إن الحريات السياسية والمدنية هي حقوق قانونية، تضعها الدول بقوانين وتكفل تنفيذ هذه القوانين،  وتضمن حق الأفراد في حماية الدولة، من تدخل الحكومة، أو من تدخل الأفراد الآخرين عن طريق القضاء.  أغلب دساتير الدول الحديثة تشير في نصوص عامة إلى هذه الحقوق. جاء في الدستور السوري لعام 2012 في الباب الثاني تحت عنوان “الحقوق والحريات وسيادة القانون” التأكيد على حقوق: المواطنة وسيادة القانون والمساواة وتكافؤ الفرص وحق التقاضي وعدم رجعية القوانين، وعدم إبعاد المواطن عن وطنه، وحرية التنقل، وحرية الاعتقاد، وحق العمل، وحق التعلم وحرية الرأي والاجتماع والتظاهر والدفاع عن الوطن ودفع الضرائب والرعاية الصحية والرقابة الشعبية على السلطة. في المقابل على السلطة أن تمارس دورها وفقاً لقواعد الحق التي يتضمنها الدستور، وفي حال مخالفة السلطة للقوانين والدستور، هناك حق للمواطن بالمقاومة والرفض والاحتجاج.

لكن عندما تكون السلطة محصورة في يد فئة خاصة وراثية أو مالية أو طائفية، فإن هذه الفئة سوف تفرض على غيرها واجب الطاعة العمياء، وتعطل الدستور وتسخره لخدمة بقائها الدائم في السلطة، وتعمل على سن القوانين التي تعارض الدستور، وتقيد الحريات اللازمة للمجتمع التي تمكنه من الدفاع عن حقوقه. هكذا ممارسات تعبر عن إن السلطة المطلقة ضارة ضرراً مطلقاً، سواء على من يمارسها أو على من يخضع لها، حيث السلطة تعتبر نفسها غاية بحد ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة.

 الوضع السوري في انحدار مستمر نحو الهاوية، ومازال النظام يدافع عن وجوده واستمرار سياساته المعادية لشعبه والمتحدية للقرارات الدولية الداعية إلى ضرورة الإسراع في الحل للخروج من المستنقع الذي وصلت إليه الأزمة السورية، خاصة بعد العقوبات الاقتصادية بموجب قانون قيصر، والذي تزامن مع دعم مشروط من حليفه روسيا، وتراجع الحليف الإيراني عن دعم النظام بسبب عقوبات عليه وأزمة اقتصادية يعاني منها. كل ذلك أدى الى انهيار العملة السورية، وارتفاع الأسعار الجنوني، حيث اتخذت الحكومة السورية مجموعة من القرارات الارتجالية غير القانونية التي تضمن رفد خزينتها بالأموال. وإن كانت غاية الحصار والعقوبات هي دفع النظام لتغيير سياسته، والقبول بالحل السياسي، وحماية المدنيين، فإن النظام وطوال سنين الأزمة عمل على نقل عبء الأزمة وتبعاتها وتحميلها الى المدنيين بشكل كامل.

مثال على ذلك ظاهرة التعفيش، التي تم تعميمها في أرجاء سوريا، وفق قرار سلطوي، حتى لو لم يكتب؛ فكان يتم الاستيلاء علانية على كل ما تحتويه الأحياء من بضاعة في المخازن وتجهيزات المنازل، و الحديد والألمنيوم ومن ثم يتم فرزها ونقلها بشاحنات منها ما يذهب إلى معامل يديرها ضباط أو تجار لإعادة تدويرها، ومنها ما يذهب إلى مخازن ويعاد توزيعها الى الباعة على أنها جديدة. أما الأجهزة المستعملة والقديمة، فتذهب إلى أسواق سُميت أسواق التعفيش، تباع عبر وسطاء إلى عاملين على بسطات وهكذا أمن التعفيش عملاً لكثير من المواطنين أغلبهم مهجرين، وأمن دخلاً إضافيا للعساكر الذين ساهموا بالتعفيش، ودر أرباحاً على الضباط وشركائهم من التجار الذين يسوقون ويديرون معامل، ساهمت بتغطية نفقات ورواتب وعلاوات للدفاع الوطني، خاصة الفرقة الرابعة التي تدير معامل خردة الحديد المستولى عليها. لكن بالمقابل تركت شرخاً وولدت قهراً في المجتمع عند أصحاب الممتلكات، وحولت المعفشين إلى مجموعات وعصابات  تمتهن جرائم سرقة المواطنين، على أنها من حقهم.

إن قصة الغلاء الفاحش، الذي بدأ قبل تطبيق عقوبات قانون قيصر نتيجة تدهور العملة السورية أمام الدولار، بسبب الفساد المستشري، وبسبب الأزمة في لبنان، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بعد تقنينها وتوزيعها عبر البطاقة الذكية، التي  وضعت المواطن السوري أمام خيارات صعبة لا تحتمل بأن يقضي يومه في انتظار دوره أمام الأفران والمؤسسات ومحطات الوقود، لتأمين جزء من حاجاته وشراء الباقي بالأسعار الحرة، التي تدر أرباحاً طائلة على النظام والتجار، والتحكم بالسلع حسب الطلب، حيث ارتفع سعر الدخان الوطني أضعافاً حتى تجاوز أسعار الدخان الأجنبي، بعد أن زاد الطلب عليه لرخص سعره، وتحول الدخان الوطني إلى مصدر دخل هام، يتم تسليمه للموالين من التجار والباعة، وتذهب حصص قليلة لمراكز بيع الدخان.

جرى كل ذلك مع بقاء دخل المواطن ثابتاً، بل على العكس هناك فئات واسعة خسرت أعمالها نتيجة إغلاق الكثير من المصالح لفقدان المواد وأسواق التصريف وضعف الاستهلاك. إن النظام يتعامل مع الشعب السوري على أن كل عائلة لديها مغتربين في الخارج عليهم دعم أهاليهم في سوريا. الحقيقة أن أغلب العائلات في الداخل السوري يعتمدون على عائدات مالية تأتي من الخارج والنظام يستفيد من هذه العائدات لرفد الخزينة بالعملة الصعبة خاصة بعد منع التداول بغير الليرة السورية.  لكن النظام لا يعنيه، حال العائلات التي لا يوجد من يدعمها في الخارج وهم نسبة كبيرة من الشعب السوري، تركها النظام لمصيرها، عرضة للتشرد والتسول والموت جوعاً ولممارسة أعمال غير قانونية مثل ترويج المخدرات، بيع الأعضاء، والدعارة.

 ولعل القرار الأكثر جدلاً والذي تم نقده والمطالبة بإلغائه آو تعديله، قرار رئيس الحكومة حسين عرنوس الذي يفرض على كل سوري ومن في حكمه، تصريف 100 دولار أمريكي عند دخولهم إلى سوريا.   قرار أثار العديد من الأسئلة أهمها تتعلق بالمواطن الذي يعيش في سوريا ويسافر لزيارة الأقارب أو رحلة او طلباً للدراسة أو العلاج، ويعود إلى بلده ولا يملك عملة صعبة، وعليه سوف يجبر على شراء مائة دولار من السوق السوداء، وصرفها بالسعر الذي حدده المصرف المركزي أي خسارة نصف قيمتها.

 هذا القرار أثار تساؤلاً آخر عن مخالفته للقانون والمرسوم رقم 3 لعام 2020 الذي ينص على منع التعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات. وظهرت آثار القرار عندما تقطعت السبل بمئات السورين، على الحدود السورية اللبنانية، الذين ليس بمقدورهم دفع المبلغ، و لا هم قادرون على العودة من حيث أتوا، وتم تسميتهم العالقين، على لسان مدير الهجرة والجوازات النمير ناجي الذي قال: “السوري الذي لا يسمح له بالدخول، اسمه عالق، أي يبقى على الحدود يمارس حياته كالمعتاد، ويتناول طعامه وشرابه، أمامه خيار واحد هو الاتصال بأحد ذويه أو أصدقائه ليحضر له الـ100 دولار، فيقوم بتصريفها ومن ثم الدخول إلى بلده”. إن هذا التصريح يحمل رسائل عديدة عن تدني قيمة المواطن السوري الفقير، والاستخفاف به وبحياته وتركه عرضة للابتزاز والتشرد ودفعه للموت جوعاً أو قهراً، أمام أعين العالم، في صورة يندى لها جبين البشرية دون خجل.  وهذا ما يشكل درساً قاسياً للمواطن الفقير يدعوه لأن يفضل الموت حيث هو على العودة الى وطنه. هذا القرار يمنع اللاجئين الفقراء في دول الجوار من العودة؛ وقد تستغل الدول التي تستقبلهم هذا القرار بإعطائهم المبلغ وتسفيرهم.  كما سيمنع هذا القرار السوريين من المغادرة وبالتالي عائدات الدخول لن يكون لها قيمة كبيرة على خزينة النظام. وهو قرار يخالف الدستور وفق ما جاء في المادة الثامنة والثلاثون:

1 ـ لا يحوز إبعاد المواطن عن الوطن، أو منعه من العودة إليه.

2 ـ لا يجوز تسليم المواطن الى أي جهة أجنبية.

3ـ لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة أو مغادرتها إلا إذا منع بقرار من القضاء المختص.

 وظهرت أصوات داعية الى رفع دعوى إلغاء ضد هذا القرار الإداري الظالم: لمخالفته الدستور والقانون. ما هو التكييف القانوني لقرارات الحكومة التي تخالف القانون؟

 المبدأ العام أن أعمال الحكومة تخضع لرقابة القضاء، على أساس وجود قواعد صارمة تلتزم الإدارة في تطبيقها، لكن حتى لا يتم غلّ يد الإدارة، قرر الفقه والمشرع منحها امتيازات وقدراً من الحرية يتسع حسب الظروف تحت تسمية: السلطة التقديرية، الظروف الاستثنائية، والحرب، تسمى أعمال السيادة تطبقها سوريا التي أخذت بالنظام القضائي الفرنسي، على الرغم من عدم وجود معيار قاطع لتعريف أعمال السيادة. إذن لاعتبارات خاصة بعض تصرفات الحكومة لا تخضع للقضاء لأن سلامة الدولة فوق القانون. القوانين المعمول فيها في سوريا نصت عليها وترك أمر تحديدها للقضاء والاجتهاد القضائي. لذلك درج القضاء رفض اختصاصه للنظر في موضوع يتعلق بأعمال السيادة باعتبارها خارجة عن ولاية القضاء إطلاقاً وهذا ما نص عليه مجلس الدولة ونص عليه قانون السلطة القضائية في المادة 26: “ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة او غير مباشرة بأعمال السيادة.”

إذن لو نظرنا إلى قرار الحكومة النابع من المصالح الخاصة للنظام، والذي يعارض الدستور والقانون، في حال تم طلب إلغائه قد يوصف أمام القضاء بأنه من أعمال السيادة وقد صدر لأسباب سياسية، في ظروف استثنائية لمواجهة العدوان والحصار. مهما كانت الأسباب والذرائع فإن أمر تعديله ضرورة لجهة حصره على الأقل بالمغتربين الحاصلين على إقامة في دول الاغتراب أو إلغاءه.

إن الظلم الذي يمارس على الشعب السوري من قبل النظام، بنقل عبء الأزمة وأعباءها وتحميلها للشعب، في اتجاهين الأول: تأمين سبل معيشته من دون دعم وحماية الدولة، الذي يدفعه لطلب المساعدة والارتزاق والأعمال غير المشروعة، والتفكير ليل نهار بتأمين لقمة عيشه للبقاء على قيد الحياة. والاتجاه الثاني دعم النظام للبقاء والاستمرار في السلطة من خلال الطاعة نتيجة الخوف، ورفد وتمويل خزينته.