأُخرجت حلقات وأعمال تلفزيونية كثيرة،  ورغم كل ذلك بقي في ذاكرتي ما كُتب عن أعمالي وشخصيتي بالذات عندما كنت أشارك في المعارض في السبعينيات من القرن الماضي. حيث كتب أحدهم: ”لا يمكن أن يستطيع إنسان غريب الثقافة أن يدخل أعماق الثقافة المجرية والمجتمع المجري والريف المجري كما فعل بهجت إسكندر ولا أحد يصدق أنه لم يولد هنا مع آبائه وأجداده“.

 إنها حقيقة وصارت أعمالي مرجعاً للمهتمين بالريف المجري والشأن الاجتماعي.

أ.إ: ما مشاريعك الحالية؟ هل من مشروع فوتوغرافي ما تعمل عليه؟

ب.أ: لدي أحلام ومشاريع كثيرة وكبيرة وربما أكبر من حجمي. أنا متقاعد منذ أكثر من عشرين عاماً ومتزوج ولدي بنت وولد وثلاثة أحفاد الحمد لله كلهم بصحة جيدة، ويوجدلدي استديو خاص بي بنيته على كيفي ووفق متطلباتي، وهو خاص وليس عاماً. وبنيت حديقة إلى جانب البيت وهي كبيرةوجميلة جداً حيث أخذت من وقتي الكثير ومن حبي الكثير والكثير من العمل والتخطيط والتنفيذ أي أكثر من 30000 ساعةعمل منذ أكثر من 35 عاماً حيث زرعت أشجاراً ووروداً كثيرة، وغرس فيها بعض الشعراء والجمعيات أشجاراً باسم الصداقةوالمعرفة. لقد تغنى بالحديقة الشعراء وهي مكان لاجتماع سنوي لأدباء وشعراء المجر الأصدقاء حيث كان يتواجد  من 60 إلى 70 شخصاً في اللقاء الواحد، وهي نموذج في المنطقة وجلبت لي السعادة والراحة كثيراً، وكانت ملتقى للعائلة أيضاً. ولكن يوجد بعض الأفكار والأحلام والمواضيع التي تؤرقني ليلاً ونهاراً. لقد تقدمتُ في السن ويوجد عندي تراث ثقافي كبيروعمل أكثر  من خمسين عاماً بدون كلل. وأحياناً أفكر بالعاصفة التي تأخذ الزهر قبل الثمار بالرغم من حصولي على مئاتالجوائز والتقديرات الحكومية والدولية ورضا المجتمع وكثرة الأصدقاء الأوفياء إلا أنه ما يزال يقلقني وضع أعمالي ونهايتها. يوجد كميات هائلة من الأفلام بمختلف المقاسات مكدسة بشكل أنالوج وأحب أن تكون على الدجيتال لحفظها وتنقيتها بأمانومسؤولية وهذا يحتاج إلى إمكانات مادية ضخمة وخمس سنين عمل متواصلة وآلات وتكنولوجيا للحفظ والكثير من الأشياءاللازمة كي يكون لدي أرشيف آمن وسهل البحث وفي متناول المختصين . والسؤال كان دائماً أين محطة هذه الأعمال. قديماًكان يوجد فكرة دار اسكندر للثقافة ولكن حالياً هذه الفكرة صعبة المنال ولربما قد يحالفني الحظ يوماً بمساعدة مجهولبامتطاء الفرس الأبيض. وأقول بصراحة إنه لولا دعم رجال الأعمال المجريين لما تمكنت من إقامة معرض واحد، فكل الشكرلهم، وكل ذلك موثق. أقوم حالياً بتصوير طبقة اجتماعية كبيرة  تعيش في المجر وهم الغجر وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وسوف تصدر الصور في كتاب مشترك مع صديق مجري قبل نهاية العام ولكن فيروس كورونا كان لنا بالمرصاد.