ما إن تبدأ بالجمل الأولى من الكتاب حتى تكتشف أنك تورطت بنص لن يكون بمقدورك الإفلات منه ومن سطوته بسهولة، حيث تمسكنا رباب هلال من خلال نصها بخيط حريري خفي نشعر به يلتف حولنا كلما قرأنا قصة في مجموعتها الجديدة “قومي يا مريم” (الصادرة عن دار التكوين سنة ٢٠٢١)، وكأنها بفعلتها هذه لا توحد نصها المنسوج بإتقان وحسب، بل تجبرنا على الإحساس أننا شركاؤها في كل انفعالاتها وأوجاعها، وبأننا نصنع معها استرجاعاً لذاكرة طويلة هي ذاكرتنا نحن أبناء هذا المكان الملعون بالحرب والغصات.

مجموعة القصص القصيرة تلك لم تكن قصيرة في الواقع، فصفحات الكتاب التي تزيد قليلا عن المئة ما هي إلا زمن يمتد من أول حنجرة صرخت بهتاف الحرية قبل عشر سنوات إلى أن يصل لمساحات الوجع المفتوح والذي لم ينته بعد، وما زال حتى اللحظة جاثماً كجبل من جليد فوق صدورنا، هو زمن الحرب الطويل، والذي لا تريدنا رباب أن نعتاد وجوده ونتأقلم معه كأمر واقع لا مفر منه. ورغم ذلك فمعظم قصص المجموعة ليست حكراً على زمن الحرب فقط، ولا على مكان محدد تصوره لنا الكاتبة، فأحداث القصص كانت موجودة قبل الحرب كجزء من يوميات العشوائيات التي تحيط بدمشق، لكن الحرب جعلت من تلك القصص أكثر فجاجة وقبحاً، وعرتها أمام الجميع لتتحول مع مرور الوقت وتصبح إحدى تفاصيل الحرب الكثيرة، من هنا جاء إصرار الكاتبة على تصوير المشاهد بهذه الواقعية المباشرة، وترك أغلب النهايات في القصص مفتوحة على الأسئلة التي علقت في أذهاننا وجعلتنا نشرد في قوة المشهد، فلا زلت أشهق كلما تذكرت مشهد الطفل سعد وهو يسقط من شرفة بيته، دون أن تخبرنا رباب ماذا حل به وبجدته لاحقاً، وكذلك الأمر عندما تهاوى السلم الخشبي لحظة وصول بطلة القصة وأخيها إلى بيتهم المهدم في حرستا، وغيرها الكثير من المشاهد التي أسرتنا لدرجة شعرت وكأنني أشارك أبطال القصص تلك اللحظات دون أن أفكر ماذا يمكن أن يفعلوا بعدها، لقد فاجأتنا رباب وأدهشتنا تماماً كما فعلت الحرب، وتركتنا مشدوهين أمام الأسئلة العالقة.

يوميات الحرب يعرفها الجميع حق المعرفة، وخصوصاً أنها لا تزال حاضرة حتى اللحظة، وإن بدا النص قد أفاض في سرد تفاصيل ويوميات الحرب، إلا أنها ليست حشواً زائداً لا فائدة منه، بل هو إسهاب في توثيق اللحظة الراهنة لمستقبل قد تضيع منه التفاصيل والحكايات، فكتابة القصة القصيرة ليست بالأمر السهل خصوصاً إذا أخذت على عاتقها توثيق هذا الكم الهائل من الألم، لكن رباب هلال تجيد صنعتها حقاً، فكتبت نصوصها بمشرط جراح وبحرفية عالية وبتقنية جميلة. وإن كانت الجمل الطويلة والسرد المباشر وتصاعد الأحداث التدريجي في القصص يضفي طابعاً كلاسيكياً على النص، إلا أننا أمام حكايات متقنة وممتعة تشبه حكايات الجدات في الليالي الطويلة، فرباب تهدهدنا على وقع سردها السلس وتكتب ذاكرة مكان وأشخاص بتفاصيل دقيقة وكأنها عدسة كاميرا حقاً، مع فارق صغير فحكاياتها لا تنتهي سعيدة كحكايات الجدات ولا تقدم لنا أجوبة ننتظرها، كل ما تفعله أنها تفتح أبواب الأسئلة على مصراعيها علها تجد جواباً ما يرضيها ويرضينا، هي تعرف كيف تبكينا بحرقة في نص جميل وكيف تمسح دموعنا كجدة حنون.

كثيراً ما نقع في فخ مطالبة القصة القصيرة بما لا تستطيع أن تحمله، فنطالبها بسرد يشبه الرواية، وبتكثيف وترميز يشبه الشعر، وبحدود واضحة لبدايات ونهايات محددة كأنها مقالة. إلا أننا نتمنى أن يقترب أي نص أدبي أكثر ما يمكن من السينما، ولا نبالغ إذا ما قلنا إن قصص رباب كانت قريبة جداً من مشاهد السينما، فلقد تسلل البرد إلى أطرافنا مع وفا، وصرخنا “يلعن” بأعلى صوتنا مع الآنسة نجاة، وامتلأ صدرنا بالضيق كلما تذكرنا الفجر وأصابع ندى، وشممنا رائحة الأمكنة تماماً كأننا داخلها، تلصصنا مع فضول أم فارس وهي تراقب الحارة من شرفتها، حتى أني لم أعد أستطيع أن أرى فرن الغاز في مطبخ بيتي دون أن أتذكر قصة الضيوف.

ما يميز رباب في قصصها أنها لم تترك شيئا للصدفة أبداً، فحتى أدق التفاصيل الصغيرة في حكاياتها كانت منسوجة بإتقان واضح وبهدف صريح، فبالرغم من أن قصص مجموعتها تتمتع باستقلالية كاملة، تمكّن القارئ من أن يختار القصة التي يريد بشكل عشوائي، إلا أنها رُبطت معاً في سابقة جديدة تُحسب لها في القصة القصيرة، وهذا ما بدا واضحاً جداً من استخدام أبطال القصص في أكثر من مكان وأكثر من حدث، كما أن محاور العمل ككل يجمعها حيز مكاني واحد هو الحارة، أو الحي الشعبي ضمن مدينة تعيش تائهة وسط الحرب والخراب، ولعل هذه التقنية بالتحديد ما أعطى المجموعة ميزة متفردة وأضفى عليها ألقاً جديداً.

أجمل وأهم ما يميز قصص رباب أنها ابتعدت عن تقديم الأمثولات الجاهزة والأحكام المطلقة، وما يعلق بالذاكرة متحدياً الزمن وطريقة السرد هي يومياتنا المكتوبة بطريقة مختلفة، ففي الحرب تتبلد حواسنا لكي نستطيع التحمل والبقاء، ونعتاد شيئاً فشيئاً الواقع المؤقت ليتحول إلى دائم، وما كان حدثاً طارئاً في الأمس يتحول مع مرور زمن الحرب إلى تفصيل في يوم عادي. ما فعلته رباب هلال بنا أنها أعادت صقل حواسنا من جديد، ونبشت قيح جراحنا، لكي لا ننسى بأن الحرب مرت من هنا، ولكي لا نعتاد المؤقت والمشوه ونتحول إلى مسوخ بلا إحساس، هي دعوة للعودة إلى إنسانيتنا الضائعة بعد هذه الحرب الملعونة.