كانت بلاداً جميلة: من حيدر حيدر وإليه

By |2021-06-22T14:42:43-04:0022 January 2021|Article, Culture, العربية|

«صح النوم! خِلْصت الفضيحة.»

كان هذا الردَّ الساخرَ لصاحب المكتبة عام 2001 حين سألتُه عن نسخة من وليمة لأعشاب البحر. أذكر أنّي رددتُ بجملة صارخة اجتمعتْ فيها هرمونات سنّ السادسة عشرة مع بداية الطّبع الحاد الذي سيلازمني إلى اليوم: «على فكرة، عرفت حيدر حيدر قبل الضجّة!». لم يكن صاحب المكتبة ليفهم افتخاري الذي آنَسَني طوال العامين اللذين فصلا بين ضجّة إعادة نشر الرواية في مصر عام 1999 وبين أوّل صِدام شخصيّ حادّ حيال حيدر في مدينة دير الزور التي رسّختْ تلك الحادثةُ فيها إحساسي حينها بأنّها أضيق من عالمي. ربّما كان افتخارًا ساذجًا، ولكنْ ما أزعجني آنذاك التّعاملُ مع حيدر وكأنّه ولد فجأةً من الفضيحة، وكأنّه ما كان ليوجَد لولا تحريض من شخص أخرق لا يعرف القراءة. في واقع الحال، عرفتُ حيدر حيدر منذ عام 1997، حين قرأتُ جزءًا من سيرته في باب «مرفأ الذاكرة» في مجلّة العربي الكويتيّة، وأذكر أنّي سُحرتُ بكمّ ارتحالاته التي وسمَتْ حياته من حصين البحر إلى حلب إلى دمشق إلى بيروت إلى قبرص إلى الجزائر. ستسحرني تجربة مماثلة أخرى لاحقًا هي تجربة عبد الرحمن منيف، وحينها بدأتُ تلمُّس الفوارق بين التّجارب، وتلمُّس آلام الغُربة ومعنى العلاقة الشائكة التي تربط كلًّا منا بوطنه. ما الوطن في نهاية المطاف؟ أليس هو التّفاصيل الصغيرة التي تربط أيًا منّا بأرض ما، بمدينة ما، بنهر ما، بشارع ما، بشخص ما؟ لم أكن أعرف وليمة لأعشاب البحر حتّى في ذلك العام الذي شهد صِدامي الأول (الذي ستليه صِدامات كثيرة) حول جوهر الأدب وصلته الغامضة بالفضيحة. ولكنْ كنتُ قد قرأتُ حكايا النّورس المهاجر وربّما الومضحكايا النّورس المهاجر حتمًا، إذْ أذكر الصّدمة التي صعقتني عند قراءة الفهد التي كانت إحدى قصص المجموعة وصارت تُطبَع لاحقًا منفردةً بوصفها نوڨيلا خارج نطاق المجموعة الأصليّة التي أدخلتْ اسم حيدر حيدر إلى مشهد الأدب السوريّ أواخر الستينيّات.

ما كنتُ أعرف من الأدب السوريّ آنذاك إلا تجارب مخيّبة مع أعمال متفرّقة لعبد السلام العجيلي وكوليت خوري وغادة السمّان، ولذا بدتْ الفهد ناتئة عن كلّ ما قرأت. هنا كاتبٌ يعجن اللغة على هواه ويعيد إنتاجها صافيةً جارحةً في آن. هنا كاتبٌ يدرك جوهر الكتابة المرتبطة ارتباطًا لا انفصام فيه مع الطبيعة والمرأة والبلاد والمنفى … واللغة. اللغة مرةً أخرى، لأنّها توجز كلّ ما سبق. هنا كاتبٌ محكومٌ بالمفارقات التي سيّجتْ حياته وأدبه، إذ لا يُقرأ لذاته بل لكونه أُدخِل قسرًا في هذا الجدال أو ذاك، كما حدث في الضجة المصريّة الشهيرة. لم تُقرأ الفهد، مثلًا، إلا بوصفها خلفيّةً غامضةً للفيلم الذي أخرجه نبيل المالح مع أنّه يكاد لا يشبه الرواية؛ كان هذا الفيلم أحد أبرز الأفلام التي أقلقتْ مراهقتنا حين تداولنا مشاهدته سرًا بحثًا عن عري جسد الممثّلة إغراء، فيما كانت الرواية في عالمٍ آخر يولد من جسدٍ آخر هو جسد الأرض والإنسان، جسد التمرّد الذي حُكم عليه هو أيضًا بقراءات لاحقة غبيّة انطلقت من خلفيّات طائفيّة في سنوات الخواء السوريّ. أما وليمة لأعشاب البحر فقُرئت (إنْ كانت قد قُرئت حقًا) بوصفها فضيحة وإسفافًا لا من جانب الجهلاء الذين ثاروا بلا وعي كالعادة، بل أيضًا من جانب مثقّفين مثل محمد حسنين هيكل ورجاء النقّاش ومحمد الرميحي، فيما هي في واقع الحال إحدى أجمل الروايات العربيّة. ملحمةُ ارتحالات وغربة لا تنتهي، آسَفُ لأنّي أجّلتُ قراءتها بالرّغم من (على الأرجح بسبب) الضّجيج الذي رافق إعادة نشرها. ظننتُ حينها أنّها شبه سيرة ذاتيّة لكاتبها الذي عرفتُ لمحات من حياته، ولكنّ تلاحُقَ القراءات غيَّر تفكيري. ليس مهمًا إنْ كانت سيرة ذاتيّة أم لا، بل المهم أنّها سيرة؛ سيرة بشر حاولوا أن يبقوا بشرًا في عالم يسحق كلّ شيء. أظنّ أنّ أعظم ما علّمتني إيّاه تلك الوليمة هي أنّ حياة أيّ شخص تستحق أن تُكتَب وأن تُخلَّد، وأنّ التفاصيل التي تجعل البشر بشرًا هي جوهر الفنّ. ما أزال أذكر المشهد الأخير حيث يركض مهدي جواد في شوارع عنّابة قبل أن يغطس في البحر، أو بالأحرى قبل أن «يقذف جسده إلى البحر» بحسب جملة حيدر الدّقيقة الموجعة؛ مشهد سكنَ ذاكرتي وسيبقى إذ سرقتُه في قصة قصيرة مزّقتُها لاحقًا كي أنسف ذلك التأثير، كما تسلّلت لغة حيدر حيدر إلى لغتي وستبقى، وكما لَطَمَني التّاريخان اللذان يُنهيان الرواية: 1974-1983، مع ثلاث مدن هي الجزائر وبيروت وقبرص. ثمّة مَنْ يقضي تسع سنوات في كتابة عمل واحد، وينقّله معه أينما حلَّ وكيفما ارتحل، كما لو كان حقيبة منفاه أو حقيبة ما تبقّى من بلاده التي ضاقت حتّى عن أن تظفر إحدى مدنها بأن تكون مسرحًا لكتابة تلك الملحمة المؤرِّقة. لولا حماقةُ صاحب المكتبة ذاك، كانت قراءتي للوليمة ستتأخّر على الأغلب، إذ اندفعتُ في اليوم التالي إلى المركز الثقافيّ واستعرتُ نسخةً منها ودخلتُ إلى فردوس الرواية الذي يلتحم بالجحيم في متاهةٍ مرعبة. يخطر لي الآن أنّ المفارقات التي حكمتْ على حيدر حيدر انتقلتْ إليّ أنا أيضًا كلعنةٍ لا براء منها، إذ تذكّرتُ أنّي لم أحتفظ بأيّة نسخة من أعماله عندي؛ كانت إما نسخًا ورقيّة مستعارة أو نسخًا إلكترونيّة. ويحيّرني دومًا أنّه يغيب حين أقلّب في ذاكرتي الأعمال الأهم في الأدب السوريّ، وكأنّي لا أعدّه سوريًا أو كأنّ غيابه الورقيّ حَكَمَ عليه دومًا بأن يبقى عندي مثل طيفٍ لا سبيل إلى إحكام قبضة الحواس عليه. طيف سكنني ولن يتركني حتّى لو نسيتُه؛ طيف التصق بالذّاكرة إلى حدّ الغفلة إذ باتَ جزءًا منّي بلا وعي منّي؛ بات جزءًا من قاعدتي التي لا أرتضي استثناءً لها: الكاتب هو اللغة، الكاتب هو الأسلوب. ولذا غرقتُ في لغة حيدر حدَّ النّسيان.

أظنّ أنّ حيدر حيدر كان السّبب الأكبر في دفعي إلى قراءة أدب السبعينيّات السوريّ. صحيحٌ أنّه طرقَ أبواب النّشر أواخر الستينيّات إلا أنّه أقرب إلى جيل السبعينيّات الذين غيّروا خارطة الأدب السوريّ سردًا وشعرًا ومسرحًا. لم يجتمع الكمّ والكيف بهذه الدّرجة من الألق إلا في السبعينيّات: نزيه أبو عفش وبندر عبد الحميد ورياض الصالح الحسين شعرًا، سعد الله ونّوس مسرحًا، هاني الراهب وحيدر حيدر سردًا، ممدوح عدوان كعادته مثل نحلة لا تكاد تستقر على زهرة حتّى تغادرها إلى أخرى، وإنْ كانت زهرته الكبرى هي المقالات. هل كانت تلك السّنوات شديدة الخصوبة بحيث أنبتت كلّ هذه الأشجار، أم إنّ تلك الأسماء هي التي كانت غمامًا لمطرٍ أحيا أرضًا شبه قاحلة بعد أن صمت الروّاد أو غادروا إلى المنافي؟ لا نعلم بالتّحديد، غير أنّنا نعرف حتمًا أنّها أغنى سنوات في تاريخ سوريا المعاصر في الثقافة والفن (كيف لنا أن ننسى لؤي كيّالي ونذير نبعة ويوسف عبدلكي ومصطفى الحلّاج وعمر أميرلاي؟) لأنّها استوعبت الجميع على اختلاف اتّجاهاتهم. فلنبق في القصة التي كانت نقطة انطلاق حيدر حيدر. كانت الواقعيّة في القصّة قد حزمتْ آخر أمتعتها مع أعمال سعيد حورانيّة، لتمهّد لظهور عاصفة نصوص زكريا تامر التي جرفت كلّ ما كان قبلها بلا رحمة؛ نصوص لا تشبه القصة ولا تشبه القصيدة، ولكنّها تشبه تلك البلاد في فوضاها. غير أنّ حيدر لم يركن لوصفة تامر الأثيرة بالرغم من التّشابه الظاهريّ في دفقة الشّعر في أعمالهما، بل شقَّ طريقًا منعزلةً تأثّرت بالآداب الغربيّة وصانت بريق لغة التّراث ولكن بأدوات جديدة؛ طريقًا تحفر في الشّعر بإزميل الحكاية، أو تغرس قصائد في تربة سردٍ مغوٍ كمصيدة. كانت قصصه متفرّدةً لأنّها تبدو وكأنّها تضيق بحدودها، إذ بدت أقرب إلى سكتشات لمشاريع أكبر بدأها بـ الفهد، ومسّها مسًا طفيفًا في الومض والفيضان، ثمّ بدا وكأنّه وجد ضالّته أخيرًا في الوعول والتموّجات: قصص طويلة أقرب إلى النوڨيلا واصلَ كتابتها حتّى بعد نشر روايته الأولى الزّمن الموحش التي شرّح فيها دمشق بقسوةٍ جارحة، ليكتشف أنّ مبضع اللغة لن يهدأ إلا بتشريح باقي البلاد، كلّ البلاد، فكانت وليمة لأعشاب البحر، الوليمة الكبرى التي شغلته قرابة عقد في كتابتها واستنزفته قرابة عقد كامل من الصمت بعدها، قبل أن يعود بمفاجأة جميلة حملت عنوانًا غامضًا هو مرايا النّار، وعنوانًا فرعيًا أكثر غموضًا: «فصل الختام». ختام ماذا؟ لعلّها ختام فصول «نشيد الموت» الأربعة التي بدأ غنائها في الوليمة وبقيت أصداؤها عصيّة على التّلاشي. ولكنّها كانت في الوقت ذاته ختامًا حزينًا لأعمال حيدر في ذاتها. حين ثارت ضجّة وليمة لأعشاب البحر كانت تجربة حيدر حيدر قد أمست وراء ظهره حقيقةً ومجازًا. كانت أهم أعماله قد كُتبت ونُشرت منذ سنوات. كانت مرايا النّار أشبه بذروة أعمال حيدر، لا بمعنى أنّها الأفضل بل بمعنى أنّها ختام طريق الصعود، إذ بدأ ألق أعماله يخفت شيئًا فشيئًا حين التهمتُ أعماله كلّها عامي 2001 و2002. لعلّ بوسعنا استثناء مجموعة غسق الآلهة، وربّما كتاب مراثي الأيام، ولكنّهما – على جمالهما –  عجزا عن منافسة أعماله الأقدم.

أنتبه الآن إلى عنوان هذا الكتاب: مراثي الأيام الذي صدر عام 2001، وكذا أنتبه إلى عنوانَيْ مجموعتين لنزيه أبو عفش صدرا في تلك السنوات: الله يبكي، وأهل التابوت. وأبدأ استعادة ذكريات تلك السنوات التي كنت فيها ثملًا باكتشافاتي المتلاحقة في قراءة تجارب جيل السبعينيّات، وغافلًا عن التقاط الإشارات الخفيّة التي التقطها أدباء السبعينيّات أنفسهم، ومتناسيًا التحوّلات الكبرى في سوريا آنذاك، مع انتهاء عهد طويل وبداية عهد آخر كان يومئ بسراب التّفاؤل. بدت سنوات العقد الأول من الألفيّة مرشَّحةً بقوّة للمقارنة مع سوريا السبعينيّات التي كنّا نظنّ أنّها كانت فردوسًا كي تضمّ كلّ تلك الغابات الوارفة، مثلما كنّا نظنّ أنّ ألق الأدب السوريّ سيعود في ظلّ الانفتاح الموعود. غير أنّنا كنّا سذّجًا وبقينا سذّجًا لسنوات. كانت الإشارات الخافتة آنذاك تومئ إلى أنّنا سنشهد أيامًا مختلفة، وهذا ما بدا للمراقبين الخارجيّين أيضًا: لا موت ولا معتقلات ولا منافي؛ سوريا «الانفتاح» حيث الصحافة الجديدة وشركات الموبايل والسيّارات التي ستصبح في متناول الجميع؛ سوريا إغلاق سجن المزّة وعودة المنفيّين وتكريم الأدباء الشيوخ بأوسمة الاستحقاق؛ سوريا الجوائز التي تَعِدُ الأدباء الشّباب بدُنيا لا تحزّبات فيها ولا رقابة ولا تحجّر العهد البائد. على أنّ هذه الصورة تُخفي صورةً أخرى أبلغ وراءها. كانت تلك السنوات نفسها هي التي شهدت الموت السريريّ لجيل السبعينيّات: أُقيل أنطون مقدسي من منصبه في وزارة الثقافة وهو كان عرّاب سنوات السبعينيّات؛ مات سعد الله ونّوس وهاني الراهب وسيلحق بهما ممدوح عدوان بعد بضع سنوات؛ تفرّقَ في المنافي من لم يمت بعد من الرسّامين؛ عاد زكريا تامر إلى منفاه بعد أن خُدع في «الوطن» وخلد إلى الصمت الذي كان سعيد حورانيّة قد خلد إليه منذ الستينيّات حتّى رحيله؛ هجرَ بندر عبد الحميد الشّعر، ولجأ حيدر حيدر إلى قريته كملاذ أخير في الشيخوخة. ولم يكن حظّ الأدباء الذين جاؤوا في الثمانينيّات والتّسعينيّات أفضل من سابقيهم: عام 1998، أُهدِر دم ممدوح عزّام إثر نشر روايته قصر المطر وعايش مأساةً مماثلةً لمأساة حيدر؛ تواصلَ تهميش الأدباء «المغضوب عليهم»: ركنَ إبراهيم صموئيل إلى الصمت بعد عام 2002، وزِيْد في تجاهل فوّاز حدّاد. كانت تلك سنوات اليد الحديديّة المغلّفة بقفّاز مخمل «الإصلاح والتّطوير والتّحديث». وأنتبه الآن إلى أنّ توازي هاتين المرحلتين وتماثلهما ينسحب أيضًا على عناوين أعمال السبعينيّات: الزمن الموحش لحيدر حيدر، دمشق الحرائق لزكريا تامر، الفرح ليس مهنتي لمحمّد الماغوط، حبر الإعدام لسنيّة صالح، أيّها الزمان الضيّق أيّتها الأرض الواسعة لنزيه أبو عفش، خراب الدورة الدمويّة لرياض الصالح الحسين، الدّماء تدقّ النوافذ وأمّي تطارد قاتلها لممدوح عدوان.

لم تكن فردوس السبعينيّات فردوسًا إذن. ولم تكن سنوات العقد الأول من الألفيّة الثالثة فردوسًا أيضًا. كانت السنوات الأولى سنوات السّراب البعيد الذي يحسبه الظمآن ماءً، وكانت السّنوات الثانية سنوات الغفلة التي تناسى فيها الظمآن السّراب والماء وعضَّ على عطشه بانتظار ماءٍ قد يأتي وقد لا يأتي. لعلّه الجحيم، أو المطهر ربّما؛ لا فرق! كان جيل السبعينيّات يحذّرون من الفجائع التي كانوا يستشعرون حدوثها الآن وهنا، وبعد عقود. لم أنتبه إلى دفق الفجيعة الذي ينزّ من كلّ حرفٍ من حروف مرايا النّار التي عرفتُ منذ البداية أنّها ستكون روايتي المفضّلة من روايات حيدر. ربّما سحرتني الملانخوليا التي تؤطّر الرواية كلّها، كما تفعل عادةً في المراهقة وبداية الصّبا. ثمّة عالمٌ قاسٍ مؤلم في ثنايا الملحمة الصغرى التي لا تُسلِّم مفاتيحها كاملةً إلا حين تُقرأ بالتوازي مع الملحمة الكبرى، ولكنّ إغواء اللغة ورهافة الإحساس حجبا قسوة العالم للوهلة الأولى، ليستشعر القارئ، من ثمّ، جراحه الخفيّة بعد أن يظنّ أنّه انتهى من القراءة. كانت الزّمن الموحش المبضعَ الذي شقَّ به حيدر أجسادنا كلّنا، وكانت وليمة لأعشاب البحر الإصبع الذي نكأ تلك الجراح، ثمّ أتت مرايا النّار لتصبح الملحَ على تلك الجراح المفتوحة. عشرون عامًا تقريبًا تفصل بين الزمن الموحش وبين مرايا النّار، وعشرون عامًا تقريبًا تفصل بين قراءتي الأولى لـ مرايا النّار وقراءتي الرابعة أو الخامسة لها قبل أيام. الطيف هو الطيف، والسراب هو السراب، والظمآن هو الظمآن، ولذا واصلَ حيدر تحذيراته المتلاحقة من الفجائع التي ستأتي لا محالة، من اللوياثان – لو استخدمنا المصطلح التوراتيّ الأثير لدى حيدر – الذي سيلتهم كلّ شيء، سيلتهم الطّيف والسراب والماء والظمآن. لعلّ جمال أعمال حيدر يكمن في أنّه يحنو على جميع شخصيّاته بالرغم من أنّه لا يخفي انحيازاته. الفجيعة طوفان يجرف الجميع، ولذا لا فرق بينك وبين غيرك، فالكلّ ضحايا، وإنْ لم يدركوا ذلك للوهلة الأولى. «الذاكرة وحدها المنجى من هلاك محقّق»، كما يقول في الزمن الموحش، ولكن هل هي حقًا؟ أليست الذاكرة هلاكًا هي الأخرى؟ أليس هذا ما يدركه مهدي ومهيار وآسيا وفلّة في وليمة لأعشاب البحر؟ أليس هذا ما ندركه كلّنا حين نتذكّر ما لا نودّ تذكّره؟ أليس هذا بالذات ما يتوق ناجي في مرايا النّار كي يهرب منه؟ أليس هذا ما أسعى إليه الآن كي أُعيد جمال لحظات سنة المراهقة تلك بعيدًا من تداعيات السنوات العشرين التي أثقلت الذاكرة وأَدْمَتْها؟ ولكنْ لعلّ الذاكرة منجى حقًا حين ننتقي ما نودّ تذكّره: خطّ الثلث في عنوان وليمة لأعشاب البحر بغلافها الأبيض في طبعة دار «ورد»؛ غلاف مرايا النّار الأزرق، وغلاف غسق الآلهة الأخضر في طبعة دار «بترا»؛ غبار صفحات الزمن الموحش التي لم يَسْتَعِرها أحد منذ شهور؛ جلد المفكّرة الحمراء التي كنتُ أدوّن فيها ما أحبّ من اقتباسات. لا بدّ أنّي دوّنتُ الاقتباس الذي على غلاف الوليمة: «وكانت بلادًا جميلة». لا أعرف الآن ذلك الزمن الذي كانت فيه البلاد جميلة، ولستُ متأكّدًا من وجوده أصلًا؛ غير أنّي كنتُ متأكّدًا من وجوده قبل عشرين عامًا، كنتُ متأكّدًا من أنّ هذه البلاد القاحلة كانت جميلةً يومًا، إذ لا بدّ من وجود ذلك الزمن وإلا لن تكون البلاد جديرةً إلا بالحرائق.

كنتَ تريد الكتابة عن مرايا النّار. ما الذي فعلته يا أحمق!

*تنشر هذه المادة بالتعاون مع جدلية.       

About the Author:

يزن الحاج كاتب ومترجم سوريّ