مع بداية الانتفاضة السورية، حمل المتظاهرون العلم السوري “الأحمر”، وكفّنوا به شهداءَهم؛ وفي اعتصام حماه رفعوا علماً طويلاً ملأ الساحة، وقد استَهلكت خياطتُه آلافاً من أمتار القماش الذي جلبَه الناشطون خصيصاً من حلب لهذه الغاية. حينها كان للعلم السوري الأحمر رمزيةٌ وطنيةٌ، ولم يكن في ذهن عموم المتظاهرين والناشطين لا العسكرة ولا التدخل الخارجي.

في تلك الفترة خرج بعض المعارضين على شاشات الإعلام بأفكار تقول بضرورة حمل السلاح منذ البداية، وألا فائدة من الحراك السلمي، وأن الإطاحة بالنظام تحتاج تدخلاً عسكرياً. وهم بتلك المواقف، يقصدون محاكاة التجربة الليبية بتشكيل جيش معارض يدعمه جوّياً حلف الناتو، والذي أطاح بالقذافي لتستلم المعارضة الحكم مكانه.

وعلى غرار ليبيا، حيث غيّر المعارضون العلَم من الأخضر إلى “الملوّن”، رفع المعارضون السورين المشاركون في مؤتمر أنطاليا، وأغلبهم إسلاميون، في ١ حزيران ٢٠١١، العلمَ السوري القديم، علم الاستقلال “الأخضر”. قال هؤلاء المعارضون إن العلم الأخضر يرمز إلى الاستقلال عن النظام والقطع مع كل رموزه. وصمم المعارضون صفحة على مواقع التواصل الإجتماعي تدعو إلى استخدام العلم القديم، وأطلقت صفحة الثورة السورية، المعروفة بنفَسها الإخواني، حملة “أربعاء علم الاستقلال.”

لقيت هذه الطروحات استغراباً، وربما صدمة، في أوساط المتظاهرين والناشطين، فهي لم تكن تدور في بالهم، إذ اعتادوا على العلم الأحمر كرمز وطني يعبّر عن وحدة السوريين. وكانت توجهات أغلب ناشطي التنسيقيات الأولى تحذّر من العسكرة ومن التطييف، ومن لعنة محاكاة تجربة الحرب الليبية المدمِّرة، وبالتالي لم يكن مطروحاً تغيير العلم في البداية، لكن الفكرة لاقت قبولاً لاحقاً.

تم حمل السلاح مبكراً، بعد الأشهر الأولى، لحماية التظاهرات من هجوم متوقّع للنظام؛ ولا يمكن اعتبار ذلك عسكرة، لا من حيث الوظيفة ولا التنظيم. وحتى المواجهات المحدودة مع قوات النظام، في بعض المناطق التي فيها سلاح مسبقاً -المناطق الحدودية التي تعمل بالتهريب كما في درعا وتلكلخ والرستن ـ فقد كان ردود فعلهم تتسم بالعفوية على محاولات النظام اقتحام بلداتهم وخوفاً من التنكيل بالأهالي.

“حركة الضباط الأحرار” وهي أول تشكيل عسكري من منشقين أسسه حسين الهرموش، الضابط المنشق في بداية حزيران ٢٠١١ اعتمدت على نفس العلم الأحمر الذي كان الوحيد المستخدم حينها. وكان أول عمل عسكري للهرموش دفاعياً ضد قوات النظام التي كانت تتقدم في جسر الشغور في نفس الشهر، قبل أن يختفي في تركيا، ويتم تسليمه إلى النظام السوري.

توالى ظهور الكتائب المسلحة في كل المناطق السورية المنتفضة، بعد أن باتت سورية تعيش في دوامة من القتل المجاني من النظام، دون أن تقود التظاهرات السلمية لتقدُّمٍ ملموس على الأرض، مع استمرار النظام باعتقال وتهجير النشطاء وقيادات التنسيقيات الأولى.

النظام دفع تلك المناطق إلى اتخاذ العسكرة، إلى جانب استمرار النضال السلمي، كشكل إجباري للنضال. ومع تزايد تلك الكتائب، بدأت تبحث عن الدعم الخارجي، ولقيت فكرة إنشاء جيش حرّ معارض قبولاً عاماً، حيث اعتمد “الجيش الحرّ” العلم الذي ارتآه المطالبون الأوائل بالعسكرة والتدخل، أي علم الثورة “الأخضر”. ومنذ بداية تشكُّله، اتبع الجيش الحر سياسة تحرير المدن والبلدات، واحتاجوا رفع علمهم المختلف عن علم النظام، في المناطق “المحررة”، بعكس المنشقين الأوائل الذي بدؤوا الهجوم على مواقع النظام دون فكرة التحرير.

المتظاهرون ظلّوا يحملون العلم الأحمر، لكنَّهم أضافوا إليه الأخضر في نفس التظاهرات كتعبير عن مناصرتهم للجيش الحر قبل أن يتلاشى ظهور العلم الأحمر في التظاهرات. ومع اشتداد المعارك بات هذا العلم بالنسبة للمتظاهرين يمثّل النظام، بكلّ إجرامه.

في بداية ٢٠١٣، كانت هناك حاجة للدعم العسكري والمادي، والذي كانت تقدّمُه دول الخليج وتركيا، بوساطة شخصيات معارضة إسلامية، في غرفة عمليات خُصّصت لذلك، واشترط الداعمون مظاهر الأسلمة على الكتائب، كأسمائِها، وأسماء عملياتها، ورُفعت أعلامٌ إسلامية في التظاهرات، منها بيضاء ومنها سوداء. وتدريجياً تلاشى ظهور علم الثورة “الأخضر” أيضاً، خاصة مع اشتداد عود الكتائب الإسلامية، وملاحقتها للجيش الحر، الذي يفتقد إلى الدعم.

ومن حينها إلى اليوم، أصبح للعلم الأخضر رمزية مزدوجة، في أغلب أوساط الثورة والناشطين في الداخل والخارج، فهو يرمز إلى معارضة النظام، وبالضد من علمه الأحمر، وإلى وطنية الثورة ومعارضتها للأسلمة والتطييف، وبالضد من الرايات البيض والسود.

في تلك الفترة فرض النظام على أصحاب المحال في دمشق وريفها طلاء “غلقات” محالهم بالعلم الأحمر، كرد فعل على انتشار العلم الأخضر ضمن أوساط الثورة؛ تلكأ البعض، من ذوي التوجهات المؤيدة للثورة، باعتبار أن دهن محالهم بعلم النظام يمثل عاراً عليهم، قبل أن يُجبروا على تنفيذ الأمر.

في أوروبا وأمريكا تخرج تظاهرات ينظِّمُها نشطاء، بعضها مؤيد للنظام وبعضها معارض، المؤيدة تحمل العلم الأحمر، والمعارضة تحمل الأخضر. وبالتالي أصبح العلم الأحمر يخصّ تأييد النظام، ويعبّر رفعُه عن نوع من “التشبيح”؛ وهنا يحتار غالبية النشطاء والوسط المعارض حول موقفهم تجاه رفع العلم الأحمر وتكفين الشهداء به في تظاهرات السنة الأولى للثورة.

بعد هجوم داعش الأخير على قرى السويداء، وارتكابهم المجزرة البشعة، اتفق العديد من المثقفين والنشطاء، في الداخل والخارج، على أن الهجوم تم بدفع من النظام كرسالة لأهالي السويداء، للخضوع إلى أوامر السلطة بما تمثله من تجاذب مصالح روسي إيراني، وتقديم أبنائهم للخدمة العسكرية، وإنهاء حركة “رجال الكرامة”. وهناك رأي عُمّم في أوساط الثورة يصنّف أهالي السويداء بالمحايدين، لأنهم رفضوا بغالبيتهم الالتحاق بالخدمة العسكرية والمشاركة في قتل الشعب السوري بينما ذهب البعض بالرأي إلى اعتبار السويداء معارضة للنظام، وستنتفض ضده إذا ما استمر بالضغط على أهلها.

تضامَنَ الجميع مع ضحايا المجزرة، سواء اعتبروهم محايدين أو معارضين؛ لكن الصدمةً واجهت المتضامِنين لدى مشاهدتهم العلم الأحمر في تشييع ضحايا المجزرة، رغم تفهّمِهم أنه لن يتم رفع علم آخر، ورغم طرد المشيِّعين لممثلي النظام في المحافظة ومنعهم من إلقاء الخطابات. حالة التحرّج من علم النظام منعت غالبية النشطاء من مشاركة صور التشييع على صفحاتهم؛ لكنّ هذه الظاهرة تستدعي نقاشاً حول علم سوريا: أهو أحمر أم أخضر؟

لم تعرف الدولة السورية الحديثة، منذ نشوئِها قبل أقلَّ من مئة عام، الاستقرارَ؛ وعاشت قرناً من الاحتلالات والصراعات والحروب والتحالفات والانقلابات، وفي كلّ مرحلة من مراحلها كان المنتصرون يفرضون أعلاماً تعبِّر عنهم(1). وبالتالي يمكن القول أنَّ لكلِّ فترة من تاريخ سورية المعاصر علَمها الذي يعبر عن التغيير شكلاً ومضموناً.

العلم الرسمي الحالي، الأحمر، اعتُمد أول مرّة في ٢٢ شباط ١٩٥٨، كمعبِّر عن الجمهورية العربية المتحدة، وظل معتمداً حتى الانفصال ١٩٦١. أعيد استخدامه في ١٩٨٠، من قبل النظام كمعبر عن وحدة الصف العربي(2).

علم المعارضة الأخضر، حدّده لأول مرة دستور الانتداب في ١٩٣٠، واعتُمد رسمياً عام ١٩٣٢، وأصبح رمزاً وطنياً للنضال ضد المستعمر الفرنسي. واعتمد كعلم رسمي بعد الجلاء في ١٧ نيسان ١٩٤٦، وظل معتمداً حتى الوحدة مع مصر ١٩٥٨، ثم استُخدِم بعد الانفصال. وترمز ألوان مستطيلاته الثلاثة إلى مراحل دولة الخلافة الإسلامية، الراشدية والأموية والعباسية، ونجومه الحمراء الثلاث ترمز إلى مناطق سورية(3).

سوريا اليوم تحت احتلالات متعددة، يتزعَّمُها الاحتلال الروسي. وهو يريد الإبقاء على النظام بشكله القديم مع تغييرات غير جوهرية في بنيته وفي دستوره، لكنها ستراعي مصالح المتدخلين في التسوية السورية، ومصالح روسيا نفسها.

لا يمكن القول أن التسوية القادمة ستُدخِل سورية في مرحلة استقرار؛ فهي مدمَّرة، ونصف شعبها مهجّر، وتحكمها مافيات فاسدة ومجرمة، ولم تعد السلطة مقبولة من عموم السوريين. ففي سورية احتلالات تريد النهب، وتدمير ما تبقى من الاقتصاد الوطني.

وبالتالي أمام السوريين صراعاتٌ ونضالاتٌ متعددة المستويات، ضد سلطات الأمر الواقع، وحكم الأسد، وضدَّ الاحتلالات: الروسي والإيراني والتركي، والأمريكي إن بقي في الشرق. وأمامَهم كذلك صراعٌ من أجل إقامة دولة سورية بمفاهيم حداثية ووطنية، ودستور يقوم على المواطنة، وحينها يختار السوريون علَماً يمثل مرحلتهم الجديدة.

الهوامش:

  1. استخدم علم الدولة العثمانية من معركة مرج دابق 1516 حتى انسحاب الحامية العثمانية من دمشق 1918. علم الثورة العربية 1918- 1920. علم المملكة العربية السورية من قدوم الأمير فيصل إلى دمشق في 8 آذار 1920 وحتى معركة ميسلون 24 تموز من العام نفسه. علم الانتداب الفرنسي الأزرق اتخذ في 24 تموز 1920، ثم أعلام التقسيم إلى دويلات طائفية ومناطقية. علم الاستقلال (1932- 1958) و(1961-1963). أعلام البعث: علم البعث ذي الثلاث نجمات خضراء 1963-1972. ثم علم اتحاد الجمهوريات العربية ذي النسر 1972-1980. ثم العلم الحالي الذي كان قد استخدم كجزء من الجمهورية المتحدة (العلم الحالي) 1958-1961، ثم استخدم منذ 1980 حتى الآن.
  2. بعد الانفصال استخدم علم الاستقلال، والبعث استخدم أعلاماً مختلفة قبل أن يعتمد علم الجمهورية العربية المتحدة. كما وضحنا في البند أعلاه.
  3. ترمز النجوم الثلاث إلى حلب ودمشق ودير الزور. لكن في عام 1936 تغيرت معاني النجوم الثلاث بعد ضم سنجق اللاذقية، وأصبحت النجمة الأولى ترمز إلى حلب ودمشق ودير الزور، والثانية إلى جبل الدروز، والثالثة إلى سنجق اللاذقية.