كابوس دمشـق وســماواتها: يوميات سورية

By |2017-09-27T07:35:13-04:0023 September 2015|Article, العربية|

العودة إلى الشام

14  آب/أغسطس 2011 

وقفتُ في الدور قلقاً بعض الشيء. لطالما أثار فيَّ مطارُ دمشق، أنا الكردي العراقي بجنسيتين عراقية وأخرى أمريكية مع اسم عليّ أن أردده أكثر من مرة قبل ترجمته، خليطاً غريباً من مشاعر التوجس والقلق وصولاً إلى الخوف. تُعتبر المطارات واجهة مصغرة لمدنها وهي بمثابة بوابتها التي تمنحك نكهة روح المدينة. مثّلَ مطارُ دمشق بالنسبة لي بالوجوه العابسة لضباطه وشرطته غرفة تحقيق هائلة وظيفتها بث القلق والخضوع  استعداداً للدخول الى فضاء المدينة العام.   

وقفتُ في الصف حاملاً حاسوبي المحمول منتظراً دوري لكي يختم الشرطي جوازي. بدأت أتمرن على إجابات وأنا أحاول التهيؤ لمواجهة عاصفة من الأسئلة المستحيلة. قبل سفري مغادراً المدينة كنت قد شُحنت بقصص تم نسجها في فضاء الرعب حول كيف أن شرطة مطار دمشق تطلب من صحفيين أو كتاب، خصوصاً المغادرين، فتح حواسيبهم المحمولة لتبحث عن صور أو مقاطع فيديو بل وتطلب منهم في بعض الأحيان فتح صفحاتهم الشخصية على موقع الفيسبوك. ومن هنا جاءت النكتة التي كان يتداولها بعض السوريين عن أن ضابطاً في المطار سأل أحد المسافرين من الذين كانت تتدلى من على أكتافهم حواسيب محمولة: تعا لهون شو معك؟ انترنيت لو الفيسبوك؟ فما كان من المسافر وهو يعرف مدى خطورة الفيسبوك، الذي يعتبر أحد المتهمين البارزين بإشعال حركات الاحتجاج في الأوطان العربية، إلا أن يرد: ما معي الفيسبوك سيدي بس معي انترنيت. 

كان في الدور أمامي رجل وزوجته، أجنبيان من الجنسية الكندية، وحين قدما جوازهما إلى الشرطي حاول الرجل ان يسأل الشرطي سؤالاً باللغة الإنكليزية لكنهما لم يستطيعا أن يتفاهما فتقدمتُ للترجمة بعد أن سألني الشرطي إذا ما كنت أعرف اللغة الإنكليزية. بعد أن أتممت الترجمة له نظر إلي الرجل الكندي وقال بصوت عال ضاحكاً: “قضيتُ أربع سنوات في هذا البلد ولكن ربما سيكون يوم غد مختلفاً”. أجبْته هامساً مبتسماً “أتمنى ذلك.” أعطيتُ الشرطي جواز سفري وباستثناء الاستفسار عن مكان إقامتي لم يسألني سؤالاً واحداً وحين سلمني جوازي قال بصوت خافت “ما بدك تكارمنا؟” لم أفعل متحججاً بعدم امتلاكي العملة السورية. هكذا ولأول مرة أدخل إلى “الجمهورية العربية السورية” بهذه السرعة والسهولة ودون إعطاء مكرمة.. 

دمشق تبدو هادئة

كان هذا انطباعي الأول لحظة وصولي إلى المدينة التي غبتُ عنها أقل من شهرين. رؤية أولية لظاهر المدينة تقترح أن كل شيء يبدو هادئاً في عاصمة تحاول جاهدة أن تتظاهر بعادية وطبيعية الأمور فيها وعدم اكتراثها بما يحدث من حركات احتجاج ومظاهرات ضخمة على أطرافها القريبة. فعلى بعد كيلومترات معدودات كانت دوما ومعضمية الشام وداريا وبلدات اخرى تنام وتصحو على قتل أبنائها وحملات الاعتقالات العشوائية والقنابل والرصاص. لكن سرعان ما يزول الانطباع العادي هذا عن دمشق  بمجرد أن تتمشى من ساحة السبع بحرات إلى تمثال يوسف العظمة في ساحة المحافظة لتكتشف خلال بضعة مئات الأمتار هذه كماً هائلاً من عناصر المخابرات الذين تم دفعهم إلى كل زوايا الشارع بالإضافة إلى ازدياد نقاط التفتيش التي بدأت تقطع أوصال دمشق عن ضواحيها. كان الرعب واضحاً على وجه السلطة التي كانت قد باشرت بدورها تدشين استعراض الرعب وبث القسوة في شوارع المدينة. 

حوالى منتصف الليل رأيت س (في مكالمة حديثة طلب مني س إخفاء هويته) وهو شاب من محافظة الرقة يسكن دمشق. كنت قد التقيت به قبل سفري مع شباب آخرين كان بعضهم من المنظمين الأساسين لتظاهرات الشعلان وساحة عرنوس وساحة المحافظة وتظاهرات طيارة أخرى داخل مدينة الشام. تم اعتقال س وهو يعاني من مرض القلب (ارتفاع التوتر الشرياني) بالرغم من أنه لا يتجاوز العقد الثاني من عمره، في أواخر شهر نيسان أثناء مشاركته في مظاهرة ساحة عرنوس بقلب دمشق حيث تم تعذيبه بشكل متواصل لمدة أربعة أيام. في اليوم الأول من اعتقاله في فرع أمن الدولة بالطلياني صادر عناصر الأمن أدويته مما أدى الى ارتفاع ضغط دمه، لكن أعيدت له الأدوية في اليوم التالي بعد ان بلغت حالته الصحية وضعاً حرجاً كاد أن يودي بحياته. تم نقلهم بعد يومين إلى إدارة المخابرات العامة داخل المربع الأمني حيث القسوة أكثر كثافة وشدة. وهناك صودرت منه الأدوية مرة أخرى ولم تعاد له بالرغم من تدهور وضعه الصحي بشكل في غاية السوء. كان س قد عاد من محافظة الرقة قبل يوم من لقائي به غاضباً محبطاً بعض الشيء من بعض الأهالي هناك الذين “يستغلون النازحين بشكل فاضح” حسب قوله. هؤلاء النازحين يلجأون إلى الرقة هاربين من جحيم القتل والاعتقالات في دير الزور ومدن أخرى تشهد عاصفة الثورة “يؤجر بعض أهالي الرقة البيوت والغرف بسعر أكثر من مضاعف للنازحين والفارين من ديرالزور” قال س بنبرة فيها الكثير من الغضب والخيبة. بل والمؤلم أكثر من هذا “هو وصمهم من قبل البعض بانهم أهل المشاكل ويستحقون ما حدث لهم وإلا فلماذا يخرجون ويتظاهرون؟” كان أحد معارف س يؤجر بيته بأقل من عشرة آلاف ليرة سورية قبل نزوح أهالي ديرالزور إلى الرقة، لكن بعد دخول أفواج النازحين إلى المدينة بدأ يطالب بأكثر من عشرين ألف ليرة.

ليلة 18  آب / أغسطس 

خرجت تظاهرة ليلية من عدة مئات الأشخاص أمام جامع أبو أيوب الأنصاري في حي الميدان. بدأت الهتافات بالتكبير ولا اله إلا الله لتنتقل بعدها إلى اطلاق شعار يجمع الوطن والله مع بعض حين صار الجمع يهتف “قولوا الله قولوا الله هاي سوريا مو حي الله.”  لكن فجأة  وبعد عدة دقائق من الله وتكبيراته بدى الحماس والغضب اللذان هتفت الجموع بهما شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” أكثر نشوة وأكثر عمقاً في صدقيته من الشعارات الأخرى ومن ضمنها التكبيرات والهتافات الإسلامية والتي إذا ما قورنت بصيحات الإسقاط الغاضبة التي كانت يطلقها الحشد لبدت أكثر إنشائية ومونوتونية الصوت.    

– لي ما بتروح و تهتف معهم؟ 

كنت واقفاً على الطرف الآخر من الشارع أراقب من بعيد، حين التفتُ إلى مصدر الصوت الذي كاد أن يكون همساً من شدة خفوته رأيت أبو سعيد واقفاً إلى يميني. كنت قد التقيته مرتين أو ثلاثاً في ساروجة حيث كنت أقيم قبل أشهر. يقترب أبو سعيد من السبعين في عمره لكنه لازال يملك وجها طفولياً جميلاً مليئاً بالتجاعيد.

– يالله امشي معي.

اقتربت منه وهمست في أذنه خوفاً من أن يسمعني أحدهم “عم يكبروا وعم يهتفوا الله الله وأنت شيوعي شو دخل الشيوعيين بالله يا أبو سعيد؟”

رفع سبابته ووجهها نحو النساء والصبايا اللواتي كن يسرن خلف الجموع ويهتفن بكل حرقة بإسقاط النظام “أنا الآن أكثر الناس إيماناً بهذا الله الذين يهتفون له.”

 وبعد أن اندس أبو سعيد بين الجموع فكرت بأدونيس وجدلية الجامع والثورة متسائلاً مع نفسي هل هناك فضاء مثالي تنطلق منه ثورة مثالية؟ كان فضاء الجامع هو الفضاء الاجتماعي الوحيد الذي بقي متاحاُ ونشطاً للجميع ولتجمعاتهم بحرية تامة بعد إغلاق الفضاءات العامة الأخرى في دولة الأسد أو الهيمنة عليها وبعثنتها كلياً.

بعد عدة أيام التقيت بالصديق الشاعر السوري (م.ع) في شارع العابد. كنت متلهفاً لمعرفة رأيه فيما يحدث. عبر عن اعتقاده بوجود أياد خارجية وراء الحركة الاحتجاجية، كما قال بوجود مسلحين داخل المظاهرات يقتلون القوات الأمنية “وإلا كيف يموت الجنود وعناصر الأمن خيو؟” سؤاله الذي بدا تكراراً فجاً آلياً لكلام المحللين السلطويين من أمثال د. طالب ابراهيم وأحمد الحاج علي وشريف شحاده لم يغرني في دخول النقاش معه لكنني قلت له بنوع من الشرود: “بس عم ينقتل العشرات والعشرات من المتظاهرين كل جمعة بل وكل يوم”. رد علي م. قائلا “هناك متظاهرين بس في مسلحين كمان.” وحين سألته عن رأيه في المدة الزمنية التي من الممكن أن تستغرقها الأزمة قال بتفاؤل كله ثقة بالذات:”هناك سيطرة على الأوضاع باستثناء بعض المناطق الجنوبية ولكن ثق أن الأمر سينتهي قريباً.” أفزعني هذا التفاؤل بالنصر القريب الذي يهيمن على رؤية الطرفين ويتشبثان به، التفاؤل الذي لم يكن سوى علامة مبكرة على أن الوضع سيستغرق سنوات دموية قاتمة. لكن ما أرعبني أكثر هو الشرخ الذي كان يتعمق يوماً بعد آخر في النسيج المجتمعي الذي لم يتورع عن الإعلان عن ذاته جهاراً عبر اللجوء السريع للناس نحو هوياتها الصغيرة والانكفاء داخلها. بعد يومين من عودتي جوبهت بأول سؤال طائفي من صديق كان يسكن في جوبر “زوجتك السورية سنية؟” بينما لم يتورع مثقف آخر عن تصريح طائفي مقيت وهو يحاول شرح الوضع لي بلغة مليئة بسخرية طائفية مقيتة: “أهل دوما لا يصلحون للثورة بل لزراعة الزيتون والبطاطا. لك حتى زيتونهن محجب يا أخي”.

اعتقال مطر

4 أيلول/سبتمبر

رأيته يوم أمس يعلن عن نفسه جهاراً وهو يتأبط ذراع حبيبته في شارع الصالحية. كان هناك تحدي واضح في مشيته وضحكته التي كانت تملأ المكان هو الذي يبرع في إتقانه فن التحدي والاستفزاز. كان متيقناً أن السلطة تبحث عنه لكن ومع ذلك كان بارعاً في الاعلان عن نفسه في وضح النهار وفي قلب دمشق متحدياً الدولة وكتبة تقاريرها ووشاتها: الناشط عامر مطر تم اعتقاله اليوم للمرة الثانية.

11 أيلول/سبتمبر

بينما كنت أقوم بمعاملة إقامتي في دائرة الهجرة والجوازات في البرامكة دخلت إلى غرفة من أجل توقيع لكن الشرطي أمرني بالانتظار عند الباب. كانوا منشغلين بامرأة آسيوية جميلة تجلس معهم متحدثة بعربية منكسرة. قالت لهم المرأة ” شفت مظاهرة في التلفزيون..” وهنا حين سمع عناصر الشرطة كلمة المظاهرات بدت علامات الاستفزاز واضحة على وجوههم. قاطعها أحدهم مباشرة قائلاً :”هؤلاء لا يتعدون عشرة أو خمسة عشر شخصاً وسنفرمهم تحت صبابيطنا.” لا أدري ان كانت المرأة الآسيوية التي كانت بالكاد تتحدث العربية فهمت “سنفرمهم” و”صبابيطنا” لكنها بدت غير مكترثة بما كان العناصر يتسابقون في قولهم لها. “شفت مظاهرة ولافتة تقول ان الصين تز تز باد باد وشفتهم حرقوا العلم الصيني. انا بخاف كتير اذا سألني واحد بالشارع من وين أنا لن أقول من الصين سأقول لهم انا من الفلبين!” 

22 أيلول/سبتمبر

كان شون مكالستر قد عاد قبل حوالى أسبوع ليكمل فلمه الوثائقي “قصة حب سورية” عن عامر داوود ورغدة حسن واستأجر بيتاً في حي ساروجة. تعرفت على شون وهو مخرج وثائقي بريطاني في 2010 في دمشق. توطدت علاقتنا حيث أصبحتُ جزءاً من عملية إنتاج الفلم منذ بداياته. لكن علاقة الصداقة هذه لم تخلُ من تعرجات ومنعطفات عاصفة كادت أن تودي إلى القطيعة لأكثر من مرة. 

التقيت بعمر البغدادي والناشط الكردي في مجال الأمن الإكتروني دلشاد عثمان ليلة الخميس في 22 أيلول في ساروجة في بيت شون. عمر شاب وسيم يبدو في أواسط العشرينيات من عمره وهو أحد الشباب الناشطين البارزين من منظمي التظاهرات في مدينته دوما. بدا وهو يتحدث عن الثورة وكأنه عهد نفسه كليا لها. تحدث عن مخططه لحرق علم البرازيل في مظاهرات يوم الجمعة مع دعوة صحفي برازيلي لتصوير عملية حرق العلم. قال عمر وهو يروي قصص التعذيب التي تعرض لها رفاقه في سجون الدولة إنه يفضل أن يردى بالرصاص أو أن يطلق النار على نفسه على أن يتم اعتقاله. حين سألته عن المظاهر المسلحة التي بدأت الثورة تكتسبها في بعض المناطق من ضمنها مدينة دوما قال إنه لا يفصح لأي صحفي أجنبي بأنه هناك ناس يحملون الأسلحة للدفاع عن أنفسهم. “هناك ناس ينتقمون من ضباط أمن وشبيحة الذين قتلوا أخوتهم أو آباءهم او أبناء عمومتهم أو أي أحد من العائلة، ولكن عليك أن تعرف أن دوما مدينة إسلامية سنية حنبلية محافظة ومتدينة جداً تعتبر قتل النفس البريئة من الكبائر ولهذا لا يتم قتل أي شخص إلا حين يتم التأكيد أن الهدف قاتل بالفعل. نعم هناك ناس يأخذون بثأرهم ولكن ليست هناك جماعات مسلحة منظمة.” 

جمهورية الخوف

26 أيلول/سبتمبر 

في حوالى الساعة الثامنة مساء من ليلة 26 اتصل صديقي رياض نعمة وقال بصوت مرتجف قليلاً: “لا تذهب الى صديقك في حي ساروجة.” لم أفهم ما يقصده فقلت له تعال إلى البيت. بدت علامات الاضطراب والخوف على وجهه 

– أبو موسى قال لي إن رجال أمن سألوا عنك.

– مجرد أسئلة أو يطلبونني؟

– أعتقد مجرد أسئلة من قبيل من أنت و شتشغل، أشياء من هذا القبيل. 

تناقشنا أنا ورياض في تلك الليلة، ووصل الأمر إلى ملاسنة متوترة حادة بيننا. رياض كان أكثر مراعاة للوضع الأمني مني وهو بالرغم من شيوعيته وإعلانه الإلحاد بدا أنه يفضل أن “يمشي الحيط الحيط ويقول يا ربي السترة”. بعد نقاش منهك نظر إلي وكأنه تعب من كثرة التوتر والصراخ قائلاً: “يا أخي أنا أؤمن بالمثل الذي يقول إن للجدران آذاناً. لقد تعلمت أن اعيش هكذا في العراق البعث وأعيش هنا في سوريا البعث هكذا. ثم أنا ليس لي أي جواز أجنبي أو أي مكان أذهب إليه” فهمت ما يقصده تماماً لكنني لم أحاول أن أقول له إن الجواز الذي تلمح إليه سيكون نقمة مرعبة عليّ في حال حدوث أي شيء. 

لكن أثبت لي مازن ربيع في وقت متأخر من الليلة نفسها ونحن جالسون في مطعم نينار في باب شرقي صواب خوف رياض ومنطقه الحذر ونظريته بأن في دول شمولية قاسية مثل سوريا الأسد وعراق صدام ليس فقط  للجدران آذان بل حتى للشوارع والأرصفة والسرافيس والطاولات والكراسي في المطاعم والبارات آذان وعيون وأنوف ترى وتسمع وتشتم كل ما يقال وما يحدث أو ما سيحدث وتنقلها إلى الدولة معلومة معلومة. 

 كان مازن قد اعتقل مع علا رمضان وعامر أبو حشيش وبيسان جاسم في تموز وهم في طريقهم إلى بيروت. قضى خمس ليال وستة أيام في سجن فرع كفر سوسة لكن دون أن يتم تعذيبه. روى مازن كيف واجهه المحققون بتفاصيل كلام قد قاله في جلساته مع أصدقائه في مطعم نينار، بل أنهم واجهوه بحكاية السرفيس الذي أوقفه الشباب بعد منتصف إحدى الليالي أمام مدخل باب شرقي وسألوه ما الذي كان يعنيه بسرفيس الحرية؟ ذات ليلة بعد أن خرج مازن وأصدقاؤه من مطعم نينار حث مازن أصدقاءه أن يسرعوا الخطى قليلاً “يالله شباب سرفيس يرموك- كراجات واقف.” كان هناك شابان خلفه مباشرة فلاطفهم مازن “تفضلوا باشباب” فرد عليه أحد الشابين بملاحظة في غاية الطائفية قائلاً “هادا سرفيس سنة- كراجات” بينما هما ينتظران سرفيس “علوية- كراجات.” وكان يقصد منطقة التضامن- عسالي. حينذاك ترجل مازن من السرفيس (الباص الصغير) بعد أن كان قد صعد إليه واقترب من المقدمة رافعا يده اليمنى وهو يشير إلى العلامة الضوئية المكتوبة ويقول لهما بلغة هادئة تقترح الصداقة ” هادا السرفيس مو سنة كراجات ولا علوية كراجات هادا سرفيس حرية- كراجات تفضلوا في محل للجميع.” وبينما كان في غرفة التحقيق معصوب العينين أصابته رعشة خوف حين سأله المحقق عما كان يعني بسرفيس الحرية. 

7 تشرين الأول/اكتوبر 

زارني الدكتور جلال نوفل وخولة دنيا مساء. لطالما مثل لي جلال وخولة بتمردهما المجتمعي ورفضهما السياسي سورياي الخيالية المثلى التي أعشق. كان الاثنان قد اعتقلا في زمن الأسد الأب حين كانا ينتميان إلى حزب العمل الشيوعي وتم تعذيبهما في السجن. تم اعتقال جلال في نيسان 2011 في بداية شارع الحمرا بعد مشاركته في مظاهرة ساحة عرنوس. بدأت عملية تعذيبه هو ومن كان معه من المعتقلين ومن ضمنهم (س) من اللحظة الأولى من القبض عليهم بلكمهم وضربهم على وجوههم و رؤوسهم ومناطق حساسة أخرى من أجسادهم من قبل عناصر الأمن وهم يحشرونهم في السرافيس الواقفة في شارع الحمراء. استمرت عملية التعذيب لأربعة أيام متخذة أشكالاً قاسية في فرع الأمن بالطلياني ومن ثم في إدارة المخابرات العامة.  

بدأت خولة التي كانت مشحونة بالأمل الثوري أنه لم يعجبها رأي في المعارضة السورية “المتشرذمة المتشتتة” في تلك الليلة وأنا انتقدت عدم قدرتها على التوحيد والاتحاد وانقسامها بين الداخل والخارج وتمزقها وتفتتها في جماعات صغيرة والانزلاق السريع لبعضها لفخ “الفتنة” الذي نصبته السلطة منذ تصريحات بثينة شعبان الشهيرة ” الطائفية” واستعارة بعضها الآخر لغة النظام الديماغوجية في تصريحاتها ومؤتمراتها. كانت المعارضة تستعير لغة البعث وأدواته لتتهم الدولة السورية البعثية بعدم وطنيتها وعمالتها للغرب أو بمعنى آخر لطالما اتهمت المعارضة النظام بعدم كفاية معاداته للغرب. 

ربما لم يعجب “حشر أنفي” في الموضوع السوري بعضاً من أصدقائي المقربين الذين كنت أعرفهم لفترات طويلة. حين كان النقاش يتركز على الملامح الطائفية التي اكتسبها المشهد السوري مبكراً واستيقاظ الانتماء إلى الهويات الصغرى، غالباً ما كان يتم اختزال النقاش وحسمه بجملة “سوريا ليست العراق ولن تتحول إلى العراق” التي سرعان ما بدأ يرددها معارضون وموالون في نقاشاتهم ولقاءاتهم ومؤتمراتهم وبنفس المستوى من التفاؤل الذي كان ليس فقط مدفوعاً بثقة غبية عمياء بل بجهل تاريخي صريح باشتغال الدولة طائفياً ليس على مستوى السياسة فقط بل مجتمعياً أيضاً. 

كنت أفكر بين حين وآخر اذا كان حشر أنفي في الموضوع السوري يزعج أقرب أصدقائي الذين أعرفهم لفترات طويلة فيا ترى ما الذي سيكون رأي سلطة البعث الشمولية إذا ما نشرتُ مقالاً حول ما يجري الآن من قتل وتعذيب واذلال جماعي؟ فكرت في الصحافي الجزائري خالد سيد مهند الذي اعتقل في نيسان الماضي وقضى حوالي شهراً في كفر سوسة حيث تم تهديده لأكثر من مرة من قبل المحققين باقتلاع عضوه التناسلي وانتزاع قلبه من صدره إذا لم يجب على أسئلة المحققين. 

انتابني ما يشبه طمأننية الجبن وراحته وأنا أفكر في الكاتبة “بشرى سعيد” التي اختلقتها لكي أختبئ وراء اسمها حين نشرت لأول مرة قبل شهر من بدء الاحتجاجات مقالا باللغة الانكليزية”Damascus is Shaking ”  باسمها في مجلة اكس بونتو الإلكترونية بتاريخ 10 شباط 2011. ظللت أختبئ خلف اسمها حتى خروجي من دمشق أواسط 2012 فظهرت اسمها في الأوان والحياة والمستقبل واوبن ديموكراسي. 

نوستالجيا للأب الدكتاتور

8 تشرين الأول/ اكتوبر 

في اليوم التالي حين دخلت نادي الصحفيين وجدت الباحة الخلفية مليئة بشباب وشابات عراقيين وهم يرقصون على أنغام أغنية “قلب قلب وين وين” وأغاني هابطة أخرى. وحين انتهوا من الرقص جلسوا منفصلين تماماً الشباب في الجهة اليسرى والشابات في الجهة اليمنى. رأيت إحداهن وهي لا تتعدى بداية العشرينيات من عمرها تلبس قلادة عليها صورة صدام حسين. بينما يحمل شاب آخر العلم العراقي القديم الذي كتب صدام حسين عبارة الله أكبر عليه بخط يده. شعوب تحاول التخلص من ديكتاتورياتها وشعوب تصاب بالنوستالجيا محاولة استعادة دكتاتور الزمن الغابر الجميل: صدام حسين الذي كان مهووساً بجسده وهو يظهر في أوضاع مختلفة بأزياء متنوعة وكأنه عارض أزياء فحل يحاول إلباس العراق جسده في عملية تماهٍ مرعبة بين الدولة والقائد الأوحد! 

يصيب الدكتاتور ولع غريب بالوطن والديمقراطية والإصلاح أثناء الأزمات والثورات التي تهدد باقتلاع وجوده وكيانه ورميه خارج الوطن والسلطة. ويظهر هوساً مرضياً بكلمة “الوطن” وكأنه من مؤسسي هذا الوطن ومخترعيه بل ومالكه الوحيد. وربما يمثل علي عبدالله صالح وبشار الأسد أفضل إثبات على ذلك. فمنذ اندلاع الاحتجاجات في البلدين لم يتوقف الاثنان في كل خطبهما ولقاءاتهما وكأنهما مصابان بحمى الوطن وهذيان الديمقراطية  عن حرصهما الشفاهي على ترسيخ الإصلاح والديمقراطية في الوطن: السلطة لا تعني شيئاً إنه الوطن الذي نريد.

ظهر اليوم علي عبدالله صالح بقفازاته وحروقه معلناً استعداده للتخلي عن السلطة بعد 33 عاماً من احتكارها ” هذا كلام، مش احنا نشتهي سلطة أنا أرفض السلطة وسأرفضها في الأيام القادمة وسأتخلى عنها” .

الجمعة 14 تشرين الأول/أكتوبر 

كنت قد رجوت شون أن يكون أكثر حذراً و ألا يخرج يوم الجمعة مع كاميرته وأن يتجنب بالمطلق التكلم في أمور سياسية حساسة في مكالماته الهاتفية الكثيرة. اتصلت به حوالى الثانية ظهراً رد علي بأنه مشغول واقترح أن نتناول الغذاء مع بعض في نادي الصحافيين في العفيف حوالى الرابعة وذلك بعد أن أذهب إلى ساروجة لأصطحب زينة الفتاة اللبنانية التي كانت تعمل معه. قالت لي زينة إن شون بدا مرتبكاً قليلاً وخرج مسرعاً مع كاميرته ليقابل ناشطاً. عاودت الاتصال به من جديد لكنه لم يرد. وبينما كنا أنا وزينة نتفرج على بسطة الكتب القديمة عند مدخل الصالحية تحت ملهى سميراميس اتصل شون قبل الثالثة تماماً وسأل عن مكان وجودنا ليلتحق بنا. انتظرنا قليلاً لكنه لم يأت. اتصلت به بعد حوالى ربع ساعة قال بأنه بالقرب من مقهى هافانا وإنه في في طريقه إلينا، لكنه عاد واتصل بعد دقيقتين ليقول بأنه سيستمر في التصوير وليس علينا أن ننتظره، فاتجهنا أنا وزينة إلى نادي الصحفيين. آخر اتصال وردني من شون كان في الساعة الرابعة والدقيقة الرابعة والثلاثين بالضبط. كان من المفترض أن يكون شون معنا قبل الساعة الخامسة، شعرت بقلق ولكنني سرعان ما اكتشف بأنني خائف أكثر من أكون قلقاً. تيقنت في الساعة السابعة بأنه تم تم اعتقال شون وذلك بعد عدة اتصالات ورسائل لم يرد عليها بالرغم من أن هاتفه كان مفتوحاً ويرن. حاولت الاتصال به مرة أخرى في الساعة التاسعة، كان التلفون لا يزال غير مقفل. اتصلت زينة من تلفونها غير السوري بعامر وسألت عن الشاب الناشط الذي اقترحته إحدى الصديقات لشون لمقابلته وأبلغت عامر بأن شون مختف منذ حوالى خمس ساعات. قال عامر بأنه سيتحقق من الأمر. عادت زينة اتصلت به بعد خمس دقائق ليخبرها عامر بأن تلفون الشاب “جهاد” مغلق وهذا أمر سيء. كان على عامر ورغدة أن يختفيا بأقصى سرعة. كانت زينة قد تركت أغراضها في البيت بساروجة خائفة من أن تعود إليه. اقترحت عليها ألا تعود وأنها تستطيع ان تقضي الليل هنا والسفر صباحاً إلى بيروت. اتصلت زينة بخطيبها وأصدقائها وأعلمتهم بالأمر. اتصلتُ بدلشاد وبعض الأصدقاء الآخرين واقترحتُ عليهم أن يختفوا، وأكدت على دلشاد أن يبلغ عمر البغدادي لأنني لم أكن أملك رقم هاتفه. 

وفعلاً ترك عمر سوريا متجهاً إلى تركيا في أواخر 2011 لكنه سيعود في 2012 لينضم إلى كتائب الطليعة المقاتلة ويتخذ اسماً جديدا “أبو هادي الدوماني” ويتحول إلى القائد العسكري لكتائب الطليعة المقاتلة في ريف حلب بحسب موقع تنسيقية دوما ومواقع أخرى. قتل عمر أثناء اقتحام مطار منغ العسكري في حلب في 24 آذار 2013. 

الكوابيس وطعم الخراء

لم أستطع النوم تلك الليلة. كنت أنتظر أن يطرق الباب في أية لحظة. حين نظرت إلى مكالماتي الصادرة والواردة خلال الأيام القليلة الماضية كان هناك أكثر من 37 مكالمة متبادلة بيني وبين شون. كنت أعرف أن أول ما تفعله المخابرات هو التدقيق في أرقام الهواتف والرسائل في تلفون الشخص المعتقل، هذا بالإضافة إلى كثرة مراسلة الإيميلات بيننا. تمددت زينة على إحدى كنبايات غرفة الجلوس وأنا ذهبت إلى غرفة النوم. لا أحد طرق الباب في تلك الليلة لكن كثرة وشدة الكوابيس منعتني من النوم. حين استفاقت زينة صباحاً روت لي كابوسها الذي بدا كشريط سينمائي قديم مغبر يكرر ذاته برتابة مخيفة دون توقف بسبب خلل ما في آلة العرض.. من شدة خوفها كانت تنهض من الكنبة وتأتي إلى غرفتي وتقول: “هوشنك أنا خائفة ولا أستطيع النوم”. لكنها فجأة ومن شدة جفاف فمها وارتعاش جسدها خوفاً تفزُ من النوم مرعوبة لتجد نفسها أنها لازالت متمددة على الكنبة في غرفة الجلوس وتبدأ بتفحص الأغراض: التلفزيون والمصباح العمودي ولوحة المقهى لجبر علوان لتتأكد من أنها لازالت في غرفة الجلوس ثم تنهض متثاقلة وتقطع الصالون وتأتي إلى غرفتي وتوقظني وتقول: “هوشنك أنا خائفة ولا أستطيع النوم.” لكنها وبينما تحاول إيقاظي تستيقظ فجأة بجسد يرتعش وهو يتصبب عرقاً لتكتشف بأنها لازالت في غرفة الجلوس وتبدأ مرة أخرى بتفحص الأغراض الموجودة من حولها: التلفزيون و المصباح العمودي ولوحة جبر علوان لتكتشف بأنها لازالت متمددة على كنبة غرفة الجلوس فتستيقظ متثاقلة وتهرول مسرعة الى غرفتي وتبدأ باستيقاظي بصوت عال وهي مذعورة “هوشنك أنا خائفة ولا استطيع النوم” لكنها فجأة تفز من النوم وهي تغرق في عرقها.. وهكذا.. كان هذا كابوسها الطويل المكرر حتى الصباح وحين استيقظت صباحاً وخزت معصمها بدبوس وجدته على الطاولة لتتأكد من أنها مستيقظة وليست في كابوس دائري أبدي. أما أنا فكابوسي كان أكثر بساطة لكنه أشد رعباً، كان أحدهم يجبرني على أكل الخراء، خرائي أنا.

في حوالى التاسعة صباحاً اتفقنا أن تذهب زينة وحدها إلى البيت وأن أنتظرها أنا في الشارع العام تحت جسر فيكتوريا أمام فندق سميراميس لمدة عشر دقائق فقط وإذا لم تعد سأذهب أنا. عادت بعد 13 دقيقة وكان وجهها شاحباً مرعوباً. كان الأمن قد سبقوها الى هناك. في حوالى الساعة الثانية بعد الظهر اتصلت زينة لتخبرني بانها عبرت الى الجانب اللبناني. 

الأيام اللاحقة 

مرت الأيام اللاحقة ثقيلة بطيئة لم أخرج خلالها كثيراً ولم أستطع أكل أي شيء إلا وكان له مذاق الكابوس الذي كنت قد رأيته في تلك الليلة مع استعادة كاملة لتقاصيله البصرية المقززة. تم إطلاق سراح شون مساء 20 أكتوبر وتسفيره في الليلة ذاتها لكن خروجه لم يزل طعم الكابوس من لساني.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]

About the Author:

هوشنك وزيري كاتب وصحافي كردي عراقي يعيش الآن في إربيل –كردستان العراق. ظهرت كتاباته في العديد من المجلات والصحف العربية كـ”السفير و”الحياة“ والمجلة الأسبوعية باللغة الانكليزية ”اوبن ديموكراسي“ وغيرها. له مقالات ودراسات نقدية في المسرح بالاضافة الى نصوص مسرحية. قدمت مسرحيته "الاستيلاء" على المسرح الوطني ضمن فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية في شباط 2014. صدر له كتاب "بلاد ما بين عراقين" عن دار ”نون“ الاماراتية، عام 2014. الكتاب يحتوي على مجموعة من المقالات والدراسات السياسية عن العراق. كما عمل هوشنك وزيري كمنتج منفذ "Executive Producer" للفيلم الوثائقي “A Syrian Love Story” الذي حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان ”شيفيلد“ الوثائقي في المملكة المتحدة.