بالتهاليل والأغاني التراثية الجميلة، يرددها الحاج ابو مصطفى (68 عاماً) مع أبنائه وأحفاده، تحت واحدة من أشجار الزيتون، أثناء جمع ما تم قطافه من ثمارها، بعد سقوطه على قطعة بلاستيكية كبيرة تم فرشها تحت الشجرة، وتعبئة حبات الزيتون في الأكياس، في مشهد يتكرر كل عام، في مزرعته الخاصة على أحد السفوح الجبلية القريبة من مدينة جسر الشغور غربي إدلب.
وتعتبر محافظة إدلب وخصوصا جسر الشغور وسلقين وحارم وجبل الزاوية، الأولى في سوريا، من حيث المساحات المزروعة بأشجار الزيتون، والأولى بإنتاج الزيت بجودة عالية، وموسم الزيتون بالنسبة لأهالي محافظة إدلب، والمناطق الجبلية المجاورة لها، اي أجزاء من محافظات حلب وريف اللاذقية ومنطقة عفرين، من المواسم السنوية الهامة، التي يعتمد عليها أبناء قرى وبلدات هذه المناطق، في تلبية إحتياجاتهم، بعد جني مواسمهم، وبيعه إما زيتوناً أخضر في الأسواق، أو زيتاً، بعد عصره في المعاصر، وأيضاً تقوم العائلات بتخصيص كميات متفاوتة من الزيتون المكسر والزيت، كمؤونة لفصل الشتاء.
يقول أبو مصطفى: “بيننا وبين شجرة الزيتون ثمة رابط روحي مشترك، يبدأ منذ اللحظات الأولى على زراعة الشجرة في الأرض، ويزداد حبنا للشجرة مع مراحل نموها والعناية بها حتى تصبح شجرة مثمرة، قادرة على إعطاء موسماً يلبي ثمنه، حاجاتنا الحياتية السنوية، ومصدر رزق رئيسي بالنسبة لأبناء محافظة إدلب، ونتوقع هذا العام الحصول على موسم جيد”.
ويضيف، “ما أن تبدأ أشجار الزيتون إنتاج الثمار، تزداد العناية بها كالتقليم السنوي (الكساحة)، وتنظيف الأرض من الأعشاب الضارة والأشواك، وسقايتها، إما عبر خطوط ري بالتنقيط أو عن طريق سقايتها بصهاريج المياه، وكلن بحسب قدرته المادية، فالبعض يروي أشجاره لعدة مرات، بينما آخرون يقتصر عندهم ري الشجرة مرة أو مرتين، بسبب ظروفهم المادية المحدودة”.
و أكمل، “مع إقتراب نضوج ثمار الزيتون في المزارع مع بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، تستعد العائلات، بتجهيز فرش من القماش أو النايلون، لفرشه تحت الأشجار أثناء قطاف الزيتون، ليسهل عليهم جمع الثمار، وتجهيز السلالم الخشبية والعصي الطويلة، للصعود عليها والوصول إلى الحبات التي لا تطالها الأيدي أو العصي القصيرة أثناء القطاف”، ومع نضوج الثمار، “تبدأ العائلات بالخروج صباحاً والذهاب بسيارات أو جرارات إلى المزارع بما فيهم الأطفال الرضع، ومعها كمية من الطعام تم إعدادها مسبقاً وغالباً ما تكون بطاطا مسلوقة وألبان أو أكلة (المجدرة) معدة من البرغل والعدس وزيت الزيتون والبصل، ويطلق عليها السوريون (الزوادة)، ومن ثم البدء بجني الثمار، ضمن فرق صغيرة”.
أما الكبار ينتشرون على السلالم بمحيط الأشجار وضرب الثمار بالعصي، بينما باقي أفراد العائلة من فتيات وصغار ينتظرون تساقط الثمار وجمعه في أكياس، بعد عزل الأوراق والعيدان عن الثمار، وذلك شجرة تلو الشجرة، وفي منتصف النهار يجتمع أفراد العائلة ويتناولون وجبة الغذاء في أجواء مليئة بالفرح والسعادة، ويعود الجميع بعدها إلى متابعة العمل، وبعد الإنتهاء من جني محصول المزرعة الذي يستمر عادةً لأيام، يجري فرز كمية من الزيتون المخصص للعائلة، ليجري بعدها تكسيره وتخزينه في أوعية مخصصة بعد إضافة بعض المواد الحافظة والمياه والليمون ليكون مادة غذائية رئيسية على موائد الإفطار إلى جانب زيت الزيتون ذو الجودة العالية، بعد عصره في المعاصر.
أبو جميل (58 عاماً)، أحد أبناء منطقة كنصفرة بجبل الزاوية في جنوب إدلب قال، “يمتاز جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، بنوعية وجودة ثمار الزيتون وأيضاً الزيت المستخرج منه، ويتفوق من حيث الجودة والمذاق سواء كان زيتون أخضر أو زيت، على باقي المناطق السورية التي تشتهر أيضاً بزراعة الزيتون، كمناطق ريف حلب وتدمر وحمص وريف دمشق ودرعا، وأغلى ثمناً في الأسواق السورية سابقاً”. ويضيف، “يشتهر جبل الزاوية وباقي المناطق في محافظة إدلب، بأصناف متنوعة من الزيتون فمنها الزيتي والصوراني وأبو شوكة والكبربري والقرماني والنصاصي والشامي، وهذه الأصناف من أشجار الزيتون تمتاز بوفرة مواسمها، وجودة ثمارها والزيت المستخرج منها، فضلاً عن مقاومتها العوامل الجوية والمناخية وتحملها العطش والصقيع إلى حد ما”.

موسم وعقبات
قال عبد المجيد الخليل، وهو مالك معصرة زيتون في سلقين، ” إن مواسم إنتاج الزيتون هذا العام في محافظة إدلب ومناطق الشمال السوري، أقل إنتاجاً عن الأعوام السابقة، ويصعب إحصائها بسبب كميات الإنتاج المتفاوتة بين حقل وآخر، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، وفي مقدمتها وقوع مساحات كبيرة تقدر بحوالي 3 آلاف هكتار من حقول الزيتون ضمن الخطوط التماس (الفاصلة بين المعارضة وقوات النظام)، سواء في جبل الزاوية جنوب إدلب، أو مناطق عفرين ومارع واعزازبريف حلب الشمالي، الأمر الذي شكل خطراً كبيراً على حياة أصحاب حقول الزيتون والعمال، ومنعهم من الوصول إليها وجني مواسمها حتى الآن”.
ويضيف،” هناك عوامل أخرى أثرت على كمية الإنتاج، ومنها الجفاف وإنخفاض نسبة الأمطار خلال العام الماضي، وعدم قدرة عدد من أصحاب حقول الزيتون من سقايتها أو العناية بها ومعالجتها من الأمراض، نظراً لظروفهم المادية الحرجة، لاسيما وأن أشجار الزيتون لا تحمل الثمار كل عام بذات الكمية بحسب المعروف عنها بـ (المعاومة)، أي أنه (في العام الذي تحمل فيه أشجار الزيتون ولم يحصل على مياه كافية يؤثر ذلك سلباً على إنتاج في ذات العام والعام المقبل)، وبالطبع هذا الأمر يؤثر سلباً أيضاً على عمل المعاصر، حيث كانت سابقاً تعمل أكثر من 103 معاصر، في إدلب وريف حماة وعفرين وريف حلب، لأكثر من شهرين (ليلاً نهاراً)، بينما في الأعوام الأخيرة الماضية، تراجع عملها إلى أقل من نصف المدة (شهر وما دون)، وأما عن الأجور فهي متدنية جداً وتكاد تكون رمزية نظراً لأحوال المزارعين”.

حطب وحرائق
من جهته، قال عاصم اليوسف وهو مهندس زراعي في إدلب، “إن الحرب في سوريا أثرت على القطاع الزراعي كما القطاعات الأخرى، ومن أهم الزراعات الشجرية في سوريا، كانت زراعة حقول واسعة من أشجار الزيتون، على إمتداد المناطق الجنوبية والوسطى والشمالية السورية، ومع إستمرار الحرب، تضررت مساحات كبيرة من حقول الزيتون، وأدى بالتالي إلى إنخفاض إنتاج محصول الزيتون الاستراتيجي (السوري)، الذي كان يعد أهم الموارد الزراعية في سوريا، إذ كانت شجرة الزيتون قبل إندلاع الحرب تشكل نحو 66 % من إجمالي الأشجار المثمرة (خوخ وتفاح ودراق وكرز وغيرها من الأشجار المثمرة)، بينما كانت تعمل أكثر من 600 ألف عائلة بالزيتون، واحتلت حينها سوريا المستوى الثاني في مجال زراعة الزيتون عربياً، فيما احتلت المركز السادس في مستوى دول المتوسط، وذلك في ذروة إنتاجها عام 2010، وكان ويقدر متوسط الإنتاج السنوي بـ 1.2 مليون طن من ثمار الزيتون وينتج عنها حوالي 150 ألف طن من الزيت و 300 ألف طن من زيتون المائدة”.
ويضيف، “أما اليوم فمساحات حقول أشجار الزيتون التي يجري العناية فيها حتى الآن، تقلصت إلى 30% في سوريا، نتيجة سيطرة قوات دمشق على مساحات واسعة منها، وتوقف العناية بها، فضلاً عن تضرر مساحات كبيرة اخرى بفعل القصف والقص الجائر لأشجار الزيتون من قوات دمشق وبيعها كحطب للتدفئة في الأسواق، في ظل تراجع كميات المحروقات وغلاء أسعاره ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري في البلاد”.