تعرّفتُ على (غيرهارد) فوراً من مجموعة الصور، تقول (جادڤيكا) وهي تدلي بشهادتها أمام الرائد (آرثر كيث مانت). “هو الرقم 3. رأيته في الردهة قبل أن أُجبَرَ على الدخول إلى غرفة العمليات، و رأيته بعدها مرتين مع الأطباء عند تغيير ضماد رجلي اليمنى.” تكمل قائلة: “ذلك الصباح، كانوا قد أخذونا إلى مكان العمليات ولم نكن نعرف السبب. كان السؤال الوحيد الذي يدور في أذهاننا هو: ما الذي سيحصل لنا الآن؟ جعلونا نستحم و نبدل ثيابنا إلى ثياب مستشفى. حاولتُ أن أقاوم، أن أركل، و لكن ممرضتين قامتا بتقييدي أرضاً. لا أذكر ما الذي جرى بعدها، و لكن سرعان ما أصابتني الحمى في الأيام الثلاثة التالية. كانوا قد أجروا عملا جراحيا على رجلي اليمنى. كنت مضمدة من القدم إلى الركبة اليمنى. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يقومون فيها بِبَضْعِ رجلي اليمنى. قاموا بعملية ثانية بعد عدة أسابيع“.

في شهادة رسمية بتاريخ 12 آب عام 1946 تحدثت (جادڤيكا كامينسكا) عن تفاصيل العمليات الجراحية التي أُجبرت عليها من قبل النازيين، هي ومجموعة من المعتقلات الشابات في رافنسبروك. قصة جادڤيكا تبدأ باعتقالها في 24 سبتمبر 1941، حتى وصولها إلى رافنسبروك حيث بقيت خمس سنوات قبل خروجها من المعسكر في نيسان 1946.  في الشهادة  تفاصيل مرعبة عن عمليات استئصال تجريبية لعضلات وعظام وأنسجة عصبية من المعتقلات الإناث السليمات جسدياً. في الشهادة لطخات دم من جرح بطول 10 سنتيمتر وعرض 5 سنتيمتر تمَّ بأمر من الغستابو. من يقرأ الشهادة لن يعرف الكثير من التفاصيل. و لكن صورة الانتهاك وتفاصيله جليّة بشكل يصبح أمامها السؤال عن التفاصيل الجانبية أمرا غير ذي أهمية. فمن هو (غيرهارد) مثلاً، غير شخصية ربما شاركت في انتهاك الكثيرات و قسرهنّ. شبح لشخص يختصر منظومة أخلاقية محددة.

التهتُّك

بقلم حبر عريض علّم الجرّاح مكان انتهاكه على الجلد. وعندما لامس المبضع سطح الجلد المتألق الرطب انساب عبر الأنسجة، طبقة طبقة وابتعدت نقاط الحبر المرسومة على الجلد عن بعضها البعض. انكمشت أطراف الجرح وابتعدت. تقطبت الدماء في جهتين كانتا من قبل على خط التحام. انتزاع اللحم وسّع المسافة بين هذه الأقطاب. مثل جسد جادڤيكا، شقّت الحرب العالمية الثانية أنسجة المجتمعات. تجمّعت عناصر الطيف المتجاورة سابقا، في معسكرين. صار الاستئصالالفكري والجسدي عادة. ولكن كيف يمكن لأي مجتمع أن يتبنّى فكرة ضدالمجتمع كهذه، أي فكرة أن يصير المجتمع متجانساً؟

إنّ التجانسالقسري حاضر ضمن الجماعات السورية اليوم، وهو يعكس غياب هوية تمتد تفرّدها من الطيف المركّب، المعقد، والمتنوع تشريحياً. السنوات السبع الماضية وما حملته من تغيير في الهوية السورية، أرخت، ولا شك، بظلالها على مفهوم الأنا ومفهوم الوطن عند السوري وتأثيرها سيستمر لعقود. لدى مراجعة ما كتبه (آرثر كلاينمان) و دعاه بـ المعاناة الجمعّيةخاصة في ما يتعلّق باستجابة المجتمعات للفظائع والكوارث والحروب، تُرهِقُني كمية الشغل الذي نحتاجه لنحلل معاناتنا الجمعيةهذه، ونؤسس لمقاربتها. وحتى لو تراجع تواتر العنف الجسدي مستقبلاً، فهذا لن يعني بالضرورة أن مظاهر العنف أو الإنشقاق أو الصراع على القوة، المتبدّي على شكل صراع بين منظومتين من القيم الأخلاقية (أو أكثر)، سيكون في تراجع.

بالعودة إلى (جادڤيكا)، قد يتساءل البعض عن  فائدة استعراضنا لقصص مماثلة؟ فما علاقة معاناة عمرها عقود مع عالمنا اليوم؟ وما جدوى إسقاطتها على سوريتنا؟ الجواب بسيط: ربما لا شيء، وربما كل شيء. لعلّ ما سيسمح لنا اليوم ومستقبلاً بالتفكُّر في حالتنا هو تلك المسافة الفاصلة بين ذاك الذي يمسّنا مباشرةوذاك الذي لا يمسّنا.” ما أقصده هنا هو الهامش السرّي الموجود في المخيلة والذي تفتحُ له قصة (جادڤيكا) أو قصص  وشهادات مماثلة. فالانتهاك هو نفسه. والقهر هو نفسه. الخراب هو ذاته، برتابته، ويوميّته. بعناده و قسوته. لم يتغيّر شيء اليوم إلا نحن، البشر.

الخسارة

تختم (جادڤيكا) شهادتها القانونية المسجّلة في أرشيف جامعة هارڤارد بالقول:” رجلي الآن شفيت، ولكنها سريعاً ما تصاب بالضعف. في الأشهر الثلاثة الماضية انتابني الكثير من نوبات الحمى التي يعتقد أنها ناتجة عن تكرر الإنتانات.” بعيدا عن الجسدي إلى النفسي، لم أجد شهادات ومتابعات لحالة (جادڤيكا) خاصة، ولم أعثر على ما يدل على نوع الحياة التي عاشتها بعد خروجها من معسكر الاعتقال النازي. كيف تعايشت مع خساراتها؟ كيف كان شكل حياتها، عائلتها، ما شكل غرفة معيشتها، ومن تجمّع حول سرير موتها؟  

في الحديث عن الخسارة، لا يسعني إلا أن أسترسل في أفكاري من (جادڤيكا) إلى شكسبير و تاجره، الذي طالب برطل من لحم (أنتونيو) –كفيل بطل المسرحيّةشرطاً جزائياً في حال عدم رد القرض المالي الذي استلفه (باسانيو) منه، و لم يستطع أن يَرُدَّهُ في الوقت المناسب. ينتهي المطاف بالغريمين في المحكمة حيث تُدحَضُ القضية بحجة داهية؛ حيث أنه من غير الممكن  اقتطاع رطل من اللحم من دون خرق واضح للعقد. ذلك لاستحالة اقتطاع اللحم من دون إراقة قطرة واحدة من الدم، و من دون انتهاكهذا الإنسان. رطل اللحم ذاك يضفر ويفك  التخوم بين اللغة والمنطق. فالخسارة لم تكن يوماً مجردرطل من اللحم. الخسارة هنا تتجاوز معناها المادي. أي أنّها ليست مجرد أعداد قتلى، ونازحين أو لاجئين، أو أطنان اسمنت مكدّس، أو تشريح لشظايا في الأطراف. خسارة (أنتونيو) –الموشكةفي تاجر البندقية، كخسارة (جادڤيكا)، و إذا سمحتم لي، كخسارة السوري اليوم، تتجاوز حدود الجسدي إلى ما هو أكثر ضبابية و أقل تحديداً. إلى بعد ميتافزيقي آخر. إذاّ، ما الذي ينتهك بشريتنا، وما الذي يترتب على خسارة النفس، أو المعنى؟ ما الذي يخصص لقيمة الإنسان؟ هو ربما نفسه الذي تكتب عنه (سيلفيا بلاث) ، وهي تتأمّل معصمها وشرايينها غير المنتهكة بعد، و سكينها في اليد، وتفكّر في ماهو أبعد من شرايينها ودمها، في ما يتجاوز جسدها الفيزيائي إلى جوهرها الإنساني، في ما هو أعمق، أكثر سريّة، و عصيّ على الوصول.”

بين الصوت و الصمت

إن  الكلام عن حلّللنفس السورية غير مفيد و يؤدي إلى تشتيت الانتباه عن ما هو مهم اليوم أكثر من أي وقت مضى. الكلام عن حلول؛ يقضي بوجودها، و يحفز عملية البحث عنها، و صرف الطاقة في تحرّيها وتجريبها، والانتكاس عند فشلها. هل حقاً ثمّة حلول للخسران؟ ما حلّ (جادڤيكا) لخسرانها طبقات اللحم والعضل؟ ما حلها لفقدانها إنسانيتها؟ بعد سنوات من الفقد لا مكان لحلّ إلا محاولة إعطاء الوقت لفهم ما حصل ويحصل. السوري اليوم ثكلان ووحيد بالمعنى المعنوي. فقد ما هو أكثر من لحم. تعرّض لزلزال بالمعنى الرمزي–  انهارت تحت وطأته الحدود بين الفردي والمجتعي. حيث لا يجدي أن نضع خسارتنا (كسوريين) في أخبية معدّة مسبقة. هذا خباء المادي، وهذا خباء المعنوي. هذا للمجتمعي، وذاك للفكري، إلخ. تضرب الخسارة هنا عبر كل هذه الأبعاد وتتجاوزها في تجربة البشر. ربما من المفيد أن نستوعب هذه الخسارة أولاً، أن نحللها، و أن نأخذ وقتنا في الحزن قبل أن نعيد التفكير بما يترتب علينا في المستقبل. عملية التعافي من خسارة كهذه ستكلّفنا الكثير من الوقت و الجهد. و لكنّنا محكومون بها. في عملية التعافي هذه يمكن لنا ككتّاب وشعراء وروائيين أن نساعد من خلال الانفتاح على مأزق الناس و جرحهم، والنزول عن منصة النخبوية المتوارثة. يمكننا التفكير بالأدب و الفن كوسيلة ( والاعتراف بعدم وحدانيتها) لتسيير وتنشيط التعافي. يمكن النظر إلى تأثير الشعراء، والكتاب، والفلاسفة في المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، أو في المجتمعات الإفريقية والآسيوية واللاتينية بعد تجربة الاستعمار، كنموذج، فكتابتنا لن تكون وحيدة في مكتبة الشقاء. كَتَبَ والتر سلاتوف: “ربما من غير المبالغ فيه القول أنّ أكثر موضوعات الفنّ شيوعاً هو المعاناة والألم، بشكل أو بآخر.” التحدّي الكامن أمامنا هو كيفية التعامل مع أشكال التعبير المختلفة. فهل ينبغيعلينا الكتابة؟ هل نجبر الضحيّة على الكلام؟ هل نفرض الصوتكحل وحيد، أوحد، متوحد في ذاته؟ أليس هناك حدود للصوت؟ أليس هناك بدائل؟

عادة ما نفهم الصوتوخصائصه عندما نضعه جنبا إلى جنب مع الصمت“. ديفيد موريس كَتَبَ عن تجاوز المعاناة لحدود اللغة. فاللغة عاطلة، وخاصة عندما يقف الأمر على إيصال تجربة المعاناة. غالباً ما يكون الصمت أبلغ تعبير عن قسوة الحياة. “المعاناة بكماء بالمعنى الرمزييقول ديفيد موريس أي يصبحُ الصمتُ رمزاً لشيء غير قابل للكشف. الصمتُ يكشف عن تجربة، أكثر من مجرد مزعجة أو مقيتة، بل عصيّة على الفهم“. و أنا أتساءل إذا ما كانت المعاناة لا تسكن بالضرورة في الصوت أو الصمت فحسب، و إنما في المسافة الفاصلة بينهما. بين المكتوب و المخفي، بين المحكي و المسكوت عنه. هناك، في هذا الحيّز يمكن للصمت أن يفعل مثل المحكيّ فيما يتعلّق بالتعافي. لعلّ الوقت هو الذي عجّل شفاء (جادڤيكا) الروحي. الوقت و وجود من استمع إليها تروي قصّتها، حتى ولو خلف الجدران المصمتة لمكتب وحدة التحقيقات عن جرائم الحرب. بلا أضواء الفلاشات و لا ميكروفونات الصحف. ربما هذا ما يحتاجه السوري اليوم. من يستمع له وهو يروي قصته، أو يترك له المسافة وهو يصمت عنها.

هوامش