*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية

مقدمة:

ما إن استقرت العلمانية في مؤسسات ودول وممارسات حتى تحولت إلى سردية كبرى أسوة بالحداثة التي ولّدتها. ومع الوقت، وبسبب المعارك الفكرية والأيديولوجية التي خاضتها ونجمت عنها، أصبحت شبيهة بالأيديولوجيات التي وعدت البشر بالتحرر منها، إذ سرعان ما أصبحت ديناً جديداً، أي عقيدة متماسكة وصلبة ومغلقة، وبدا أن مهمة الفكر النقدي تتمثل في تفكيكها أسوة بالسرديات الكبرى القومية والأممية والدينية. فخسرت الكثير من ألقها الفكري وميلها التحرري، وغدت صنماً يضاف إلى بقية الأصنام التي حاولت تهديمها. بهذا النقد الجذري انكبت تيارات ما بعد الحداثة الفلسفية على مراجعة فكر الحداثة ومؤسساتها، ومقولاتها التأسيسية ومن ضمنها العلمانية.

أسهمت الأزمات والحروب بنتائجها وخيباتها بتعرية وفضح الخطابات الخلاصية والنصوص التي وعدت الناس بالفردوس المفقود، كما فككت الإيديولوجيات والسرديات الكبرى في نظر أصحابها وفي عيون الآخرين. إذ لم تتمكن هذه المقولات من بناء وعي أعمق بواقع المجتمعات العربية، ولم تترافق إلا بممارسات فاضحة لادّعاءات أصحابها بدلالة الفرق الكبير بين ما يقال وما يمارس، على ما تشهد به التجارب المصرية والليبية والعراقية والسورية مع التطرف والإرهاب وسواها. وتصدعت بدرجات متفاوتة اليقينيّات الكبرى القومية والدينية لتسود أشكال نكوصية وتفتيتية من الوعي الضيق، سواء أكان مذهبياً أم طائفياً أم قبائلياً أم عشائريا، وبدا أن البون شاسع بين ما نبشر به وما نمارسه[1]. وتهاوت دعاوى دولة الخلافة على أرضية ممارسات الجماعات المتطرفة والتكفيرية الأشد دموية والأكثر همجية، ولم تنفع محاولات تسويقها وتجميلها بتأكيد انتسابها إلى الخبرات الإسلامية والوعي الجمعي ذي المرتكز التراثي الإسلامي، كما تم تأويله وإعادة إنتاجه في الميديا المعاصرة.

وفدت العلمانية مع مفردات منظومة الحداثة الغربية إلى الثقافة العربية إثر الاحتكاك المباشر مع الغرب، وأثار مفكرو النهضة الأوائل معارك فكرية ذات مضامين سياسية وثقافية، إبان محاولتهم الإجابة على السؤال النهضوي الكبير، والذي مايزال معلقاً ومطروحاً: لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب والمسلمون؟؟.

في سياقها الغربي لعبت العلمانية دوراً إيجابياً في تسهيل انتقال أوروبا من العصر الوسيط إلى العصور الحديثة، وساهمت إلى جانب العقلانية والمعرفة العلمية الوضعية الجديدة في تغيير الرؤيا القديمة إلى العالم وفي نقل السياسة من السماء إلى الأرض فأصبحت شأناً إنسانياً خالصاً. وبالتالي أسهمت في تحرير الإنسان الأوروبي بالتضافر مع الإصلاح الديني والنهضة، من سلطة اللاهوت الكنسي وسيطرته على مقدرات أوروبا المادية والروحية، هذا التحول الذي استكملته فلسفة التنوير من خلال اعتبار الإنسان الفرد وأسئلته وحريته وملكيته أساساً للفلسفة السياسية الحديثة التي قالت بدولة الحق والقانون، وبالعقد الاجتماعي مع هوبز وروسو ولوك وتوصلت إلى فكرة المواطنة كبديل للصراعات الدينية. فعد الإنسان هو المركز بوصفه مواطناً وبصرف النظر عن لونه أو دينه أو مذهبه أو معتقده السياسي، الأمر الذي تكرس في معاهدة وستفاليا وبنيت على أساسه صيغة الدولة_الأمة التي يتطابق فيها الكيان الاجتماعي للأمة مع معادلها السياسي أي الدولة. لكن هذه التطورات والثورات والانقطاعات والتراكمات استغرقت أكثر من أربعة قرون وكلفت الأوروبيين الكثير من الدماء والأكثر من الأفكار والفلسفات والتراكم المعرفي.

 نستخلص مما سبق أن العلمانية ليست بالظاهرة التي يمكن لنا توصيفها في بساطة ويسر. فهي جملة من التحولات التاريخية (السياسية والاجتماعية والثقافية)؛ وهي تندرج في إطار أوسع من مجرد التضاد بين الدين والدنيا (كما هو شائع)، وتنطوي على وجوه عدة:

  • وجه معرفي:يتمثل في نفي واستبعاد الأسباب الخارجة على الظواهر الطبيعية والتاريخية _أي ظواهر الميتافيزيقية_ وفي التشديد على التحول التاريخي الدائم؛
  • وجه آخر مؤسّسي:يتمثل في النظر إلى المؤسسة الدينية باعتبارها مؤسسة خاصة تضم دور العبادة وأنظمتها ومستلزماتها؛
  • وجه سياسي:يتمثل في عزل الدين عن السياسة (الدولة)؛ وأخيرا،
  • وجه أخلاقي قيمي:يربط الأخلاق بالتاريخ والضمير[2].

ولم تعد مسألة العلمانية والدين مطروحة في الغرب إلا بما تحيل عليه في عالم السياسة، أي لم تعد مشكلة ولا حلا ولا قضية خلافية لأن الواقع تجاوزها بشكل علمي ومعاش أي بفعل الممارسة، لكن الأمر مختلف في أوضاعنا ومجتمعاتنا العربية، إذ لم نتمكن  من إنجاز الحداثة في السياسة والاقتصاد والمجتمع، رغم وجود العديد من مظاهرها وبقيت أشكال التحديث قشرية وبرانية تتعايش مع بنى تقليدية موروثة فكانت أقرب إلى حداثة التخلف، ولم نتمكن من امتلاك عوامل القوة في عالم اليوم والمرتكزة على الإنسان والعلم وتطبيقاته، وارتضينا بالضعف والهامشية، بل دخلنا في صراعات تناحرية بينت فداحة الثمن الباهظ الذي ندفعه، فبتنا مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء خارج العصر وفاقدي السيطرة على مقدراتنا ومصيرنا.

نقد الخطاب العلماني ونقائضه:

على مستوى المآلات أخفق العلمانيون العرب في تقديم رؤيا للعلمانية نابعة من ضرورة التفكر بواقع العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة في مجتمعات مفعمة بالروحانيات والمقدس، وبالتالي بدا وكأن دفاعهم عن علمنة الحياة يصب في مواجهة الدين، رغم قولهم أن ذلك ينطبق على المجال العام ولا يمس الشأن الخاص للإنسان ومعتقداته. فكان رد الخطاب الديني على دعاة العلمانية متطرفاً إذ بدوره اتهمهم بالكفر والخروج عن الدين، بل اعتبرهم البعض وكلاء للغرب يريدون افتعال مشكلة غربية ليستوردوا لها حلاً غربياً بحسب تعبير محمد عمارة[3].

وبتفكيك هذا السجال يتضح أن الطرفين قد دخلا إلى الموضوع مدخلاً إيديولوجياً غير آبهين بالمكونات المعرفية والسياق التاريخي الذي أنتج العلمنة كسيرورة تاريخية وتراكم معرفي، بل أصبح الموقف من العلمانية موضع تهمة مسبقة وشبهة حيث نسمع في وسائل الإعلام ونقرأ عبارات مثل (علماني والعياذ بالله، العلمانيون الملحدون، وكلاء الاستعمار، المستغربون، اللادينيون…. إلخ). وهي بصرف النظر عن تحيزها أوصمتها، تدلل على موقف مسبق وأحكام صحتها قطعية وعداء إيديولوجي للعلمنة يجعل الحوار بين الطرفين مستحيلاً.

وبمقابل قول العلمانيين أن للعلمانية خاصية لا تملكها الدولة الدينية وهي قبولها للتعددية والتنوع والانفتاح، يطرح الإسلاميون المتشددون شعار “الإسلام هو الحل” بوصفه ديناً ودنيا أي عقيدة وتشريعاً، وبالتالي فنحن لسنا بحاجة إلى العلمانية ولا إلى فصل الدين عن السياسة، وذلك لعدم وجود كهنوت في الإسلام على شاكلة المسيحية من جهة، ولأن الإسلام نظام سياسي اقتصادي اجتماعي صالح لكل زمان ومكان وفق الأيديولوجيا الإخوانية من جهة أخرى!!!

ومن الواضح أن المسكوت عنه في هذا الخطاب والذي تقوله جماعات الإسلام السياسي بصراحة في سياقات أخرى، إن نظام الخلافة الإسلامي على طريقة “المودودي” وسيد قطب ومحمد مرسي وآردوغان هو البديل المطلوب. ورغم نجاحات الإسلاميين على المستوى الشعبوي والتحريضي، إلا أن تجاربهم العملية في غالبية البلدان العربية تؤكد فشل هذه التيارات في تقديم الحلول لهذه المجتمعات، مثلما تبين أن الاستبداد الديني لا يقل خطورة عن الاستبداد السياسي، بل هو أخطر لأنّ الخروج عليه أصعب نظراً لاعتقاد أصحابه أنهم يدافعون عن الحقيقة وأن تأويلهم الديني هو الوحيد الصحيح، وأن الخروج عليه خروج عن إجماع الأمة ووحدة الجماعة، مع ملاحظة أن الأمة هنا هي الأمة الإسلامية ولو رمزياً باعتبار أن الخلافة تغطي نظرياً كل العالم الإسلامي.

لا يميز الخطاب السابق بين علمانية مؤمنة وعلمانية ملحدة، ولا يلتقط الفروق بين علمانيات متطرفة كالعلمانية الفرنسية أو الأتاتوركية وأخرى معتدلة، فهي جميعها وعلى ما بينها من فروق وتمايزات مدانة وغير مرغوب بها ولا تلزم هذه البلدان.

في حين ينطوي الفهم الأعمق والأشمل للعلمانيّة على اعتبارها مجموعة من القيم العقلية تستهدف إحراز استقلال الفكر وضمان حريته حيال تحليل ونقد العقائد والإيديولوجيات (سياسية، دينية). إنها موقف لروح أمام مشكلة المعرفة؛ فكما يقول محمد أركون:

[…] بمعنى حق الإنسان في معرفة أسرار الكون والمجتمع اعتماداً على عقله وخبراته. بهذا لا تكون العلمانية موقفاً من الدين فقط […] بل من قضية المعرفة. والعلمانية الفلسفية ليست الكفر؛ إنها بحث عن المعرفة، يدخل فيه الدين أيضاً، تقول بالدين وتبحث فيه بحثاً علميّاً ولا تقصد هدمه البتة. فهدف كل موقف علمي هو فضح الثوب التنكري التمويهي الذي ارتداه الفكر الإسلامي العربي[4].

أما إذا سألت هؤلاء عن وضع المرأة المتدني مثلاً في المجتمعات العربية، أو عن الفوارق الطبقية الحادة بين الأغنياء والفقراء، وعن أسباب استمرار التخلف والأمية والفقر وعن فشل التنمية، وانسداد الأفق أمام الشباب وتحولهم إلى التطرف، أو عن عمق حالة الاغتراب الوجودي التي يعيشها الإنسان بفقده السيطرة على مصيره ومستقبله، وكيف يكون الإسلام هو الحل لهذه القضايا؟ فلن تسمع سوى إجابات شاحبة وتبريريّة تعمق المشكلات بدلاً من أن تساهم في حلها. ولا يتساءل أحد عن الفرق بين الخطابات التي تصور النظام الإسلامي على أنه منصف للمرأة ويتماشى مع طبيعتها البيولوجية ويكرمها بوصفها أمّاً وبين الوقائع والأرقام التي تفضح هذا الزيف من خلال نسب الأمية الأعلى في العالم المنتشرة بين النساء في العالم العربي فضلاً عن النظر إليها باعتبارها مخلوقاً أقل أهلية وحقوقاً، على ماتبيّن أدبيات الثقافة الذكورية والتقليدية السائدة، والأمر نفسه ينطبق على غياب نظرية إسلامية في الاقتصاد والتنمية وتفسير الفوارق الطبقية الحادة، ولعل حال المسلمين، باستثناء القلة منهم، يوضح بشكل جلي كيف ينعكس المقدس على حال المؤمنين، وهذا هو الأهم بتعبير ماكس فيير، فهم رغم كل الادعاءات والديماغوجيا في ذيل قائمة الأمم والشعوب في التقدم والتنمية وحال المرأة والبحث العلمي وسيادة القانون واستقلالية القضاء وحريات التعبير والقول والاعتقاد والعمل الإبداعي، وإن تواجدت بعض هذه المؤشرات فهي فردية ومؤقتة ولا يبنى عليها ولا تشكل ظواهر لأنها تتواجد رغماً عن، وربما بسبب بيئة غير مؤاتية ومفوّتةتاريخياً.

فتفكيك الخطاب العلماني المتشدد يصبح ضرورة وشرطاً لتفكيك النزعة والتيارات المتطرفة دينياً وايديولوجياً، لأن منطق التطرف واحد وهو الإلغاء، إلغاء الآخر المختلف والمغاير باللون والجنس واللغة والمعتقد والدين والمذهب والقبيلة والعشيرة والعائلة، وذلك من أجل فرض الواحدية والتجانس المزعوم على مجتمعات هي بتوصيفها السيسيولوجي تعددية ومتنوعة. والمشكلة برأينا ليست في التعدد والتنوع، ولا بالطبيعة الفسيفسائية للعديد من البلدان العربية مثل لبنان وسورية والعراق وبدرجة أقل مصر وتونس والسودان …إلخ. المشكلة في إدارة هذا التنوع وفي قدرة النظم السياسية على بناء مجال/فضاء عام يتسع للجميع تحت مظلة الهوية الوطنية، مع الاعتراف بوجود وتعدد القوميات والأعراق واللغات وتداخل وتفاعل الثقافات الممتدة لآلاف السنين في هذه البقعة من العالم. إذ تتحدث الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية على تعاقب حوالي 38 حضارة على الأرض السورية بعضها عابر وأغلبها مقيم ومستمر بشكل أو بآخر. فإدارة التنوع هي الأهم والأبقى، وعليها يصبح التمايز والتعدد نقمة ومشكلة أو يغدو نعمة وعامل قوة وتماسك، شريطة تطبيق مرجعية متفق عليها بين الجميع والاحتكام لمبادئ وأسس المواطنة بحمولتها الفكرية والسياسية الحديثة والتي تكفل المساواة الحقوقية والسياسية لكل المواطنين على مستوى الحقوق والواجبات بصرف النظر عن جنسهم أو لونهم أو دينهم أو لغتهم أو معتقدهم السياسي.

بين مفهوم العلمانية ومضامينها:

كان محمد عابد الجابري يقول: ” إذا كانت العلمانية مقولة غربية نشأت في إطار الصراع مع الكنسية، فلماذا لا نبحث عن جوهر العلمانية وهو العقلانية والديمقراطية ونأخذ به بدلاً من العلمانية التي تثير الجدل والحساسيات”[5]. وأنا أعتقد ان الجابري بهذه النباهة قد تخطى الجدل العقيم بين أعداء العلمانية ومناصريها، وسلط الضوء على لب الموضوع وهو طبيعة النظم السياسية، فإذا كانت تعددية وعقلانية فلا يهم حينئذٍ اسمها، وهذا حل واقعي إلى أن تتغير الأحوال والأفهام، أي الوقائع والوعي.

فما الذي يجمع بين هذا التصور وبين الدولة المدنية دولة الحق والقانون، دولة لكل مواطنيها على قدم المساواة؟؟.

يعترض الإسلاميون على أنظمة الحكم ذات الطابع العلماني بدعوى أنها شمولية وغير ديمقراطية ولاتقبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، مثلما يعترض العلمانيون على الديمقراطية العددية، بمعنى أن الدين أو الطائفة أو المذهب أو العشيرة الأكثر عدداً هي التي ستتحكم في مقاليد الأمور وتضطهد الآخرين، وهذا أمر مفهوم وإن كان غير مستساغ من كثيرين، وذلك حتى يتحول مفهوم الأغلبية من ديني إلى سياسي وحزبي. على صعيد آخر لا يقدم القائلون بالدولة الدينية تفسيراً لانتشار ظواهر التطرف والعنف ولا يوضحون كيف تتحول البنى الاجتماعية التقليدية والموروثة إلى بيئات حاضنة للتشدد والغلو وصولاً للإرهاب، وبدلاً من انتقاد التحالف العضوي بين الأيديولوجيات الوهابية والإخوانية وبين المال النفطي وفضح دوره في إعادة هذه المجتمعات إلى وضعية حرب الجميع ضد الجميع، عبر زجها في حروب وصراعات غير مثمرة تاريخياً ولا ينجم عنها سوى المزيد من العنف والدمار، يكتفي أصحاب الإسلام السياسي باتهام الغرب وأعداء الإسلام بأنهم سبب ما يجري في مجتمعاتهم، ومع أن في هذه الحجج بعض الوجاهة، إلا أن إعادة هذه البلدان إلى شريعة الغاب والحالة الوحشية التي أحسن “هوبز” توصيفها عندما قال: “الإنسان ذئب أخيه الإنسان” يعادل في منطق السياسة العودة على ما قبل الدولة والمجتمع، أي إلى حالة الطبيعة والتوحش والتي جاء العقد الاجتماعي لتجاوزها بوصفها تهديداً بفناء الجنس البشري، وإن بصيغ جديدة ورموز ورايات وإمارات تمتد من باكستان وحتى المغرب وتجعل من التطرف الإسلامي العدو الأول للإسلام المعتدل والمستنير.

وعوضاً عن الانجرار وراء هذا الهذيان التبشيري الماضوي والذي لم يجلب لبلداننا سوى مزيد من الخراب والموت باسم استعادة الماضي الذهبي المتخيل، إذ تدفقت علينا وحوش التطرف والإرهاب تحت مسمى الجهاد من كل حدب وصوب، فقتلت وسبت واستباحت الأعراض والأرزاق وأحيت الرق والعبودية الجنسية لإرضاء خيالات مرضية اعتقدت أنها بجهاد النكاح سوف تصنع إماراتها الظلامية، إلى أن بدأت تتناحر فيما بينها من نفس منطق الاستبعاد والإلغاء ولا هدف لممارساتها سوى إطلاق أقصى ما في النفس البشرية من توحش وعنف ونزوع تدميري للذات والآخر. وفي صراع كهذا الجميع خاسر، ألم يقل نيتشه ” حاذر وأنت تقاتل الوحوش من أن تتحول إلى وحش مثلهم، آنذاك أنت الخاسر سواء ربحت المعركة أم خسرتها”. تحذرنا الصرخة النيتشوية من عبث ومجانية وفداحة الدخول في صراعات من هذا القبيل، وتؤشر على خطورة
أن يقوم الصراع بتحويل الجميع قتلة وضحايا إلى مجرد أدوات، ذلك لأن شرط التفوق على الخصم بشكل حقيقي هو الانحياز إلى غايات إنسانية عليا تضمن التفوق الأخلاقي لأصحاب القضايا العادلة، وتضمن عدم تحول كل أطراف الصراع إلى وحوش بشرية متناحرة تعمل ليحل الخراب، كما في كل الصراعات الداخلية والأهلية فالجميع فيها خاسر، وهذه أقل حصيلة معرفية يمكن أن نتوصل إليها بعد الأثمان الباهظة التي دفعناها والتي كادت أن تعصف بنا دولاً ومجتمعات بالمعنى الوجودي. ألم يلحظ هيغل ان بومة مينرفا وهي رمز الحكمة لا تحلّق إلا بعد أن يعم الخراب!!!. الخوف والخيبة إذاً وبعد كل هذا الخراب، من عدم سماع صوت العقل وتجاهل فرصة المعرفة الحكيمة الملازمة للكوارث والحروب.

مستقبل وآفاق العلمانية في سورية:

ليس من السهل التنبؤ بمآلات وآفاق تطور العلمانية في سورية. فتعقيدات المشهد السوري وتداخل الوطني مع الإقليمي والدولي في تشكيل ملامحه المستقبلية باتت أمراً واقعاً. مع ذلك لا نجازف كثيراً إذا قلنا إن تطور مسار العلمنة لا ينفصل عن كيفية وتوقيت انتهاء الحرب والأزمة وما يتعلق بها من قضايا تتصل بملامح العقد الاجتماعي الجديد الذي ينظم ويعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويكفل وحدة وسيادة الدولة على كامل التراب السوري، فضلاً عن إعادة التماسك الاجتماعي، بعد كل ما تعرض له من تصدعات وشروخ وخسائر في الرأسمال الاجتماعي المبني على التعاون والثقة وتعميق القيم الرمزية التي تجمع السوريين على ما بينهم من تباينات واختلافات وتنوع.

وإذا كان لعملية إعادة البناء والإعمار دور حيوي في تظهير ملامح سورية المستقبل، سواء لجهة تأمين مصادر التمويل اللازمة لبناء البنى التحتية والمساكن والمنشآت الحيوية، أو لجهة حجم الاستثمارات والتمويل المخصص لهذه العملية والمرتبط بشكل التسوية السياسية التي ستنهي الحرب وتبعاتها، فإن إعادة بناء الإنسان قيمياً ومعرفياً لا تقل أهمية عن البناء المادي، بل هي التي ستقودها عبر سياسات ثقافية واجتماعية وتنموية مطالبة بتصحيح أشكال الخلل الهيكلي في الاقتصاد السوري، إن على مستوى الهوية الاقتصادية، أو على صعيد الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتنافسية وخلق بيئة مواتية للاستثمار …إلخ. لاتصال ذلك مباشرة بتلبية الاحتياجات الأساسية للسوريين، وتحسين سبل عيشهم، واستعادة الكثير من مواردهم التي دمرتها الحرب، ولأن الانتعاش الاقتصادي شرط لازم لاستئناف المسار التنموي وضمان حقوق المواطن في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية والدخل والمشاركة.

وسيكون للدستور الجديد المنبثق عن الحوار الوطني الشامل بين السوريين أنفسهم، والمنظم للعلاقة بين السلطات والضامن للحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين، ذكوراً وإناثاً، وبصرف النظر عن عرقهم أو دينهم أو لغتهم أو عقيدتهم أو انتمائهم السياسي، دور محور في تكريس قيم وثقافة المواطنة وبالتالي الاستفادة من المضامين العميقة للعلمانية كضمانة للتنوع مع احترام العقائد والأديان والخصوصيات الثقافية للسوريين تحت مظلة الهوية الوطنية الجامعة.

ولا شك بأن ملامح سورية ما بعد الحرب ستتبلور وتتضح بمقدار استجابتها دولة ومجتمعاً لجملة التحديات التي واجهتها ومستوى الاستجابة لها، وفي صلبها امتلاك رؤية مستقبلية تشكل جزءاً من استراتيجية واضحة الأهداف تندرج فيها ضمناً أسس تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي والمجتمعي وبما يضمن عدم تحوّل هذه العلاقة إلى عامل تهديد للاستقرار والسلم الأهلي. فهل نستفيد من الفرص الملازمة للأزمات والحروب، وهل نحسن التقاط العبرة والدروس الثاوية في قلب المعاناة والأثمان الباهظة التي دفعناها؟؟.

الهوامش:

[1]للمزيد من التوسع حول الفرق بين الخطاب والممارسة، يمكن العودة إلى كتابات جاك دريدا التفكيكية، ونصوص علي حرب في مؤلفاته النقدية، وخصوصاً كتابة نقد الحقيقة، بيروت، 2015.

[2]عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ص18.

[3]محمد عمارة، جريدة الحياة، عدد22/8/1989.

[4]محمد أركون: في حديث لمجلة الإحياء العربي، العدد 5تشرين الأول، 1979.

[5]انظر الحوار بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي على صفحات اليوم السابع، 3نيسان/أبريل1989.