“الست بتلة” هو اللقب الذي اختارته “سلطانة عامر” لنفسها منذ عشرات السنين لتشتهر به السيدة التي تحظى باحترام وتقدير واسع في أوساط المتدينين، وتشير بعض الشائعات المحلية إلى أن للست نفوذاً كبيراً لدرجة أنها باتت الآمرة الناهية في مجتمع السويداء.

ومُحرّك هذه الإشاعات الأساسي هو قلة المعلومات الموثّقة حول سلطانة، إضافة للغموض والسرية التي يتسّم بها المجتمع الديني عموماً لدى الدروز، إضافة إلى غرابة وندرة وصول امرأة لهذه المكانة الدينية المرموقة.

يروي أحد الشيوخ المقربين من الست والمقيم في مدينة السويداء، أن قصة “الست بتلة” بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت طالبة جامعية في قسم الفلسفة، إلا أنها تركت دراستها وحياتها المدنية وتوجهت نحو الدين. وحفظت سلطانة “كتب الحكمة” كاملة، وهي الكتب المقدسة عند الدروز وعددها ستّة، وهي الحالة التي تعد قليلة عموماً وخاصة لدى النساء، وقامت بتغيير اسمها إلى “بتلة” كنوع من الزهد معتبرة اسم “سلطانة” لا يناسبها، ونتيجة لذلك ولكونها من أسرة عامر المعروفة والتي تتمع بمكانة كبيرة في السويداء، حظيت “بتلة “بدعم واهتمام شيوخ الدين المعروفين وقتها، وهم من أطلقوا عليها لقب “الست”، وعمدت لتحويل منزلها في أحد أحياء المدينة لمدرسة دينية تعلم أصول الدين وطقوسه للنساء، بحسب الشيخ.

وازداد خلال سنوات الحرب الماضية انتشار الظواهر الدينية في السويداء بشكلٍ ملحوظ، لأسباب عديدة منها تشكيل الميليشيات المسلحة والتي أخذت غالباً الطابع الديني سواء الموالية منها أو المعارضة، كما شكل الدين رابطاً قوياً للحفاظ على وحدة المجتمع بعد أن غدت المؤسسة الدينية المرجعية الوحيدة في ظل غياب أية حركة مدنية أو سياسية.

وأثارت الست إشكاليات عديدة في المجتمع المحلي في السويداء أبرزها يتعلق بانتشار تأثيرها الواسع والتعصّب والتشدّد في التعاليم والطقوس الدينية التي تدعو إليها، وهو أمرٌ مستهجن وغريب عن مدينة تتسم بمدنيتها وعدم تطرّفها، وقد أدت هذه التعاليم إلى خلق مشكلاتٍ كبيرة بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين بعض العائلات، حتى أن فئة كبيرة من الأهالي أصبحت تسميها بـ “خرّابة البيوت”؛ إذ ظهرت العديد من حالات الطلاق بين المريدات والأزواج غير المتدنين أو ممن يرفضون التشدد في الدين، بالإضافة لرفض التعليم للفتيات والنتائج الخطيرة من جرّاء منعهن من إكمال دراستهن الجامعية ورفض الاختلاط في المدارس، وفي بعض الأحيان يتم إخراجهن من المدارس بسن مبكرة والاكتفاء بتعليمهن أصول الدين.

لا تنشر “بتلة” تعاليم خاصة بها ولا بدعاً هي اخترعتها، فكل ما تقوم به هو تطبيق التعاليم الدينية في المذهب الدرزي بحذافيرها، وفق قاعدة التصوف في الدين والشروط المعاشة اليوم، رغم أنها قد تجتهد ببعض المسائل بالقياس أو الإفتاء حسب ما تراه مناسباً، ولعل المغالاة الشديدة والتطرف الذي أثار نقمة وانتقاد البعض في مجتمع السويداء مرده إلى مريديها أنفسهم، حيث تصبح المغالاة هنا طريقة لإبراز الولاء والتقرّب من الست أكثر، بالإضافة إلى تحوله لنوع من التعويض النفسي والاجتماعي عن حالة الفشل والإحباط العامة التي خلفتها الحرب.

ولا تكتفي مدرسة “الست بتلة” بتعليم أصول الدين وتلقينه لمريداتها فقط، بل تفرض عليهنّ مجموعة من السلوكيات والطقوس الأخرى المتعلقة بكل جوانب الحياة تقريباً، من مبدأ أنّ الدين هو محور الحياة، لذا كان على المنتسبات أن يصدقن النية في التقرب لله، وأن يلتزمن بتطبيق التعاليم الدينية، والتي لا تختلف في أغلب جوانبها عن أي عقيدة أو مذهب ديني مختلف، وإن كانت أقرب إلى الطريقة الصوفية، والأساس فيها تطبيق مبدأ الحلال والحرام في كل شيء. وعند هذه القاعدة تحديداً يبدأ الاختلاف في تفسير الأشياء، فتعريف الحلال والحرام في العقيدة الدرزية ينطلق من قاعدة البحث عن أفضل الخيارات والطرق، أي الأكثر حلالاً من غيرها، وكنتيجة طبيعية لتطور المجتمع وتغيّر عاداته وثقافته، انحسر تطبيق التعاليم الدينية ليقتصر على الضرورات فقط، بما يحفظ النزاهة والكرامة والأخلاق، أو كشكل فقط وكنوع من إثبات المكانة الاجتماعية.

وبهذا ركزت الحركات الدينية المتشددة على محاولة العودة إلى تطبيق الجزئيات الصغيرة وأحكام الدين في كل جوانب الحياة، كرد فعل على ظاهرة انحسار الدين في المجتمع. ولذا يُلاحظ أن المتشددين ومنهم أتباع “بتلة” يرفضون العمل ضمن وظائف الدولة، كما يرفضون أي تعامل معها، معتبرين أموالها محرمة لاعتمادها على الضريبة والفساد، وبلغ الأمر بهم للاكتفاء بالضرورات القصوى المقدمة منها كالكهرباء مثلاً، وإن أمكن الاستغناء عنها يعتبر أفضل. كذلك الأمر بالنسبة لمياه الشرب، فهم لا يشربون مياهاً من الشبكة العامة وإنما من مياه الأمطار المُجًمعة أو من آبار خاصة موثوقة المصدر؛ وحتى لباسهن يحاولن حياكته بأنفسهن، وإن تعذّر الأمر، يشترون قماشاً من محلات خاصة أيضاً؛ و بالنسبة للمحروقات، يعتمدون على الحطب بشكل أساسي في الطبخ والتدفئة، ويمنع عنهم كافة أشكال التكنولوجيا الحديثة من تلفاز وموبايل وانترنت وغيرها لاعتبارها مفسدة بالمطلق ولا نفع منها. نتج عن هذا، تشكيل المتدينين بما فيهم “الست بتلة” لنظامهم الاقتصادي الخاص، الأشبه بالأخوية المتكاملة والمعتمد بالدرجة الأولى على الزراعة وتربية الحيوانات والأعمال اليدوية والمنزلية، إضافة لبعض المحلات التجارية التي تعود ملكيتها لرجال دين، حيث يفضلون شراء حاجاتهم الأساسية منها.

وبما يخص نفوذها الداخلي، فقد حظيت “بتلة” باهتمام وتقدير كبيرين في الأوساط الدينية المحلية، وعُوملت من قبل أتباعها بشيء من التقديس والتبجيل، إذ تعتبر سلطتها الدينية مطلقة بحكم منزلتها وتأثيرها في وسطها، فالدين في المذهب الدرزي يمر عبر وسطاء حصريين لهم الحق عندما يصلون إلى مرتبة معينة من التقوى بإدخال أو إخراج الأشخاص من الدين حسب أعمالهم ومواقفهم، ويعتبر البعد أو الحُرم الديني من أهم أدوات العقاب والثواب في المذهب، ويعتبر المُبعد من الدين كافراً حتى يعود إليه دينه من جديد، فكثيراً ما تتردد عبارة (بتبعدك الست) كنوع من الدلالة على سلطتها المطلقة.

ولا يُفرض “التديّن” في العقيدة الدرزية على الأفراد أبداً، فعلى العكس توضع شروط قاسية لمن يراد الانتساب إلى مجتمع المتدينين، وسعى العديد لإيجاد طرق لتوسيع دائرة الدين وزيادة الملتزمين به، ومن هنا لعبت حركة “الست بتلة” الأثر الأكبر بنشره، من خلال ضمان وصوله للنساء وبالتالي انتقاله لأسرهن.

لو أن التعاليم الدينية التي تنتهجها “الست بتلة ” بقيت ضمن إطار الخيار الفردي أو كحالة من التصوف والروحانية، لكانت أشبه بثورة على نمط الحياة اللاإنساني الموجود اليوم؛ كما أن تبني أي جهة مدنية لتعاليمها ورفضها العلني لبعض مؤسسات الدولة، كاد أن يؤدي بها للقمع الفوري من قبل السلطة، ولكن تغطية المسألة بالصبغة الدينية فقط سمح لها بأن تمارس نشاطها وبغطاء ودعم من الأجهزة الأمنية، ما جعل البعض يظن بأن “حركة الست” ليست إلا حركة أمنية بالمطلق، ويعتقد البعض أنها استنساج لتجربة “قبيسيات دمشق”.

لكن للحقيقة وجهين متناقضين، فمن ناحية، إنّ أي تيار ديني هو صديق السلطة بالضرورة ويمكن للسلطة أن تستثمر فيه في أي وقتٍ ضمن تحالفات معلنة أو سرية لتثبيت وجودها كما حصل مراراً في المشهد السوري؛ ولكن من ناحيةٍ أخرى، فإنّ هذا الاستثمار في الحركات الدينية قد لا يتحقق في مجتمع الدروز وضمن عقيدتهم، بل قد يرتدّ عكساً على السلطة إذا ما اعتبرت حركة ما بأنها تُشكل خطراً يُهدد الدروز كمجتمع أو كطائفة.

يُدرك المتدينون معادلة محاباة السلطة التي تساوي النفوذ والتمدد، ويستثمرونها سراً، والأخطر في الموضوع هو اعتقادهم بأنهم يستغلون السلطة لزيادة نفوذهم، وبالتالي توسيع مشروعهم الديني، والذي سيحقق للطائفة مزيداً من التماسك والقوة برأيهم، إضافة لعودة دور الدين في صياغة وقيادة المجتمع وحفظ وجوده.

من ناحيتها ترحب السلطة بأية حركة من هذا النوع، فتمدّد وانتشار الدين هو حتماً على حساب الحركات المدنية والفكرية في المجتمع، وهي الغاية الأهم لبقاء معادلة السلطة والدين كوجهين لعملة واحدة.

ومن هنا نجد أن حركة “الست بتلة “لم تعد وحيدة في مجتمع السويداء، فهناك اليوم أسماء جديدة ظهرت على الساحة “كالست شامية” و”الست سميّة” وغيرها، هذا عدا عن المعلمات في حلقات تدريس صغيرة في بعض القرى أو ضمن جلسات خاصة، وإن كان أغلبهم قد خرج من مدرسة “بتلة” إلا أن التنافس بينهن موجود وإن كان غير معلن.