من منشور إلى آخر، تتنقل دينا ( 2 عاما) بين مجموعات “فايسبوك”، التي تعرض فساتين الزفاف المستعملة، بحثاً عن فستان لعرسها القريب، بعدما تخلت عن جولات في محلا بيع فساتين الأعراس في اسواق دمشق، لانها شراء احدها يعني التخلي عن راتب شهر أو أكثر.
“أبحث عن فستان زفاف مميز ولا يتجاوز سعره عشرين ألف ليرة”، تضع دينا هذه الجملة على شكل تعليق تحت منشور يتضمن صور فساتين معروضةٍ للإيجار. لكنها تعلم أنها كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. والمفاجأة، ان سوق الأزياء صار “سوقا سوداء”، حسب ملاحظة “صالون سوريا” مع الناس وبين التجار الباحثين عن الربح.
تضيف دينا تعليقاً على منشور آخر: “خطيبي يعمل في مخبز ونحن لا نستطيع تحمل تكلفة فستان جديد للزفاف”. وبعدها تنهال عليها التعليقات والمعروضات المرفقة بصور، ذلك ان السوريين باتوا يبيعون شيئاً، أي شيء، وكلّ شيء.
بعضهنّ ممن أجبنّ على تعليق دينا، كنّ يعرضن عليها فساتين مستعملة، للبيع أو الآجار. سيدة اسمها غنى ردت لتقول: “صبايا هاد آجار بـ 25 وللبيع بـ 45 واللي بتنوي تكرم”، مرفقةً صوراً لفستان عرس أبيض، يشي بأنّه يوماً كان فستان فرحها، يوم كان الفرح معقوداً على رؤوس الجبال في بلد لم يعرف يوماً شكل الدماء وصوت الرصاص، قبل أن يصير كل ذلك وفوقه الدمار عناوين ثابتة وراسخة في يوميات أهل البلاد التي مرّ على مخاضها عشرة أعوام.. وما كان ينتهي.
دينا أخيراً حذفت منشوراتها وتعليقاتها بعد أن اهتدت لضالتها. وضالتها جاءت على شكل هدية مؤقتة ستعيرها إياها “صاحبة خير” كما تصفها، لتعيد دينا الفستان إليها لاحقاً. الفستان الأبيض الذي سيمحو يوماً أسود واحداً من يوميات حزنها، يوم الزفاف، ثم يعود بعده كل شيء كما كان، حالها كحالة كل سوري، معظمهم على الأقل، معظم من لا زال يتنفس تحت سماء الشام.

رفاهية لا حاجة لها
بمنشورات عدّة، يعرض “أبو عادل” (اسم مستعار – 49 سنة) على “فايسبوك” صوراً لأثاث منزله بغرض البيع، براد، غاز، مكنة خياطة، تلفاز، كنبايات، سجادة. تواصل “صالون سوريا” مع “أبو عادل” الذي فقد عمله منذ سنة ولم يجد عملاً آخر ليعيل أسرته: “كنت أعمل في مجال البناء كمعلم باطون، لكن تخلى عني صاحب العمل لأني أصبت إصابة عمل، وكسرت رجلي وأضلاعي، ولم يعوضني أحد عن هذا الضرر ولم أتلق أي تعويض!، أكثر من ذلك، رفض زيارتي للاطمئنان عليّ. الناس وحوش، وأمام القانون أنا عامل بلا تأمينات وتسجيل صحي وسواه”. يضيف: ” على شوفة عينك، ما عم لاقي شغل يناسب عمري وحالتي الصحية، لهلأ بعرج ع رجلي، وما في أكل ببيتنا، وبكفينا بيت نسكن فيه والباقي رفاهية زايدة ما في حاجة إلها، لشو الأثاث وبرادنا صار نملية”.
على هذه الحال، يتنقل “أبو عادل” من صفحة لأخرى علّه يجد زبوناً مناسباً لكل معروضاته التي لم يطلب فيها أكثر من ثلاثمئة ألف ليرة سورية (أقل من 100 دولار أميركي).
“أبو عادل” واحد من المئات، وربما الآلاف، أولئك الذين صاروا يعرضون أثاث منازلهم للبيع، زبائن تشتري، وآخرون يطالبون بخفض السعر، وغيرهم يساوم ويفاصل في الأسعار ثم لا يشتري، وعلى هذا المنوال أصبح أثاث منازل السوريين رفاهية لا تغني ولا تفيد.

ارتفاع وبيع
“أم رنا”، عجوز سبعينية تعمل كبائعة للخضار تنقل بضاعتها يومياً من رصيف إلى آخر. ترفض أن نصورها، تخاف من العدسة، يبدو هذا مبرراً لسيدة تتنهد وتتحسر على ما تعانيه هي وابنتها من خوف وجوع وفقر بعد أن فقدت من فقدته من أسرتها قبل أن يتحول بيتها إلى ركام وتصبح نازحة.
استقرت أخيراً بغرفة استأجرتها في حي الحمصي بجرمانا، تقول “أم رنا” وقد عرضت اسطوانة غاز تمتلكها للبيع: “ارتفع سعر الغاز المنزلي بعد أن ارتفعت أسعار الكثير من المواد التموينية، كيف لي أن أطعم ابنتي وألبي لها كل متطلباتها الدراسية في هذا الوضع المزري؟، كل الأسعار ترتفع ولا أملك حيلة إلّا أن أبيع إسطوانة غازنا، وأن اعتمد على الكهرباء في الطبخ، فأنا اشتريت شيئاً نسميه وشيعة ثمنها تسعة آلاف ليرة”.
للمفارقة، فإن سعر إسطوانة الغاز يختلف بحسب حالتها، فإسطوانة الغاز الممتلئة تبدل برقم كاد يلامس مئتي ألف ليرة سورية مع الجرة الفارغة، فيما تباع جرة الغاز الفارغة بأسعار لا يمكن حصرها. فكل بائع في هذه السوق السوداء له تسعيرته التي تتناسب طرداً مع حاجة الزبون للغرض، فضلاً عن أنّ سعة اسطوانة الغاز هذه الأيام قلت بشكل لافت بعد أن أصبحت تباع على البطاقة الذكية، وبدلا من أن تكفي لشهرين باتت تكفي لنصف شهر بأحسن الأحوال!، هذا باعتبار أن استخدامها كان من قبل أسرة مكونة وسطياً من خمسة أفراد، فيما رسائل البطاقة الذكية لتبديل الاسطوانة تصل للمواطن بحدود كل ثلاثة أشهر مرة.

أجساد للبيع
“تجارة الأعضاء. نشاط تجاري تحت غطاء التبرع!”، هذا العنوان نشرته في وقت سابق صحيفة “البعث” الرسمية لمقال لها ضمن قسم التحقيقات، لكنّ الصحيفة حذفته من موقعها الإلكتروني بعد أيام قليلة من نشره من دون أن تقدم أي توضيحات في هذا الشأن.
التحقيق تناول ملف تجارة الأعضاء في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفقر والبطالة. وأشار كاتب التحقيق إلى أنه استمع لأطباء عديدين حول تلك الظاهرة التي أكدوا أنّها باتت تُمارس بشكل علني أو شبه علني، وأنّها تخفي وراءها ما هو أخطر منها، وصولاً إلى شبكات منظمة للتجارة بأعضاء المواطن السوري، في ظل ضعف أو غياب الرقابة عن هذا الملف.
الصحيفة سلطت الضوء في تحقيقها على بيع شخص لكليته بمبلغ ثلاثين مليون ليرة سورية، بهدف إجراء عملية قلب مفتوح لولده الوحيد، ما شجع زوجته التي عرضت كليتها للبيع بمبلغ مماثل، لشراء منزل صغير في ريف العاصمة بعد أن دمر منزلهم في حرستا جراء الإرهاب، بحسب الصحيفة.
والجدير بالذكر أن الكلية تباع في سورية بمبلغ يتراوح ما بين 7 إلى 12 ألف دولار أمريكي، لتباع إلى الخارج لاحقاً برقم يصل إلى 75 ألف دولار أمريكي، عبر شبكات متخصصة بتجارة الأعضاء.

أجساد لاجئة
لم يتوقف ملف تجارة الأعضاء وبيع السوريين لأجسادهم على أولئك الذين نزحوا داخليا خلال الحرب في سوريا، بل امتدت ايضا للذين خرجوا من البلاد واستقرت بهم الأحوال في مخيمات اللاجئين بالدول المجاورة، سيما في تركيا ولبنان.
منذ شهر تقريبا نشرت صحيفة “ذه تايمز البريطانية” تقريرا لها كشفت فيه عن أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان قاموا ببيع أعضاء من أجسادهم ببضعة آلاف من الدولارات نظرا لحالة الفقر المدقع التي يعيشونها والأوضاع الاقتصادية الصعبة وقلة فرص العمل.
تحقيق استقصائي لفريق من “القناة الأولى للتلفزيون الألماني” (ARD) بين أن هناك تجارة غير قانونية بالأعضاء البشرية تروج في تركيا وأن “المتبرعين” هم من اللاجئين السوريين بشكل أساسي. كما كشف التحقيق عن أن عرض الأعضاء للبيع يتم عن طريق شبكة الانترنت والفيسبوك.
فيما أشارت تقارير صحافية عدة إلى لجوء الكثير من السوريين لبيع أعضائهم عبر مجموعة سرية على فيسبوك استحدثت لهذا الشأن، وحملت اسم: “إعلانات بيع الأعضاء البشرية”، قبل أن يقفلها القائمون عليها بعدما كان آخر منشوراتها أن العرض قد فاق الطلب.
قبل عقد من الزمن، كانت حالة الاستهجان والاستنكار كبيرة لدى السوريين عند سماعهم بأن أحداً عرض ممتلكاته أو أحد أجزاء جسده للبيع, تغيرت الأحوال كثيراً في البلاد، وبات الفعل الممنوع في هذه الأيام يُشاع علناً بلا رقيب أو أدنى مسؤولية، لم يعد أحد ينتظر القادم المشرق بل يكفيهم أن يضمنوا قوت عيشهم ليوم وآخر، أما الوعود الكبيرة بالاستثمار وإعادة البناء فلها تجارها ومختصوها وهي بعيدة عن الشريحة العظمى في البلاد، الفقراء والمساكين.