الجزء الثاني

لم يتغير شيء في المخيم الذي كنت قد زرته في تشرين الأول الماضي سوى أن الموت قد غيب أبو شمة، وتلك العجوز التي تشبه الساحرات في الخيمة الأولى منه.

تعرف؟ لما قرأت قصتي تداعت تفاصيل كثيرة… حضرت اللحظات بكل تفاصيلها لدرجة أنني أحسست أن قصتي ناقصة، ولم أرو تفاصيل كثيرة مهمة.

هكذا بدأ لقائي مرة أخرى بشمة، التي أتيتها معزياً في والدها الذي تمكن منه الملعون الأول “السرطان”، كما كان يسميه، هنا في مخيمهم الذي يعيشون فيه في سهل حران جنوب شرق مدينة شانلي أورفة التركية. ولكن الأمر الذي قهرني، تقول شمة: “ليس موت والدي، بل منعهم من دفن الجثّة في المكان الذي أصر في وصيته أن يدفن فيه.”

“استخرجنا كل الأوراق الرسمية من مشفى الـ500 في ولاية أورفة، ونقلنا جثمانه إلى بوابة تل أبيض، حيث كان أقرباء لنا في تل أبيض السورية في انتظار الجنازة، لاستحالة ذهابي أنا، أو أخي، إلى هناك. وبالفعل، استلموا الجثة، وسافروا بها إلى الرقة. لكن داعش منعتهم من دفنه في مقبرة ‘تل البيعة’، حيث أراد وأوصى، هناك حيث قبر أمه وأبيه، وحجتهم أنني مرتدة وكافرة، وكذلك أبي، فلا مكان له في قبور المسلمين، بل ولم يسمحوا لهم بدفنه في كل أراضي الدولة الإسلامية ‘الطاهرة’، حيث تم دفنه في قرية ‘كورمازات’ جنوبي ‘تل أبيض’ في 1 تموز 2016. حتى الموت والدفن بالشكل الطبيعي استكثروه علينا.”

دارت بها دوائر الذكرى: “سبق أن وعدتك أن أحدثك عن بعض القصص، عن مجتمع نساء التنظيم، أو بعض ما عايشته هناك. قد تستغرب من بعض الوقائع، وتتهمني بالادّعاء عليهم، ولكن عزائي أن هناك من هن مثلي يعرفن ذلك جيداً، بل أكثر بكثير، لأن فترة إقامتهنّ مع التنظيم أطول.”

“في الحي الذي أسكنني زوجي فيه، كانت غالبية البيوت لعناصر من التنظيم. ممنوع علي كما ذكرت لك سابقاً مغادرة البيت إلا معه. وهناك في ذلك الحي، وذات عصر يوم، طلب مني أن أرتدي أحسن ما عندي، وألبس كل الحلي والذهب الذي كان أهداني إياها، أو اشتراها لي خلال فترة وجودي معه. استغربت، فهي ليست العادة. وعند المساء، أخذني إلى فيلا لا تبعد سوى أمتار عن البيت الذي نسكنه. رن الجرس، ومن خلال الأنترفون تكلم مع صوت أنثوي ناداه هو باسم ‘أم مهاجر’. قال: هذه زوجتي، وسأعود لاحقاً لأخذها. فُتح الباب، ودخلت.

“هو باب لعالم مختلف جداً. ينقلك هذا الباب من عالم المدينة البائسة المحجبة بالسواد، حيث هو اللون الأوحد، والمزنرة بجثث أبنائها ورؤوسهم، ليرتسم داخل هذا المكان عالم من الألوان، لا ليس عالماً من الألوان، بل بحور ومحيطات من الألوان، والكذب باسم الله.

“دخلت متعثرة بخطواتي، تشجعني كلمات ‘أم مهاجر'(1)، التي نهضت مرحبة، ومن خلفها سهام أكثر من عشرين عيناً تخترقني متفحصة ثيابي ومجوهراتي التي بدأت تبان، بينما كانت إحدى ‘السبايا’ تقشرني من الدرع والعباءة والخمار. أمسكت أم مهاجر بيدي، وأدارتني حول نفسي في حركة راقصة وهي تصلي على النبي، وتمر بيدها الثانية على صدري صعوداً  لرقبتي، ثم إلى كتفيَّ نزولاً لتستقر يدها على ردفي في حركة وكلمات وابتسامة لا تخلو من إيحاءات جنسية، الأمر الذي زاد ارتباكي، من جهة لما كنت أتخيله من الورع والجو الديني الذي كنت أتوقعه هنا، ومن جهة أخرى للباس غير المحتشم لأكثرية الموجودات.

“إحدى عشرة سيدة من سبع جنسيات جميعهن لا يشبهن لا من حيث الشكل ولا القوام ولا اللباس ولا الكلام مما عرفت، سواء من نساء وبنات مدينتي، أو ماعرفته من نساء التنظيم قبلاً. متكلفات على غير ذوق، سواء في  مكياجهن، أو لباسهن، أو مجوهراتهن. وبحس الأنثى، شعرت بغيرتهن، فلباسي على بساطته أنيق، وحليي تناسبه، وبالأخص الطوق الذهبي الأثري الذي أهداني إياه زوجي مما سلبوه من متحف الموصل، والذي أظهرني كإحدى ملكات التاريخ، وأشعل غيرة لمحتها جيداً، ولقوامي الممشوق واستدارة جسمي في عيون الحاضرات.

“عرَّفتهن أم مهاجر علي، وذكرت زوجي وعمله ‘وبطولاته’ ومنصبه في التنظيم، دون أن تسمع أغلبيتهن ذلك، فلقد كانت النميمة والنظرات التحتانية ما أشغلهن عن كلامها.

“أجلستني مضيفتي وانشغلت بضيفاتها. جالت عيناي في المكان مستكشفة وأنا أدور بإصبعي على حافة كأس الكريستال الفاخرة التي قدمت لي بها العصير إحدى السبايا الثلاث اللواتي يخدمن في الصالون الكبير. لم أكن أعرف أن كأسي من الكريستال أو الزجاج، سوى من ملاحظة أم مهاجر التي اعتبرتها إهانة لي ‘انتبهي للكأس التي في يديك، فهي من الكريستال الفاخر.’

“صالون كبير جداً يحتل صدره الأبعد موقد كبير على حجم الحائط من القرميد الأحمر، تتوضع على رفوفه دلال القهوة العربية بأحجامها المختلفة، وعلى الحائط الأيسر مشرب كبير بطاولة من الرخام الأسود تفصله عن الصالون. أما الحائط الأيمن، فعلى أغلب مساحته برواظ من الجبصين المزخرف يؤطر صورة كبيرة مرسومة على الحائط نفسه طمست بالدهان، ولكن للذي ينتبه جيداً، وخصوصاً إن كان من أبناء الرقة فلن تخفى عليه صورة حافظ الأسد يجلس على كرسي كبير يقابله في الطرف الآخر هارون الرشيد، وبينهما سد الفرات، في صورة هي في ذاكرة الرقيين ولو أنها مطموسة. ولكن جزءاً منها على صغره يوضح في ذاكرتهم كامل الصورة على يسار الصورة. كان هناك باب محدِث وليس من تصميم البيت. كان دائماً مغلقاً. وما لفت انتباهي أن قلة من النسوة هنا عندما يدخلنه فبمفتاح واحد بيد كل واحدة.

“تتوزع في الصالة عدة أطقم من الكنبات والكراسي الفخمة، وتغطي أرضه سجادات لم أرَ مثلها في حياتي. أعرف أن هذا البيت لأحد مديري المؤسسات في عهد النظام. ودارت بي الذاكرة إلى بيت أهلي في حي شمال السكة، أحاول أن استحضر منه ألوان حصيرتنا المصنوعة من خيوط النايلون التي اهترأت لكثرة الغسل، وأقارنها مع ألوان السجادات هنا. هل من المعقول أننا نسكن المدينة نفسها، نحن وهو، ومن ثم هنَّ؟ انتشلتني أم مهاجر من ذكرياتي وهي تسألني عن رأيي في العصير الذي تقول هي أنها طبقت وصفته من المطبخ الفرنسي. لم أكن قد ذقته. ‘أم أنك لا تفضلين شربه قبل العشاء.’ تابعت دون أن تسمع رأيي. لا، لا، عادي ‘قلت في نفسي: الله يرحم أيام الشراب تبع الظروف اللي بخمس ليرات.’

“كان العشاء عبارة عن خروفين مشويين، وكمية من المكسرات التي لا أعرف أسماء أكثرها، أو أسماء التوابل التي كانت تعددها أم مهاجر في تفاخر واضح، متلذذة بتأثير الاستغراب والجهل على وجوهنا، ومستغربة من ضحالة معلوماتنا وجهلنا بالمطابخ العالمية؛ سلطات مختلفة اجتهدت جداً أن أحفظ اسم واحدة فقط دون جدوى، رغم أن مكوناتها هي الخضار التي نعرفها، أو ربما هي تقصدت في تسميتها بأسماء أجنبية.

“بعدها، تم تقديم الفواكه والأراكيل! أي والله أراكيل، وأنا المدمنة على الأركيلة والمحرومة منها لأشهر بدعوى الحرمانية. هنا غير محرمة. الحرمانية التي تطبق على العامة لا تطبق هنا، والدين المفروض في الشارع غير الدين الموجود في الصالونات هنا. عدة أنواع من المعسل، مع حشيش أيضاً. يمكنك ألا تصدق، ويمكن لكثير أن لا يصدقوا، ولكن هو واقع الحال هناك. والأراكيل كلها “بابليون” موصلية، حيث يصنعون أفضل الأراكيل في العالم، كما قالت أم مهاجر. عند الواحدة تقريباً بدأ جرس الباب يدق كل حين، ويطلب أحدهم زوجته عبر الإنترفون. كان دوري عند الثانية صباحاً تقريباً.

“طلب مني زوجي أن أنقل له ما حصل، وأصف له كل تصرف في كل ثانية. اعتقدت بداية أنه، أو أنهم، لا يعرفون ما يحصل، ولكنها لم تكن صدمة كصدمتي أول الدخول إلى صالون أم مهاجر. كانوا يعرفون كل شيء، بل هم من يؤمن كل شيء.

“الخميس التالي ,حسب توقيت السهرة في صالون أم مهاجر، كان كالخميس الذي سبقه. طلب مني أن أجهز نفسي وأستعد. عند المساء، أحضر لي مشبكاً ذهبياً تتوسطه حجرة زمرد غريبة الشكل موصولة من طرفها الخلفي بأسلاك رفيعة موصولة بجهاز صغير يشبه بطارية الموبايل، ربما أكبر قليلاً. قال هذه لحمايتك، وهي كاميرا مع مسجل صوت. رفضت بداية أن أضعه خوفاً من أم مهاجر ومن معها، وهن صاحبات اليد الطولى في كل الرقة، عبر كتيبة الخنساء التي تمثل أم مهاجر إحدى قياداتها. ولكنه أقنعني أن جميع النساء هناك يتجسسن على البقية بالطريقة نفسها، وأنه هو من يجهز للجميع هذه الأدوات. لم أفهم لماذا يتجسسون على بعضهم إن كان كلامه صحيحاً.

“ألصق الأسلاك الناعمة على جسمي، ووضع الجهاز في ثيابي الداخلية، ما بين ساقي، وألبسني ثيابي وحليي بيديه قطعة قطعة. أجلسني وأوقفني عدة مرات، ثم طلب مني أن أمشي، ثم أجلس، ثم أنحني، ثم أستقم. كل ذلك وهو يحدق في شاشة الكمبيوتر، حتى بانت ملامح الرضا على وجهه، واطمأن أن عمله تام.

“في السهرة، كانت هنالك سيدتان جديدتان، وكانت ثقتي بنفسي أكبر، ولكن ما كنت أحمله على صدري، وما بين ساقي هو ما كان يربكني ويخيفني. إحدى المرأتين الجديدتين عرفت عنها أم مهاجر باسم ‘أختنا أم سيف الله’، أو كما تُشتهر بـ’أخت جليبيب'(2). والسيدة الأخرى كانت ‘أم ليث الإنكليزية’ (3) الوحيدة المحتشمة اللباس، والجدية في كلامها، والمتشددة جداً في آرائها.

“كالخميس الماضي، كانت أم مهاجر تتحفنا بتسميات غريبة عجيبة لأنواع الضيافات التي تقدمها، والأواني التي تقدم فيها هذه الضيافات في عنجهية وفوقية متعمدة.

“كان جمع النسوة كله يتساءل عن موعد ما على السكايب، ألم يحن موعده. لم أكن أعلم شيئاً عن الموعد، أو مع من، إلى أن تحلق أكثرهن حول شاشة كمبيوتر، ربما هي أكبر شاشة كمبيوتر سبق أن رأيتها، بل هي أكبر من شاشة التلفاز في بيت أهلي. كان الاتصال من اسطنبول مع سيدتين إحداهما تتكلم العربية، والأخرى تتكلم عربية مكسرة بطريقة مضحكة. قامت السيدتان بعرض بضاعة محل كامل من الألبسة الداخلية والخارجية والإكسسوارات، وأدوات التجميل، والعطورات، بواسطة ثلاث عارضات أزياء شكلهن وذوقهن لا يبعد كثيراً عن ذوق الموجودات، ثلاث ساعات من التسوق والاختيار والتعديلات على الأزياء والألبسة وألوانها، والتي كن يتصفحن موديلاتها على صور مرسلة سابقاً غير العرض المباشر. طلبت السيدتان على الطرف الآخر مهلة أسبوع حتى يتم إجراء التعديلات، ومطابقة القياسات التي كانت تقوم بأخذها من أجساد الموجودات سيدة خمسينية تضع نظارة طبية أعرفها جيداً. كانت تملك محل خياطة يتبع لأحد المتاجر الكبرى لبيع الأقمشة في شارع تل أبيض. وكما الخميس الماضي انفض الجمع بعد عشاء فاخر بتسميات غريبة من قبل أم مهاجر، وأراكيل، وحفلة رقص من ثقافات متنوعة، كانت ‘الجزراويات'(4) الأكثر استهلاكاً لكل شيء، من الأكل، إلى كمية الألبسة التي تم طلبها على أسمائهن، إلى استهلاك رؤوس الأراكيل، إلى الرقص الماجن ذي الإيحاءات الجنسية الفاضحة التي تخجل منه حتى النسوة هنا.

“أم ليث، وثلاث أخريات، قضين أغلب الوقت في الغرفة ذات الباب الأسود، وعندما يخرجن فليهمسن في أذن أم مهاجر، أو أم سيف الله، أو ليطلبن من إحداهن أن تدخل تلك الغرفة التي شدت انتباهي.

“لم ينتظر زوجي حتى أخلع نقابي ودرعي وعباءتي، بل مد يده إلى ما بين ساقي من على الباب، وأخرج ما وضعه هناك، ومباشرة ألحقه بجهاز الكمبيوتر خاصته، وبدأ يخلع ثيابه على عجل ويلقيها بعشوائية، كما أوامره التي يلقيها علي “بدي عشا… جيبيلي الدوا من البراد… شوفيلي مفاتيح الخزنة… هاتي  شاحن الموبايل… اقفلي باب الشقة. أنهيت ما أمر به وجلست أتابع معه. غمرني بنظرة امتنان فرحاً بما يشاهده وهو يقوم بالتقطيع والتوصيل. كنز هذا يا حرمة، رح يكون بيوم من الأيام كنز. هذه كانت آخر كلمات سمعتها قبل أن يغلبني النعاس.

“الاثنين اللي قبل الخميس ‘حسب توقيت صالون أم مهاجر’، اعتباراً من الآن كل يوم إثنين وثلاثاء هنالك دورة شرعية في صالون أم مهاجر، وعليك أن تلتزمي بموعد الدورة. ربما هو قرار عما شاهده، أو شاهدوه في الفيديو الذي صورته، تساءلت في نفسي، وسألته، لكنه لم يجبني، وقال أنا لن أمر لأخذك، ولك الإذن بالذهاب لوحدك. قالها وهو يغلق الباب خارجاً.

“كنت ثالث الواصلات إلى منزل أم مهاجر. وأنا أمد يدي لأقرع الجرس سمعت حديثاً بين الدورية التي تقف غير بعيد عن منزل أم مهاجر واثنتين من النساء يبحثن في حاويات القمامة عن بقايا أكل، وهي ظاهرة انتشرت بعد سيطرة داعش على المدينة ‘انقلعي من هين إنتي وإياها.’ واضح من لهجته أنه من أهالي المدينة. ترد إحدى المرأتين وهي تغوص إلى نصفها بحاوية القمامة، ‘ولك ابني والله متنا من الجوع، واحنا أولى من الكلاب والقطط،’ فيرد عليها الملثم الآخر: ‘لا، والله! الكلاب والقطط أولى منكم. أنتم جايين تزتون شرايح مشان الطيران يضرب بيوت المجاهدين.’ ‘ولك يا ابني أي شرايح، وأي طيران، والكعبة عندي خمسة أولاد، وهين بالحاويات خير كثير. الله يوفقك خلينا ناخذ ونروح.’ ‘اتق الله يا كافرة، أتحلفين بغير الله،  سأستدعي لك كتيبة الخنساء ليقيموا عليك الحد.’ كيف اختفت المرأتان في لمح البصر، لا أعرف! وسط قهقهات العناصر. أردت أن أقول للمرأتين: لو أنكما تريان الطعام هنا في الداخل، ولكنني لم أقل، وضغطت على الجرس ودخلت. كان هنالك سبع عشرة سيدة، هذه المرة كنا عندما اكتمل عقدنا سوريتين، وعراقيتين، وثلاث تونسيات، وسعودية واحدة، وبريطانيتين، وأربع فرنسيات، وألمانية واحدة، وبلجيكية واحدة، وصومالية واحدة.

“طلب منا بواسطة أم ليث الاسكتلندية، وهي أميرة الجمع في هذا اليوم، وإلى الاثنين المقبل، حيث سنُؤمَّر من امرأة أخرى، أن تتكلم كل واحدة عن تجربتها مع الدولة، ونظرتها إلى مستقبل الدولة، وما هو الخطاب الذي سنستقطب به من وجهة نظر كل منا مزيداً من النساء والرجال للانضمام والالتحاق بدولة الخلافة. ولم تحدد الاسكتلندية وقتاً للخطاب، فالمجال مفتوح.

“تكلمت هي بداية، وتفاخرت بأن دولة الخلافة عناصرها من 87 دولة، وهو أكبر من عدد الدول التي تحالفت لمحاربة دولة الخلافة على حداثة تكوينها. كانت تستخدم العربية والفرنسية والإنكليزية. بصراحة، ورغم ضحالة ثقافتي الدينية، إلا أنه كان واضحاً أنها تعرف كيف تختار الآيات والأحاديث وتقولبها في صلب حديثها، ولو أنني لم أقتنع بكلمة منه بسبب ما رأيت في جلستي وسهرتي الخميسين المنصرمين، ولكنني أعجبت بشدة باستخدامها للغات الثلاث، واختيارها للآيات والأحاديث. تكلمت عن وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصاً تويتر، في نشر فكر الخلافة، وخاصة في أوساط من يبحثون عن هويتهم في أوروبا، الهوية التي أضاعوها هناك، فلا هم أوروبيون ويعترف بهم، ولا هم مسلمون. وهنا دورنا أن ندلهم على جذورهم في دولة الخلافة الراشدة.

“تتالت الكلمات والآراء والاقتراحات. لم تجبرني أم ليث على الحديث، ولم أتحدث، بل كنت مستمعة فقط ‘وفي الخلاصة، واللي شفتو خلال أول يومين من الدورة الشرعية، هو الوعي والثقافة الدينية للمهاجرات القادمات من أوروبا أكثر بكثير من المهاجرات الأخريات، ومن الأنصاريات السوريات والعراقيات. ومن خلال أحاديثهن أيضاً هن يتفوقن في القسوة والعنف، سواء الفكري، أو الجسدي.’

“يوم الخميس الذي يلي اثنين وثلاثاء الدورة الشرعية ‘حسب توقيت صالون أم مهاجر.’

“كما الخميس الذي سبق، جهزني زوجي بالكاميرا من خلال المشبك الذهبي، وأهداني إسوارة ذهبية على شكل أفعى تمتد إلى مرفقي تقريباً. أوصلني وذهب إلى أشغاله. لفت انتباهي وانتباه الجميع صناديق من الكرتون تحت المشرب تماماً تحامي عنهن أم مهاجر، وفي الوقت نفسه تعطي الأمر درجة من التشويق والغموض، ولو أن أغلب الموجودات حزرن ما في الصناديق. كل هذا في انتظار اكتمال الجمع. وعند وصول الجميع، فتحت الصناديق التي كانت تحتوي أكياساً وصناديقاً أخرى عليها أرقام بدل الأسماء، وكل واحدة كانت تعرف رقمها، وبدأت حفلة اللبس والمباهاة.

“أجلس في الركن الأبعد من الصالون، وأنفث دخان أركيلتي على شكل حلقات، وأسوح في هذا العالم الذي أنا جزء منه منذ أشهر عدة، أراقب الفرح الطفولي بالثياب والعطورات والماكياجات والإكسسوارات القادمة من وراء الحدود. “تفترسني غيرة قاتلة، فأقضم أظافري أكثر من سحبي لدخان الأركيلة… ساذجات تبعن حماسهن وحب المغامرة، وأشياء أخرى لا أعرف ما هي. لكن الدافع ليس قوة المعتقد الديني بالتأكيد، فقد وقع جميعهن في أيديولوجية التنظيم. لكنني لست ممن وقعن في الأيديولوجية، بل في شيء آخر.

“أحاول أن أفهم ما الذي أتى بهن إلى هنا. أنا أفهم ربما، لكنني لا أبرر انضمام بعض السوريات، وأنا منهن إلى التنظيم، ولكن هؤلاء النسوة ما الذي كان ينقصهن، سواء الخليجيات، أو الأوربيات، أو حتى المغاربيات… رح أقلك رأيي، وهو من حقيقة ما عايشت وعشت طوال الشهور الماضية.

“الدعاية الإعلامية للتنظيم تستخدم بساطة الطرح وسلاسة الفكر لتقنع الكثيرين، وخصوصاً الأوروبيين. أتحدث عن النساء طبعاً وهون ربما إجابة حتى على بعض تساؤلاتي أنا نفسي. اللي ما عرفوا يكونوا أوروبيين، أو يحافظوا على جذورهم، ويكونوا أسوياء في مجتمعاتهم، وأيضاً الصور التي يبثها التنظيم، تدعو من دون أن تقول إلى المغامرة، ورغم إنو فكر داعش ضد حقوق النساء إلا أن الدعاية الإعلامية تبعهم كانت متفوقة في توجيه الدعاية والخطب المناسبة للمرأة المغامرة. التشبه بنساء التاريخ الإسلامي الأول… الأمان… فكرة دولة الخلافة التي ستنافس الدول التي جاؤوا منها، وتلغي الحدود والمسميات حتى للدول الإسلامية نفسها. وقدم هذا الخطاب مشفوعاً بأحاديث وآيات تناسبه وباللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، ولكن المصيبة تكون عند وصول الواحدة منهن إلى هنا. يكن قد وقعن بالفخ، حيث تتكشف الحقيقة، زواج إجباري، ومنع الخروج، ولا وجود للمغامرة، إلا من رحم ربي، وكان لها دور، أو خدمتها ظروف معينة. وأعتقد أن صاحبات الغرفة ذات الباب الأسود ينطبق عليهن هذا الكلام. ويكون النكوص فتبدأ الرشى بداية بالحلي والمجوهرات، ثم ببيوت لا يمتلكها واهبوها أصلاً، ثم المخدرات والحبوب والجو الذي أعيشه معهن الآن أوضح مثال.

“انتشلتني أم ليث الاسكتلندية من أفكاري، وهي التي لم توص أيضاً على أي ثياب، أو مستحضرات تجميل، فسألتني لماذا لم أوص على شيء. فقلت: لم يأذن لي زوجي بذلك. وأنت؟ سألتها، وليتني لم أسألها، كنت قد أدمنت حالتي هذه وطريقة معيشتي. ولكنها فجرت وهدمت كل ذلك. كلمتني بداية عن زوجها الذي مات. كانت متشددة أكثر ربما من ‘مولانا الخليفة’ نفسه، قرصتني من يدي ضاحكة عندما أصاخ الجمع السمع لصوت الطائرة التي هدرت فجأة مترقبين صوت انفجار الصواريخ، ولكنها هي بالذات أكملت ضحكتها: ‘عندما كنت صغيرة كنت أخاف الطائرات وبقيت هكذا. عندما اتصلت بأهلي في اسكتلندا أول ما وصلت إلى تل أبيض قالت لي أمي مرعوبة، وهل ركبت الطائرة؟’ عندما أنهت ضحكتها سألتها عن الغرفة ذات الباب الأسود، فحدجتني بنظرة رافعة حاجبيها: ‘اعتبريها المطبخ، هل فهمت؟’ أجبت: نعم. ولم أفهم. كان واضحاً أنني سألت عما لا يسأل عنه.

“وكانت دعوة أم مهاجر للعشاء طوق نجاة لي، حيث انتهت السهرة باكراً بسبب الثياب التي يجب أن تلبس لمن يجب أن تلبس لهم، والعطور التي سترش، والأصبغة التي ستدهن لتغطية أمور كثيرة.

الاثنين الشرعي “ما زلنا نعتمد ذات التوقيت”

“أخت جليبيب أميرتنا هذا الأسبوع تحدثت عن نفسها، وعن رحلتها من السعودية إلى تركيا، فالرقة. تحدثت عن لقاءاتها الثلاثة بالخليفة أمير المؤمنين في تفاخر، وعن المهام التي كلفها بها. تحدثت عن بطولات أخيها وزوجها، ثم عما قامت به من خدمات للتنظيم، وأنها أقنعت الكثير من السعوديات للانضمام إلى التنظيم، وبأنها ثاني سيدة في الرقة تقود السيارة، فلا حاجة بها للتخفي عن عيون الهيئة في ‘البر’ كما في السعودية، بل إنها تجوب الشوارع بسيارة ‘الخنساء’ بدورياتها على النساء المخالفات للباس، وتدعوهن للالتحاق وتجربة ذلك، وأقنعت كثيرات بالآية الكريمة:

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

“والتي وجدتها هنا بهذا الفرات، فرات منَّ به الله على دولة الخلافة ليكون متنزهاً ورئة سياحة للمجاهدين والمجاهدات وعائلاتهم. قالت: ‘كنت أرسل لهن الصور، وكانت نتائج رائعة، والحمد لله، زاد عدد الأخوات أضعافاً.’ لم أفهم ما الربط  بين الآية وما تقول، فالمقاربة غير واضحة، سوى في اعتقادها ربما أن كل كلمة فرات هي هذا النهر. ما علاقة فراتنا بما ذكرت ‘فراتنا كرقاوية’.

يوم الثلاثاء الذي يلي يوم الاثنين الشرعي وعلى التقويم ذاته

“لم يختلف حديث أخت جليبيب كثيراً عن اليوم الذي سبقه. كان واضحاً ضحالة ثقافتها الدينية، إذ حولت الدرس الشرعي إلى مناكفة أم مهاجر في تفوقها المطبخي، وتحدثت عن أنواع الكبسة وبهاراتها وسط تبرم وعدم اهتمام من أغلب الموجودات.

خميس آخر، وليس الخميس الأخير لصالون أم مهاجر

“لا أستطيع أن ألبس كل الأساور والقلائد والخواتم والأطواق، ولكنه يصر أن ألبس أكبر كمية منها، حتى تغطي على المشبك الذهبي وزمردته الغريبة. كنت أمشي بكل هذه الحلي كالمكبلة بأصفاد وسلاسل، وخشخشتها تزيد ارتباكي. أوصلني كالعادة وراح كالعادة. كان الجمع ملتئماً، ولكنه غير كامل. على يمين المشرب ذي الرخام الأسود، كان هنالك ما يشبه كرسي طبيب الأسنان تتمدد عليه ‘أم منتصر الجزراوية’ بقميص نوم شفاف ملأته عن آخره حد التفجر. تحت ضوء باهر تعمل فتاتان إحداهما على ساقي أم منتصر، حيث توشم لها بالحناء الجاهزة وشوماً إلى ما دون الركبة، والأخرى على وجهها، تنظف بشرتها وتحف حاجبيها وشاربيها، كل ذلك وسط حلقة من الموجودات اللاتي ينتظرن دورهن، ويسخرن من بعضهن منفجرات بالضحك تعقيباً على كلام أم منتصر الذي قالته بكلام فصيح ورنة صوت مقلدة الشرعيين ‘لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات’، فينطلقن بسيل من التعليقات.

“‘تخيلي أنك لا تنمصين ولا تحفين، لن تتميزي عن أبو المنتصر.’ تعلق أخرى: ‘لا،لا،لا، ستكونين مثل أبو الدرداء، وخصوصاً مع هالكرش. طيب أنت أتتك اللعنة، هههههههه، حرام حرام هاتان النامصاتان، فما ذنبهن’ تقصد فتاتي صالون التجميل. ‘لا، لا، هذن ما لهن علاقة باللعنة أنا كافلتهن.’

“وكان التعليق الصارخ من أم الفاروق العراقية ‘نسوان النبي معقولة ما تنمصن وحفن؟’ هنا تدخلت أم مهاجر حازمة وفرقت الجمع منهية النقاش زاجرة ومتوعدة بعقاب، فساد وجوم وجو ترقب وحذر ومحاضرة لأم ليث لم تنهها حتى تفجر الصخب والضحك من جديد. انزويت و”مجاهدة” ننم ونغتاب البقية أيضاً. تبادلنا الحديث عن حياتنا قبل التنظيم. وكأم ليث، التي كانت الأكثر تشدداً بفكرها، وانتقادها للتقاعس الحاصل هنا، وكانت أيضاً ممن يملكن مفتاح الغرفة ذات الباب الأسود، أرتني صوراً كثيرة لها، منها صور وهي تقوم بذبح شخص ‘مرتد’ بريف الطبقة الشرقي، وصور أخرى وهي تحمل رأسه. انتهت سهرتي باكراً عندما دق الباب وطلبني زوجي. وفور وصولنا إلى البيت، تناول الجهاز وسجل وقطع ووصل ونام.

“انتقلت أم مهاجر إلى ديرالزور، حيث عمل زوجها في حقل العمر النفطي، وغابت أم ليث والمرأة الصومالية. تابعنا تجمعنا في بيت أم منتصر الجزراوية، في بيت أم مهاجر سابقاً، ولكن غابت كاسات الكريستال والأسماء الغريبة لكل السَلطات وأنواع الأكل، وبقيت ‘لكبسة’ سيدة الموقف، وكذلك بقي فضول يفترسني أن أمد رأسي في الغرفة ذات الباب الأسود، التي بقيت تفتح لعدد محدود منا.

“ذات ظهر غادر زوجي البيت، كالعادة، فصعدت إلى السقيفة حيث تسليتي اليومية. وعند المغرب، سمعت صوت طرق عنيف على الباب. ولأنها المرة الأولى التي يطرق فيها الباب بهذه القوة، خفت وترددت كثيراً، حتى جاءني صوت ‘أم منتصر الجزراوية’، فاطمأن قلبي وفتحت الباب.

“اقتحم علي البيت عناصر ملثمون من المكتب الأمني ‘ن11’، ترافقهم ثلاث مقاتلات من كتيبة الخنساء، وأم منتصر الجزراوية، هن من دخل أولاً، فجمعوا وبهدوء وبدقة كل متعلقات زوجي، حتى ثيابه، وكل النقود ومجوهراتي وحليي، فقط لباسي تركوه، وعندما انتهوا قالو لي إن زوجي قد ‘استشهد.'”

وأدرك شمة الصباح، لكنها قبل أن تسكت عن الكلام المباح قالت، محاولة إبداء تعبير الندم، وأعتقد أنها كانت صادقة “ما قمت به يلاحقني كل لحظة ويقتلني طوال الوقت.”

هوامش١:

  1. ــ أم مهاجر..هي نفسها أم سياف، وهي مهاجرة تونسية بداية إلى العراق،  وهناك زوجت بنتيها لعناصر بالتنظيم، وأثبتت خلال الفترة نفسها إخلاصاً جعل التنظيم يكلفها بتشكيل كتيبة الخنساء في الرقة. خطفها الأمريكان من حقل العمر النفطي شرقي ديرالزور بعد ان قتلوا زوجها في 16 ايار 2015.
  2. – أم سيف الله، أو أخت جليبيب: “ندى معيض القحطاني”، زوجة الشيخ محمد الأزدي من السعودية. دار جدل كبير حول سفرها من السعودية إلى تركيا، ومن ثم إلى سوريا، دون محرم. أخوها عبدالهادي معيض عبدالهادي القحطاني (22 سنة)، وهو من أشهر مقاتلي داعش.
  3. – أم ليث الاسكتلندية هي “أقصى محمود” (23 سنة) طالبة طب اختصاص تصوير أشعة من مدينة غلاسكو الاسكتلندية، ومن أصول باكستانية، والدها من أشهر لاعبي الكريكت.
  4. –  يقصد به المهاجرات الجزراويات نسبة للجزيرة العربية، وخاصة السعوديات.

هوامش٢:

جماعة المعينة= جماعة الإغاثه

ماجعد نشوف منهم شي = لم نرَ منهم أي مساعدة

العصفير = رائحة الدخان المعشش بالمكان

يبدو أن أحدهم عباني = أحدهم كتب بي تقريراً للجهات الأمنية

والعالم مطركعين وراه = العالم يوافقونه ويمشون خلف روايته

يحوشون قطن= يقطفون قطن

أصوبك ياو = أين أنت يا

كُتب هذا الجزء بعد لقاء أجريته مع صاحبة القصة في مخيمها في تركيا واستكملت الباقي معها على السكايب من فرنسا.

عندما كنتُ في جوف الوحش في مدينة الرقة  الجزء الأول